الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: 36] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رَفِيقُ الرَّجُلِ فِي سَفَرِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا صَدَقَةُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ , قَالَ: ثنا أَبُو عَمْرٍو , عَنْ زَاذَانَ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] أَيِ الْجَنَّةَ يُعْطِهَا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] قَالَ: " الْأَجْرُ الْعَظِيمُ: الْجَنَّةُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] قَالَ: " أَجْرًا عَظِيمًا: الْجَنَّةُ " ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ عِبَادَهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ , فَكَيْفَ بِهِمْ ﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] يَعْنِي: " بِمَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِأَعْمَالِهَا , وَتَصْدِيقِهَا رُسُلَهَا , أَوْ تَكْذِيبِهَا ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] يَقُولُ: " وَجِئْنَا بِكَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى هَؤُلَاءِ: أَيْ عَلَى أُمَّتِكَ شَهِيدًا , يَقُولُ: شَاهِدًا.
كَمَا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] قَالَ: " إِنَّ النَّبِيِّينَ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , مِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْعَشَرَةُ وَأَقَلُّ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ , حَتَّى يُؤْتَى بِقَوْمِ لُوطٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُؤْمِنْ مَعَهُ إِلَّا ابْنَتَاهُ , فَيُقَالَ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغْتُمْ مَا أَرْسَلْتُمْ بِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ , فَيُقَالَ: مَنْ يَشْهَدُ؟ فَيَقُولُونَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُقَالَ لَهُمْ: أَتَشْهَدُونَ أَنَّ الرُّسُلَ أَوْدَعُوا عِنْدَكُمْ شَهَادَةً , فَبِمَ تَشْهَدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا نَشْهَدُ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا كَمَا شَهِدُوا فِي الدُّنْيَا بِالتَّبْلِيغِ.
فَيُقَالَ: مَنْ يَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فيُدْعَى مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ , فَيَشْهَدُ أَنَّ أُمَّتَهُ قَدْ صَدَّقُوا , وَأَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهِيدًا} [البقرة: 143] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] قَالَ: " رَسُولُهَا , فَيَشْهَدُ عَلَيْهَا أَنْ قَدْ أَبْلَغَهُمْ مَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ إِلَيْهِمْ؛ ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى عَلَيْهَا فَاضَتْ عَيْنَاهُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ , قَالَ: ثنا الْحَسَنُ , عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: 3] قَالَ: " الشَّاهِدُ مُحَمَّدٌ , وَالْمَشْهُودُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] "
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنِ الْمَسْعُودِيِّ , عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مَا دُمْتُ فِيهِمْ , فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ , عَنِ الْمَسْعُودِيِّ , عَنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: «أَقْرَأْ عَلَيَّ» قَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» . قَالَ: فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ النِّسَاءَ , حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] قَالَ: «اسْتَعْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَفَّ ابْنُ مَسْعُودٍ»
قَالَ الْمَسْعُودِيُّ: فَحَدَّثني جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ , عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مَا دُمْتُ فِيهِمْ , فَإِذَا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضَ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 42] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: يَوْمَ نَجِيءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ , وَنَجِيءُ بِكَ عَلَى أُمَّتِكَ يَا مُحَمَّدُ شَهِيدًا ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 105] يَقُولُ: " يَتَمَنَّى الَّذِينَ جَحَدُوا وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ وَعَصَوْا رَسُولَهُ
, لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءَ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ: (لَوْ تَسَّوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) بِتَشْدِيدِ السِّينِ وَالْوَاوِ وَفَتْحِ التَّاءِ , بِمَعْنَى: لَوْ تَتَسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ , ثُمَّ أُدْغِمَتِ التَّاءُ الثَّانِيَةُ فِي السِّينِ , يُرَادُ بِهِ: أَنَّهُمْ يَودُّونَ لَوْ صَارُوا تُرَابًا ,
فَكَانُوا سَوَاءً هُمْ وَالْأَرْضُ.
وَقَرَأَ آخَرُونَ ذَلِكَ: (لَوْ تَسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ , وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ , غَيْرَ أَنَّهُمْ تَرَكُوا تَشْدِيدَ السِّينِ , وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ تَجْمَعُ بَيْنَ تَشْدِيدَيْنِ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: 42] بِمَعْنَى: لَوْ سَوَّاهُمُ اللَّهُ وَالْأَرْضَ , فَصَارُوا تُرَابًا مِثْلَهَا بِتَصْيِيرِهِ إِيَّاهُمْ , كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ بِهِ مِنَ الْبَهَائِمِ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعْنَى , وَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ , لِأَنَّ مَنْ تَمَنَّى مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ يَوْمَئِذٍ تُرَابًا إِنَّمَا يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ إِيَّاهُ كَذَلِكَ , وَكَذَلِكَ مَنْ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَعَلَهُ كَذَلِكَ فَقَدْ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ تُرَابًا.
عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَأَعْجَبُ الْقِرَاءَةِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ: لَوْ تَسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ , بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ , كَرَاهِيَةَ الْجَمْعِ بَيْنَ تَشْدِيدَيْنِ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ , وَلِلتَّوْفِيقِ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ
تُرَابًا} [النبأ: 40] فَأَخْبَرَ اللَّهُ , عَنْهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ أَنْ كَانُوا تُرَابًا , وَلَمْ يُخْبِرْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا , فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: 42] , فَيُسَوَّوْا هُمْ , وَهِيَ أَعْجَبُ إِلَيَّ لِيُوَافِقَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: 40] . وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 42] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ تَأَوَّلُوهُ , بِمَعْنَى: وَلَا تَكْتُمُ اللَّهَ جَوَارِحُهُمْ حَدِيثًا وَإِنْ جَحَدَتْ ذَلِكَ أَفْوَاهُهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا حَكَّامٌ , قَالَ: ثنا عَمْرٌو , عَنْ مُطَرِّفٍ , عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ , فَقَالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ , يَقُولُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 42] فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا أَهْلُ الْإِسْلَامِ قَالُوا: تَعَالَوْا فَلْنَجْحَدْ , فَقَالُوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ.
فَخَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ , وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ , فَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ رَجُلٍ , عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ , فَقَالَ: أَشْيَاءُ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ؟ أَشَكٌّ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَيْسَ بِالشَّكِّ , وَلَكِنَّهُ اخْتِلَافٌ.
قَالَ: فَهَاتِ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ.
قَالَ: أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] وَقَالَ: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 42] وَقَدْ كَتَمُوا.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَيَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَلَا يَغْفِرُ شِرْكًا وَلَا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ جَحَدَ الْمُشْرِكُونِ , فَقَالُوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ , رَجَاءَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ , فَخُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ , فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 42]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ثنا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الزُّبَيْرُ , عَنِ الضَّحَّاكِ: أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ , قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 42] وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَحْسِبُكَ قُمْتَ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِكَ فَقُلْتَ: أَلْقَى عَلَيَّ ابْنُ عَبَّاسٍ مُتَشَابِهَ الْقُرْآنِ , فَإِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ جَامِعُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي بَقِيعٍ وَاحِدٍ , فَيَقُولُ الْمُشْرِكُونَ
إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا إِلَّا مِمَّنْ وَحَّدَهُ , فَيَقُولُونَ: تَعَالَوْا نَجْحَدْ.
فيَسْأَلُهُمْ , فَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ قَالَ فَيَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ , وَيَسْتَنْطِقُ جَوَارِحَهُمْ , فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَمَنَّوْا لَوْ أَنَّ الْأَرْضَ سُوِّيَتْ بِهِمْ , وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي: ثني عَمِّي قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 42] يَعْنِي: «أَنْ تُسَوَّى الْأَرْضُ بِالْجِبَالِ عَلَيْهِمْ» فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا.
كَأَنَّهُمْ تَمَنَّوْا أَنَّهُمْ سُوُّوا مَعَ الْأَرْضِ , وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كَتَمُوا اللَّهَ حَدِيثًا وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ يَوْمَئِذٍ لَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا , وَيَوَدُّونَ لَوْ تُسَوَّى
بِهِمُ الْأَرْضَ.
ولَيْسَ بِمُنْكَتِمٍ عَنِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ , لِعِلْمِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ بِجَمِيعِ حَدِيثِهِمْ وَأَمْرِهِمْ , فَإِنَّهُمْ إِنْ كَتَمُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَجَحَدُوهُ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 43] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104] : صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ , ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: 43] : لَا تُصَلُّوا , ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] : وَهُوَ جَمْعُ سَكْرَانٍ , ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43] : فِي صَلَاتِكُمْ , وَتَقْرَءُونَ فِيهَا مِمَّا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ , أَوْ نَدَبَكُمْ إِلَى قِيلِهِ فِيهَا مِمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ وَزَجَرَكُمْ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّكَرِ الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ: السَّكَرَ مِنَ الشَّرَابِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَرَجُلٌ آخَرُ شَرِبُوا الْخَمْرَ , فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ , فَقَرَأَ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1]
فَخَلَطَ فِيهَا , فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ , قَالَ: ثنا حَمَّادٌ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ , صَنَعَ طَعَامًا وَشَرَابًا , فَدَعَا نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا حَتَّى ثَمِلُوا , فَقَدَّمُوا عَلِيًّا يُصَلِّي بِهِمُ الْمَغْرِبَ , فَقَرَأَ: «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ , أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ , وَأَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ , وَأَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ , لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ , فَقَالَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] الْآيَةُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنْ أَبِي رَزِينٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] قَالَ: " نَزَلَ هَذَا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ , فَقَالَ: وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنْ أَبِي رَزِينٍ , قَالَ: «كَانُوا يَشْرَبُونَ بَعْدَ مَا أُنْزِلَتِ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ , وَبَعْدَ الَّتِي فِي النِّسَاءِ , فَلَمَّا أُنْزِلَتِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ تَرَكُوهَا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43] قَالَ: «نُهُوا أَنْ يُصَلُّوا وَهُمْ سُكَارَى , ثُمَّ نَسَخَهَا تَحْرِيمُ الْخَمْرِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] قَالَ: «كَانُوا يَجْتَنِبُونَ السَّكَرَ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَوَاتِ , ثُمَّ نُسِخَ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنْ أَبِي وَائِلٍ , وَأَبِي رَزِينٍ وَإِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] وَ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219] وَقَوْلُهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 67] قَالُوا: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى مِنَ النَّوْمِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] قَالَ: «سَكَرُ النَّوْمِ»
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: ثنا سَلَمَةُ , عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] قَالَ: « لَمْ يَعْنِ بِهَا سَكَرَ الْخَمْرِ , وَإِنَّمَا عَنَى بِهَا سَكَرَ النَّوْمِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ , تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ نَهْي مِنَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَهُمْ سُكَارَى مِنَ الشَّرَابِ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ , لِلْأَخْبَارِ الْمُتَظَاهِرَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ نَهْي مِنَ اللَّهِ , وَأَنَّ هَذِهِ الْآيَةِ نَزَلَتْ فِيمَنْ ذَكَرْتُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , وَالسَّكْرَانُ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ نَظِيرُ الْمَجْنُونِ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ , وَأَنْتَ مِمَّنْ تُحِيلُ تَكْلِيفَ الْمَجَانِينَ لِفَقْدِهِمُ الْفَهْمَ بِمَا يُؤْمَرُ وَيُنْهَى؟ قِيلَ لَهُ: إِنَّ السَّكْرَانَ لَوْ كَانَ فِي مَعْنَى الْمَجْنُونِ لَكَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ , وَلَكِنَّ السَّكْرَانَ هُوَ الَّذِي يَفْهَمُ مَا يَأْتِي وَيَذَرُ , غَيْرَ أَنَّ الشَّرَابَ قَدْ أَثْقَلَ لِسَانِهِ وَأَحَرَّ جِسْمَهُ وَأَخْدَرَهُ , حَتَّى عَجَزَ عَنْ إِقَامَةِ قِرَاءَتِهِ فِي صَلَاتِهِ وَحُدُودِهَا الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ زَوَالِ عَقْلِهِ , فَهُوَ بِمَا أُمِرَ بِهِ وَنُهِيَ عَنْهُ عَارِفٌ فَهِمٌ , وَعَنْ أَدَاءِ بَعْضِهِ عَاجِزٌ بِخَدَرِ جِسْمِهِ مِنَ الشَّرَابِ.
وَأَمَّا مَنْ صَارَ إِلَى حَدٍّ لَا يَعْقِلُ مَا يَأْتِي وَيَذَرُ , فَذَلِكَ مُنْتَقِلٌ مِنَ السَّكَرِ إِلَى الْخَبْلِ , وَمَعْدُودٌ فِي الْمَجَانِينِ , وَلَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي خُوطِبَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: 43] لِأَنَّ ذَلِكَ مَجْنُونٌ , وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِهِ السَّكْرَانُ , وَالسَّكْرَانِ مَا وَصَفْنَا صِفَتَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43]
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ , وَلَا تَقْرَبُوهَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ , يَعْنِي: إِلَّا أَنْ تَكُونُوا مُجْتَازِي طَرِيقٍ: أَيْ مُسَافِرِينَ حَتَّى تَغْتَسِلُوا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , قَالَا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ [النساء: 43] إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ قَالَ: " الْمُسَافِرُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: فِي السَّفَرِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43] يَقُولُ: «لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ جُنُبٌ , إِذَا وَجدْتُمُ الْمَاءَ , فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا الْمَاءَ , فَقَدْ أَحْلَلْتُ لَكُمْ أَنْ تَمَسَّحُوا بِالْأَرْضِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى , عَنِ الْمِنْهَالِ , عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ عَنْ زِرٍّ , عَنْ عَلِيٍّ , رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43]
قَالَ: «إِلَّا أَنْ تَكُونُوا مُسَافِرِينَ فَلَا تَجِدُوا الْمَاءَ فَتَيَمَّمُوا»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ [النساء: 43] إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ قَالَ: «الْمُسَافِرُ» حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا هِشَامٌ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , بِمِثْلِهِ