﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ [هود: 61] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا، فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا
اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ، فَمَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ يَسْتَوْجِبُ عَلَيْكُمُ الْعِبَادَةَ، وَلَا تَجُوزُ الْأَلُوهَةُ إِلَّا لَهُ ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [هود: 61] يَقُولُ: هُوَ ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ.
وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ مِنَ الْأَرْضِ، فَخَرَجَ الْخِطَابُ لَهُمْ إِذْ كَانَ ذَلِكَ فِعْلَهُ بِمَنْ هُمْ مِنْهُ ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61] يَقُولُ: وَجَعَلَكُمْ عُمَّارًا فِيهَا، فَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ: أَسْكَنَكُمْ فِيهَا أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَعْمَرَ فُلَانٌ فُلَانًا دَارَهُ، وَهِيَ لَهُ عُمْرَى وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿وَاسْتَعْمَرَكِمْ فِيهَا﴾ [هود: 61] قَالَ: أَعْمَرَكُمْ فِيهَا "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَاسَتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61] يَقُولُ: أَعْمَرَكُمْ " وَقَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [هود: 61] يَقُولُ: اعْمَلُوا عَمَلًا يَكُونُ سَبَبًا لِسِتْرِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
ذُنُوبَكُمْ، وَذَلِكَ الْإِيمَانُ بِهِ، وَإِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ لَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ وَاتِّبَاعُ رَسُولِهِ صَالِحٍ ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: 61] يَقُولُ: ثُمَّ اتْرُكُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا يَكْرَهُهُ رَبُّكُمْ إِلَى مَا يَرْضَاهُ وَيُحِبُّهُ ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: 61] يَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مِمَّنْ أَخْلَصَ لَهُ الْعِبَادَةَ وَرَغِبَ إِلَيْهِ فِي التَّوْبَةِ، مُجِيبٌ لَهُ إِذَا دَعَاهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: 62] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتْ ثَمُودُ لِصَالِحٍ نَبِيِّهِمْ: ﴿يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾ [هود: 62] أَيْ كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ فِينَا سَيِّدًا ﴿قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: 49] الْقَوْلِ الَّذِي قُلْتَهُ
لَنَا مِنْ أَنَّهُ مَالَنَا مِنْ إِلَهٍ غَيْرَ اللَّهِ ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: 62] يَقُولُ: أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ الْآلِهَةَ الَّتِي كَانَتْ آبَاؤُنَا تَعْبُدُ ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: 62] يَعْنُونَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ صِحَّةَ مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَأَنَّ الْأُلُوهَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لَهُ خَالِصًا.
وَقَوْلُهُ ﴿مُرِيبٍ﴾ [هود: 62] أَيْ يُوجِبُ التُّهْمَةَ مِنْ أَرَبْتُهِ فَأَنَا أَرِيبُهُ إِرَابَةً، إِذَا فَعَلْتُ بِهِ فِعْلًا يُوجِبُ لَهُ الرِّيبَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْهُذَلِيِّ:
[البحر الرجز]
كُنْتُ إِذَا أَتَوْتُهُ مِنْ غَيْبِ ... يَشَمُّ عِطْفِي وَيَبُزُّ ثَوْبِي
كَأَنَّمَا أَرَبْتُهُ بِرَيْبِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: 63] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ صَالِحٌ لِقَوْمِهِ مِنْ ثَمُودَ: ﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى﴾ [هود: 28] بُرْهَانٍ وَبَيَانٍ مِنَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْتُهُ وَأَيْقَنْتُهُ ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [هود: 63] يَقُولُ: وَآتَانِي مِنْهُ النُّبُوَّةَ وَالْحِكْمَةَ وَالْإِسْلَامَ، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: 63] يَقُولُ: فَمَنِ الَّذِي يَدْفَعُ عَنِّي عِقَابَهُ إِذَا عَاقَبَنِي إِنْ أَنَا عَصَيْتُهُ، فَيُخَلِّصُنِي مِنْهُ، فَمَا تَزِيدُونَنِي بِعُذْرِكُمُ الَّذِي تَعْتَذِرُونَ بِهِ مِنْ أَنَّكُمْ تَعْبُدُونَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ غَيْرَ تَخْسِيرٍ لَكُمْ يُخْسِرُكُمْ حُظُوظَكُمْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ:
كَمَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: 63] يَقُولُ: مَا تَزْدَادُونَ أَنْتُمْ إِلَّا خَسَارًا "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: 64] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ صَالِحٍ لِقَوْمِهِ مِنْ ثَمُودَ إِذْ قَالُوا لَهُ ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: 62] وَسَأَلُوهُ الْآيَةً عَلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ: ﴿يَا قَوْمِ هَذِهِ
نَاقَةُ
اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: 64] يَقُولُ: حُجَّةً وَعَلَامَةً، وَدَلَالَةً عَلَى حَقِيقَةِ مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 73] فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ رِزْقُهَا وَلَا مُؤْنَتُهَا.
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: 73] يَقُولُ: لَا تَقْتُلُوهَا وَلَا تَنَالُوهَا بِعَقْرٍ، ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: 64] يَقُولُ: فَإِنَّكُمْ إِنْ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ يَأْخُذْكُمْ عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ غَيْرُ بَعِيدٍ فَيُهْلِكَكُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: 65] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَعَقَرَتْ ثَمُودُ نَاقَةَ اللَّهِ.
وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ قَدْ تُرِكَ ذِكْرُهُ اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ، وَهُوَ: فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا.
فَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾
[هود: 65] يَقُولُ: اسْتَمْتِعُوا فِي دَارِ الدُّنْيَا بِحَيَاتِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
﴿ذَلِكَ وَعَدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: 65] يَقُولُ: هَذَا الْأَجَلُ الَّذِي أَجَّلْتُكُمْ وَعَدٌ مِنَ اللَّهِ، وَعَدَكُمْ بِانْقِضَائِهِ الْهَلَاكَ، وَنُزُولَ الْعَذَابِ بِكُمْ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، يَقُولُ: لَمْ يَكْذُبْكُمْ فِيهِ مِنْ أَعْلَمَكُمْ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: 65] وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ صَالِحًا حِينَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْعَذَابَ أَتَاهُمْ لَبِسُوا الْأَنْطَاعَ وَالْأَكْسِيَةَ، وَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّ آيَةَ ذَلِكَ أَنْ تَصْفَرَّ أَلْوَانُكُمْ أَوَّلَ يَوْمٍ، ثُمَّ تَحْمَرَّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، ثُمَّ تَسْوَدَّ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ نَدِمُوا وَقَالُوا: عَلَيْكُمُ الْفَصِيلَ فَصَعِدَ الْفَصِيلُ الْقَارَةَ
وَالْقَارَةُ الْجَبَلُ حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي يَا رَبِّ أُمِّي ثَلَاثًا.
قَالَ: فَأُرْسِلَتِ الصَّيْحَةُ عِنْدَ ذَلِكَ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَقُولُ: لَوْ صَعَدْتُمُ الْقَارَةَ لَرَأَيْتُمْ عِظَامَ الْفَصِيلِ.
وَكَانَتْ مَنَازِلُ ثَمُودَ بِحَجْرٍ بَيْنَ الشَّامِ وَالْمَدِينَةِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ " ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 65] قَالَ: بَقِيَّةَ آجَالِهِمْ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَوْ صَعِدْتُمْ عَلَى الْقَارَةِ لَرَأَيْتُمْ عِظَامَ الْفَصِيلِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: 66] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا جَاءَ ثَمُودَ عَذَابُنَا، ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [هود: 66] بِهِ ﴿مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [الأعراف: 72] يَقُولُ: بِنِعْمَةٍ وَفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ، ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمَئِذٍ﴾ [هود: 66] يَقُولُ:
وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ هَوَانِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَذُلِّهِ بِذَلِكَ الْعَذَابِ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ﴾ [هود: 66] فِي بَطْشِهِ إِذَا بَطَشَ بِشَيْءٍ أَهْلَكَهُ، كَمَا أَهْلَكَ ثَمُودَ حِينَ بَطَشَ بِهَا الْعَزِيزُ، فَلَا يَغْلِبُهُ غَالِبٌ، وَلَا يَقْهَرُهُ قَاهِرٌ، بَلْ يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ وَيَقْهَرُهُ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ﴾ [هود: 66] يَوْمَئِذٍ قَالَ: نَجَّاهُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا، وَنَجَّاهُ مِنْ خِزْي يَوْمَئِذٍ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ، قَالَ: قُلْنَا لَهُ: حَدِّثْنَا حَدِيثَ ثَمُودَ قَالَ: أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمُودَ: " كَانَتْ ثَمُودُ قَوْمُ صَالِحٍ أَعْمَرَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا فَأَطَالَ أَعْمَارَهُمْ حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَبْنِي الْمَسْكَنَ مِنَ الْمَدَرِ، فَيَنْهَدِمُ وَالرَّجُلُ مِنْهُمْ حَيٌّ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اتَّخَذُوا مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ، فَنَحَتُوهَا وَجَوَّفُوهَا، وَكَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ مَعَايِشِهِمْ، فَقَالُوا: يَا صَالِحُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا آيَةً نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَدَعَا صَالِحٌ رَبَّهُ، فَأَخْرَجَ لَهُمُ النَّاقَةَ، فَكَانَ شِرْبُهَا يَوْمًا وَشِرْبُهُمْ يَوْمًا مَعْلُومًا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهَا خَلَّوْا عَنْهَا وَعَنِ الْمَاءِ، وَحْلِبُوهَا لَبَنًا، مَلَئُوا كُلَّ إِنَاءٍ وَوِعَاءٍ وَسِقَاءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهِمْ صَرَفُوهَا عَنِ الْمَاءِ، فَلَمْ تَشْرَبْ مِنْهُ شَيْئًا، فَمَلَئُوا كُلَّ إِنَاءٍ وَوِعَاءٍ وَسِقَاءٍ.
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى صَالِحٍ: إِنَّ قَوْمَكَ سَيَعْقِرُونَ نَاقَتَكَ فَقَالَ لَهُمْ، فَقَالُوا: مَا كُنَّا لِنَفْعَلَ فَقَالَ: إِلَّا تَعْقِرُوهَا أَنْتُمْ يُوشِكُ
أَنْ يُولَدَ فِيكُمْ مَوْلُودٌ.
قَالُوا: مَا عَلَامَةُ ذَلِكَ الْمَوْلُودِ؟ فَوَاللَّهِ لَا نَجِدُهُ إِلَّا قَتَلْنَاهُ قَالَ: فَإِنَّهُ غُلَامٌ أَشْقَرُ أَزْرَقُ أَصْهَبُ أَحْمَرُ.
قَالَ: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ شَيْخَانِ عَزِيزَانِ مَنِيعَانِ، لِأَحَدِهِمَا ابْنٌ يُرَغِّبُ بِهِ عَنِ الْمَنَاكِحِ، وَلِلْآخَرِ ابْنَةٌ لَا يَجِدُ لَهَا كُفُؤًا، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا مَجْلِسٌ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُزَوِّجَ ابْنَكَ؟ قَالَ: لَا أَجِدُ لَهُ كُفُؤًا، قَالَ: فَإِنَّ ابْنَتِي كُفُؤٌ لَهُ، وَأَنَا أُزَوِّجُكَ فَزَوَّجَهُ، فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا ذَلِكَ الْمَوْلُودُ.
وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ ثَمَانِيَةُ رَهْطٍ يِفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا يُصْلِحُونَ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: إِنَّمَا يَعْقِرُهَا مَوْلُودٌ فِيكُمْ، اخْتَارُوا ثَمَانِي نِسْوَةٍ قَوَابِلَ مِنَ الْقَرْيَةِ، وَجَعَلُوا مَعَهُنَّ شُرْطًا كَانُوا يَطُوفُونَ فِي الْقَرْيَةِ، فَإِذَا وَجَدُوا الْمَرْأَةَ تَمْخُضُ، نَظَرُوا مَا وَلَدُهَا إِنْ كَانَ غُلَامًا قَلَّبْنَهُ، فَنَظَرْنَ مَا هُوَ، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةٌ أَعْرَضْنَ عَنْهَا، فَلَمَّا وَجَدُوا ذَلِكَ الْمَوْلُودَ صَرَخَ النِّسْوَةُ وَقُلْنَ: هَذَا الَّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَالِحٌ فَأَرَادَ الشُّرْطُ أَنْ يَأْخُذُوهُ، فَحَالَ جِدَّاهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَقَالَا: لَوْ أَنَّ صَالِحًا أَرَادَ هَذَا قَتَلْنَاهُ فَكَانَ شَرُّ مَوْلُودٍ، وَكَانَ يَشِبُّ فِي الْيَوْمِ شَبَابَ غَيْرِهِ فِي الْجُمُعَةِ، وَيَشِبُّ فِي الْجُمُعَةِ شَبَابَ غَيْرِهِ فِي الشَّهْرِ، وَيَشِبُّ فِي الشَّهْرِ شَبَابَ غَيْرِهِ فِي السَّنَةِ.
فَاجْتَمَعَ الثَّمَانِيَةُ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ، وَفِيهِمُ الشَّيْخَانِ، فَقَالُوا نَسْتَعْمِلُ عَلَيْنَا هَذَا الْغُلَامُ لِمَنْزِلَتَهُ وَشَرَفَ جَدَّيْهِ، فَكَانُوا تِسْعَةٌ.
وَكَانَ صَالِحٌ لَا يَنَامُ مَعَهُمْ فِي الْقَرْيَةِ، كَانَ فِي مَسْجِدٍ يُقَالُ لَهُ مَسْجِدُ صَالِحٍ، فِيهِ يَبِيتُ
بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ أَتَاهُمْ فَوَعَظَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ، وَإِذَا أَمْسَى خَرَجَ إِلَى مَسْجِدِهِ فَبَاتَ فِيهِ ". قَالَ حَجَّاجٌ: وقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " لَمَّا قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: إِنَّهُ سَيُولَدُ غُلَامٌ يَكُونُ هَلَاكُكُمْ عَلَى يَدَيْهِ، قَالُوا فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: آمُرُكُمْ بِقَتْلِهِمْ فَقَتَلُوهُمْ إِلَّا وَاحِدًا.
قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَوْلُودُ قَالُوا: لَوْ كُنَّا لَمْ نَقْتُلْ أَوْلَادَنَا، لَكَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا مِثْلُ هَذَا، هَذَا عَمَلُ صَالِحٍ.
فَأْتَمِرُوا بَيْنَهُمْ بِقَتْلِهِ، وَقَالُوا: نَخْرُجُ مُسَافِرِينَ، وَالنَّاسُ يَرَوْنَنَا عَلَانِيَةً، ثُمَّ نَرْجِعُ مِنْ لَيْلَةِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا وَكَذَا، فَنَرْصُدُهُ عِنْدَ مُصَلَّاهُ فَنَقْتُلُهُ، فَلَا يَحْسِبُ النَّاسُ إِلَّا أَنَّا مُسَافِرُونَ كَمَا نَحْنُ فَأَقْبَلُوا حَتَّى دَخَلُوا تَحْتَ صَخْرَةٍ يَرْصُدُونَهُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةَ فَرَضَخَتْهُمْ، فَأَصْبَحُوا رُضْخًا.
فَانْطَلَقَ رِجَالٌ مِمَّنْ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَإِذَا هُمْ رُضَخٌ، فَرَجَعُوا يَصِيحُونَ فِي الْقَرْيَةِ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ، أَمَا رَضِيَ صَالِحٌ أَنْ أَمَرَهُمُ أَنْ يُقَتِّلُوا أَوْلَادَهُمْ حَتَّى قَتَلَهُمْ؟ فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ عَلَى قَتْلِ النَّاقَةِ أَجْمَعُونَ، وَأَحْجَمُوا عَنْهَا إِلَّا ذَلِكَ الِابْنُ الْعَاشِرُ.
" ثُمَّ رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " وَأَرَادُوا أَنْ يَمْكُرُوا بِصَالِحٍ، فَمَشَوْا حَتَّى أَتَوْا عَلَى سِرْبٍ عَلَى طَرِيقِ صَالِحٍ، فَاخْتَبَأَ فِيهِ ثَمَانِيَةٌ، وَقَالُوا: إِذَا خَرَجَ عَلَيْنَا قَتَلْنَاهُ، وَأَتَيْنَا أَهْلَهُ فَبَيَّتْنَاهُمْ فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَاسْتَوَتْ عَلَيْهِمْ ". قَالَ: " فَاجْتَمَعُوا وَمَشَوْا إِلَى النَّاقَةِ وَهِيَ عَلَى حَوْضِهَا قَائِمَةٌ، فَقَالَ
الشَّقِيُّ لِأَحَدِهِمُ: ائْتِهَا فَاعْقِرْهَا فَأَتَاهَا فَتَعَاظَمَهُ ذَلِكَ، فَأَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ، فَبَعَثَ آخَرَ فَأَعْظَمَ ذَلِكَ، فَجَعَلَ لَا يَبْعَثُ رَجُلًا إِلَّا تَعَاظَمَهُ أَمْرُهَا؛ حَتَّى مَشَوْا إِلَيْهَا، وَتَطَاوَلَ فَضَرَبَ عُرْقُوبَيْهَا، فَوَقَعَتْ تَرْكُضُ، وَأَتَى رَجُلٌ مِنْهُمْ صَالِحًا، فَقَالَ: أَدْرِكِ النَّاقَةَ فَقَدْ عَقِرَتْ فَأَقْبَلَ، وَخَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَهُ وَيَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّمَا عَقَرَهَا فُلَانٌ، إِنَّهُ لَا ذَنْبَ لَنَا.
قَالَ: فَانْظُرُوا هَلْ تُدْرِكُونَ فَصِيلَهَا؟ فَإِنْ أَدْرَكْتُمُوهُ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْكُمُ الْعَذَابَ فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَهُ، وَلَمَّا رَأَى الْفَصِيلُ أُمَّهُ تَضْطَرِبُ أَتَى جَبَلًا يُقَالُ لَهُ الْقَارَةُ قَصِيرًا، فَصَعِدَ وَذَهَبُوا لِيَأْخُذُوهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْجَبَلِ، فَطَالَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَنَالُهُ الطَّيْرُ ". قَالَ: " وَدَخَلَ صَالِحٌ الْقَرْيَةَ، فَلَمَّا رَآهُ الْفَصِيلُ بَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ صَالِحًا فَرَغَا رَغْوَةً، ثُمَّ رَغَا أُخْرَى، ثُمَّ رغَا أُخْرَى، فَقَالَ صَالِحٌ لِقَوْمِهِ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أَجْلُ يَوْمٍ ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: 65] أَلَا إِنَّ أَيَّةَ الْعَذَابِ أَنَّ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ تُصْبِحُ وجُوهُكُمْ مُصْفَرَّةً، وَالْيَوْمُ الثَّانِي مُحْمَرَّةً، وَالْيَوْمُ الثَّالِثُ مُسْوَدَّةً فَلَمَّا أَصْبَحُوا فَإِذَا وجُوهُهُمْ كَأَنَّهَا طُلِيَتْ بِالْخَلُوقِ، صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ، ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ.
فَلَمَّا أَمْسَوْا صَاحُوا بِأَجْمَعِهِمْ: أَلَا قَدْ مَضَى يَوْمٌ مِنَ الْأَجَلِ وَحَضَرَكُمُ الْعَذَابُ فَلَمَّا أَصْبَحُوا الْيَوْمَ الثَّانِي إِذَا وجُوهُهُمْ مُحْمَرَّةٌ كَأَنَّهَا خُضِبَتْ بِالدِّمَاءِ، فَصَاحُوا وَضَجُّوا وَبَكُوا وَعَرَفُوا آيَةَ الْعَذَابِ، فَلَمَّا
أَمْسَوْا صَاحُوا بِأَجْمَعِهِمْ: أَلَا قَدْ مَضَى يَوْمَانِ مِنَ الْأَجَلِ، وَحَضَرَكُمُ الْعَذَابُ فَلَمَّا أَصْبَحُوا الْيَوْمَ الثَّالِثَ، فَإِذَا وجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ كَأَنَّهَا طُلِيَتْ بِالْقَارِ، فَصَاحُوا جَمِيعًا: أَلَا قَدْ حَضَرَكُمُ الْعَذَابُ فَتَكَفَّنُوا وَتَحَنَّطُوا، وَكَانَ حَنُوطُهُمُ الصَّبْرُ وَالْمَقْرُ، وَكَانَتْ أَكْفَانُهُمُ الْأَنْطَاعُ.
ثُمَّ أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ بِالْأَرْضِ، فَجَعَلُوا يُقَلِّبُونَ أَبْصَارَهُمْ، فَيَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ مَرَّةً وَإِلَى الْأَرْضِ مَرَّةً، فَلَا يَدْرُونَ مِنْ حَيْثُ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ خَسَفًا وَغَرَقًا.
فَلَمَّا أَصْبَحُوا الْيَوْمَ الرَّابِعَ أَتَتْهُمْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ، وَصَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ صَوْتٌ فِي الْأَرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ أَهْلَكَ اللَّهُ مَنْ بَيْنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ، مَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
قِيلَ: وَمَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَبُو رِغَالٍ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَتَى عَلَى قَرْيَةِ ثَمُودَ لِأَصْحَابِهِ: «لَا يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْقَرْيَةَ، وَلَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهِمْ»
وَأَرَاهُمْ مُرْتَقَى الْفَصِيلِ حِينَ ارْتَقَى فِي الْقَارَةِ "
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَتَى عَلَى قَرْيَةِ ثَمُودَ قَالَ: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ»
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَتَى عَلَى الْحَجَرِ، حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَا بَعْدُ، فَلَا تَسْأَلُوا رَسُولَكُمُ الْآيَاتِ، هَؤُلَاءِ قَوْمُ صَالِحٍ سَأَلُوا رَسُولَهُمُ الْآيَةَ، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُمُ النَّاقَةَ، فَكَانَتْ تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ وَتَصْدُرُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ، فَتَشْرَبُ مَاءَهُمْ يَوْمَ ورُودِهَا»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: " ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَرَّ بِوَادِي ثَمُودَ، وَهُوَ عَامِدٌ إِلَى تَبُوكَ قَالَ: فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُسْرِعُوا السَّيْرَ، وَأَنْ لَا يَنْزِلُوا بِهِ، وَلَا يَشْرَبُوا مِنْ مَائِهِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ وَادٍ مَلْعُونٌ.
قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الرَّجُلَ الْمُوسِرَ مِنْ قَوْمِ صَالِحٍ كَانَ يُعْطِي الْمُعْسِرَ مِنْهُمْ مَا يَتَكَفِّنُونَ بِهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَلْحَدُ لِنَفْسِهِ، وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ، لِمِيعَادِ نَبِيِّ اللَّهِ صَالِحٍ الَّذِي وَعَدَهُمْ وَحَدَّثَ مَنْ رَآهُمْ بِالطُّرُقِ وَالْأَفْنِيَةِ وَالْبُيُوتِ، فِيهِمْ شُبَّانُ وَشُيُوخٌ أَبْقَاهُمُ اللَّهُ عِبْرَةً وَآيَةً "
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْأَشْجَعِيُّ، مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ، قَالَ: لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، نَزَلَ الْحَجْرَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ» لَا تَسْأَلُوا نَبِيَّكُمُ الْآيَاتِ هَؤُلَاءِ قَوْمُ صَالِحٍ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ آيَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُمُ النَّاقَةَ آيَةً، فَكَانَتْ تَلِجُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ وُرُودِهِمُ الَّذِي كَانُوا يَتَرَوُّونَ مِنْهُ، ثُمَّ يَحْلُبُونَهَا مِثْلَ مَا كَانُوا يَتَرَوُّونَ مِنْ مَائِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ لَبَنًا، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ الْفَجِّ، فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَعَقَرُوهَا، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ الْعَذَابَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَكَانَ وَعْدًا مِنَ اللَّهِ غَيْرَ مَكْذُوبٍ، فَأَهْلَكَ اللَّهُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ " قَالُوا: وَمَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَبُو رِغَالٍ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾ [هود: 68] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَصَابَ الَّذِينَ فَعَلُوا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فَعَلُهُ مِنْ عَقْرِ نَاقَةِ اللَّهِ وَكُفْرِهِمْ بِهِ الصَّيْحَةُ، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: 67] قَدْ
جَثَمَتْهُمُ الْمَنَايَا، وَتَرَكَتْهُمْ خُمُودٍا بِأَفْنِيَتِهِمْ.
كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: 67] يَقُولُ: أَصْبَحُوا قَدْ هَلَكُوا " ﴿كَأَنَّ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: 92] يَقُولُ: كَأَنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيهَا، وَلَمْ يَعْمُرُوا بِهَا كَمَا
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ " ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: 92] كَأَنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيهَا " حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [هود: 68] يَقُولُ: أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَجَحَدُوهَا، ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ [هود: 68] يَقُولُ: أَلَا أَبْعَدَ اللَّهُ ثَمُودَ لِنُزُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ [هود: 69] مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ كَانُوا جِبْرَئِيلَ وَمَلَكَيْنِ آخَرَيْنِ.
وَقِيلَ أَنَّ الْمَلَكَيْنِ الْآخَرَيْنِ كَانَا مِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ مَعَهُ.
﴿إِبْرَاهِيمَ﴾
[البقرة: 124] يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ اللَّهِ ﴿بِالْبُشْرَى﴾ [هود: 69] يَعْنِي: بِالْبِشَارَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْبِشَارَةِ الَّتِي أَتَوْهُ بِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الْبِشَارَةُ بِإِسْحَاقِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الْبِشَارَةُ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ.
﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ [هود: 69] يَقُولُ: فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ سَلَامًا، وَنَصَبَ «سَلَامًا» بِإِعْمَالِ «قَالُوا» فِيهِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: قَالُوا قَوْلًا وَسَلَّمُوا تَسْلِيمًا.
﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: 69] يَقُولُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَهُمْ: سَلَامٌ.
فَرَفَعَ «سَلَامٌ» ، بِمَعْنَى عَلَيْكُمُ السَّلَامُ، أَوْ بِمَعْنَى سَلَامٌ مِنْكُمْ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ سِلْمٌ بِمَعْنَى السَّلَامِ؛ كَمَا قَالُوا: حِلٌّ وَحَلَالٌ، وَحَرْمٌ وَحَرَامٌ.
وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ أَنْشَدَهُ:
[البحر الطويل]
مَرَرْنَا فَقُلْنَا إِيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ... كَمَا اكْتَلَّ بِالْبَرْقِ الْغَمَامُ اللَّوَائِحُ
. بِمَعْنَى «سَلَامٌ» . وَقَدْ رُوِيَ «كَمَا انْكَلَّ» . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ: نَحْنُ سِلْمٌ لَكُمْ، مِنَ الْمُسَالَمَةِ الَّتِي هِيَ خِلَافُ الْمُحَارَبَةِ، وَهَذِهِ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: 69] عَلَى أَنَّ الْجَوَابَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ، بِنَحْوِ تَسْلِيمِهِمْ، عَلَيْكُمُ السَّلَامُ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ السِّلْمَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى السَّلَامِ عَلَى مَا وَصَفْتُ، وَالسَّلَامَ بِمَعْنَى السِّلْمِ، لِأَنَّ التَّسْلِيمَ لَا يَكَادُ يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ أَهْلِ السِّلْمِ دُونَ الْأَعْدَاءِ، فَإِذَا ذُكِرَ تَسْلِيمٌ مِنْ قَوْمٍ عَلَى قَوْمٍ وَرَدَّ الْآخَرِينَ عَلَيْهِمْ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى مُسَالَمَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وَهُمَا مَعَ ذَلِكَ قِرَاءَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَهْلُ قُدْوَةٍ فِي الْقِرَاءَةِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] وَأَصْلُهُ مَحْنُوذٍ، صُرِفَ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَى فَعِيلٍ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْهُمْ: مَعْنَى الْمَحْنُوذِ: الْمَشْوِي، قَالَ: وَيُقَالُ مِنْهُ: حَنَذْتُ فَرَسِي، بِمَعْنَى سَخَّنْتُهُ وَعَرَّقْتُهُ.
وَاسْتَشْهَدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
وَرَهِبَا مِنْ حَنْذِهِ أَنْ يَهْرَجَا
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: حَنَذَ فَرَسَهُ: أَيْ أَضْمَرَهُ، وَقَالَ: قَالُوا حَنَذَهُ يَحْنِذْهُ حَنْذًا: أَيْ عَرَّقَهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: كُلُّ مَا انْشَوَى فِي الْأَرْضِ إِذَا خَدَدْتَ لَهُ فِيهِ فَدَفَنْتُهُ، وَغَمَمْتُهُ، فَهُوَ الْحَنِيذُ وَالْمَحْنُوذُ.
قَالَ: وَالْخَيْلُ تُحْنَذُ إِذَا أُلْقِيَتْ عَلَيْهَا الْجِلَالُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِتَعْرَقَ.
قَالَ: وَيُقَالُ: إِذَا سَقَيْتَ فَأَحْنِذْ، يَعْنِي أَخْفِسْ، يُرِيدُ: أَقِلِّ الْمَاءَ وَأَكْثِرِ النَّبِيذَ.
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي مَعْنَاهُ مَا أَنَا ذَاكِرُهُ، وَذَلِكَ مَا:
حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: 69] يَقُولُ: نَضِيجٍ "