تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 111-121

سُورَةُ الْأَحْقَافِ

صفحات 111-121
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [غافر: 2] بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَوْلُهُ: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا أَحْدَثْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَأَوْجَدْنَاهُمَا خَلْقًا مَصْنُوعًا، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ أَصْنَافِ الْعَالَمِ إِلَّا بِالْحَقِّ، يَعْنِي: إِلَّا لِإِقَامَةِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ فِي الْخَلْقِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: 2] يَقُولُ: وَإِلَّا بِأَجَلٍ لِكُلِّ ذَلِكَ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ يُفْنِيهِ إِذَا هُوَ بَلَغَهُ، وَيُعْدِمُهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَوْجُودًا بِإِيجَادِهِ إِيَّاهُ وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ جَحَدُوا وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ عَنْ إِنْذَارِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ مُعْرِضُونَ، لَا يَتَّعِظُونَ بِهِ، وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فَيَعْتَبِرُونَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ: أَرَأَيْتُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ الَّتِي تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَرُونِي أَيَّ شَيْءٍ خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ، فَإِنَّ رَبِّي خَلَقَ الْأَرْضَ كُلَّهَا، فَدَعَوْتُمُوهَا مِنْ أَجْلِ خَلْقِهَا مَا خَلَقَتْ مِنْ ذَلِكَ آلِهَةً وَأَرْبَابًا، فَيَكُونُ لَكُمْ بِذَلِكَ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهَا حُجَّةٌ، فَإِنَّ مِنْ حُجَّتِي عَلَى عِبَادَتِي إِلَهِي، وَإِفْرَادِي لَهُ الْأُلُوهَةَ، أَنَّهُ خَلَقَ الْأَرْضَ فَابْتَدَعَهَا مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ لِآلِهَتِكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا أَيُّهَا النَّاسُ، شِرْكٌ مَعَ اللَّهِ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، فَيَكُونُ لَكُمْ أَيْضًا بِذَلِكَ حُجَّةٌ فِي عِبَادَتِكُمُوهَا، فَإِنَّ مِنْ حُجَّتِي عَلَى إِفْرَادِي الْعِبَادَةَ لِرَبِّي، أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهَا، وَأَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِخَلْقِهَا دُونَ كُلِّ مَا

سِوَاهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿ائْتَونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [الأحقاف: 4] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: بِكِتَابٍ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيَّ، بِأَنَّ مَا تَعْبُدُونَ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا، أَوْ أَنَّ لَهُمُ مَعَ اللَّهِ شِرْكًا فِي السَّمَاوَاتِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً لَكُمْ عَلَى عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهَا؛ لِأَنَّهَا إِذَا صَحَّ لَهَا

ذَلِكَ صَحَّتْ لَهَا الشَّرِكَةُ فِي النِّعَمِ الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا، وَوَجَبَ لَهَا عَلَيْكُمُ الشُّكْرُ، وَاسْتَحَقَّتْ مِنْكُمُ الْخِدْمَةَ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَخْلُقَهُ إِلَّا اللَّهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4] بِالْأَلْفِ، بِمَعْنَى: أَوْ ائْتُونِي بِبَقِيَّةٍ مِنْ عِلْمٍ وَرُوِي عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُهُ (أَوْ أَثَرَةٍ مِنْ عِلْمٍ) بِمَعْنَى: أَوْ خَاصَّةٍ مِنْ عِلْمٍ أُوتِيتُمُوهُ، وَأُوثِرْتُمْ بِهِ عَلَى

غَيْرِكُمْ،

وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ غَيْرَهَا ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4] بِالْأَلْفِ، لِإِجْمَاعِ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَيْهَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَوِ ائْتُونِي بِعِلْمٍ بِأَنَّ آلِهَتَكُمْ خَلَقَتْ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا، وَأَنَّ لَهَا شِرْكًا فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ قِبَلِ الْخَطِّ الَّذِي تَخُطُّونَهُ فِي الْأَرْضِ، فَإِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَهْلُ عِيَافَةٍ وَزَجْرٍ وَكَهَانَةٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4] قَالَ: «خَطٌّ كَانَ يَخُطُّهُ الْعَرَبُ فِي الْأَرْضِ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ: " الْخَطُّ: هُوَ الْعِيَافَةُ "

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَوْ خَاصَّةً مِنْ عِلْمٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4] قَالَ: «أَوْ خَاصَّةٍ مِنْ عِلْمٍ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4] قَالَ: «أَيْ خَاصَّةٍ مِنْ عِلْمٍ»

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: ثَنِي أَبِي , عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4] قَالَ: «خَاصَّةٍ مِنْ عِلْمٍ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَوْ عِلْمٍ تُثِيرُونَهُ فَتَسْتَخْرِجُونَهُ

ذِكْرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4] قَالَ: «أَثَارَةٍ شَيْءٍ يَسْتَخْرِجُونَهُ فِطْرَةً» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَوْ تَأْثُرُونَ ذَلِكَ عِلْمًا عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ قَبْلَكُمْ؟

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4] قَالَ: «أَحَدٌ يَأْثُرُ عِلْمًا» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَوْ بِبَيِّنَةٍ مِنَ الْأَمْرِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي , قَالَ: ثَنِي عَمِّي , قَالَ: ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4] يَقُولُ: «بِبَيِّنَةٍ مِنَ الْأَمْرِ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: بِبَقِيَّةٍ مِنْ عِلْمٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ عَنْ، ﴿أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: 4] قَالَ: «بَقِيَّةٍ مِنْ عِلْمٍ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْأَثَارَةُ: الْبَقِيَّةُ مِنْ عِلْمٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَهِيَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَثَرَ الشَّيْءَ أَثَارَةً، مِثْلَ سَمُجَ سَمَاجَةً، وَقَبُحَ قَبَاحَةً، كَمَا قَالَ رَاعِي الْإِبِلِ: وَذَاتِ أَثَارَةٍ أَكَلَتْ عَلَيْهَا ... نَبَاتًا فِي أَكِمَّتِهِ قِفَارًا يَعْنِي: وَذَاتِ بَقِيَّةٍ مِنْ شَحْمٍ، فَأَمَّا مَنْ قَرَأَهُ (أَوْ أَثَرَةٍ) فَإِنَّهُ جَعَلَهُ أَثَرَةً مِنَ الْأَثَرِ، كَمَا قِيلَ: قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ

وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَهُ «أَوْ أَثْرَةٍ» بِسُكُونِ الثَّاءِ، مِثْلَ الرَّجْفَةِ وَالْخَطْفَةِ، وَإِذَا وُجِّهَ ذَلِكَ إِلَى مَا قُلْنَا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عِلْمٍ، جَازَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْبَقِيَّةُ مِنْ عِلْمِ الْخَطِّ، وَمِنْ عِلْمٍ اسْتُثِيرَ مِنْ كُتُبِ الْأَوَّلِينَ، وَمِنْ خَاصَّةِ عِلْمٍ كَانُوا أُوثِرُوا بِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ بِأَنَّهُ تَأَوَّلَهُ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْخَطِّ، سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنِ: ائْتُونِي أَيُّهَا الْقَوْمُ بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا الْكِتَابِ، بِتَحْقِيقِ مَا سَأَلْتُكُمْ تَحْقِيقَهُ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَى دَعْوَاكُمْ مَا تَدْعُونَ لِآلِهَتِكُمْ، أَوْ بِبَقِيَّةٍ مِنْ عِلْمٍ يُوصَلُ بِهَا إِلَى عِلْمِ صِحَّةِ مَا تَقُولُونَ مِنْ ذَلِكَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23] فِي دَعْوَاكُمْ لَهَا مَا تَدْعُونَ، فَإِنَّ الدَّعْوَى إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا حُجَّةٌ لَمْ تُغْنِ عَنِ الْمُدَّعِي شَيْئًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَيُّ عَبْدٍ أَضَلُّ مِنْ عَبْدٍ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَا تَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: يَقُولُ: لَا تُجِيبُ دُعَاءَهُ أَبَدًا، لِأَنَّهَا حَجَرٌ أَوْ خَشَبٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَآلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ إِيَّاهُمْ فِي غَفْلَةٍ، لِأَنَّهَا لَا تَسْمَعُ وَلَا تَنْطِقُ، وَلَا تَعْقِلُ وَإِنَّمَا عَنَى بِوَصْفِهَا بِالْغَفْلَةِ، تَمْثِيلُهَا بِالْإِنْسَانِ السَّاهِي عَمَّا يُقَالُ لَهُ، إِذْ كَانَتْ لَا تَفْهَمُ مِمَّا يُقَالُ لَهَا شَيْئًا، كَمَا لَا يَفْهَمُ الْغَافِلُ عَنِ

الشَّيْءِ مَا غَفَلَ عَنْهُ وَإِنَّمَا هَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لِسُوءِ رَأْيهِمْ، وَقُبْحِ اخْتِيَارِهِمْ فِي عِبَادَتِهِمْ مَنْ لَا يَعْقِلُ شَيْئًا وَلَا يَفْهَمُ،

وَتَرْكِهِمْ عِبَادَةِ مَنْ جَمِيعُ مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَتِهِ، وَمَنْ بِهِ اسْتِغَاثَتِهِمْ عِنْدَمَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ الْحَوَائِجِ وَالْمَصَائِبِ وَقِيلَ: مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ، فَأَخْرَجَ ذِكْرَ الْآلِهَةِ وَهِيَ جَمَادٌ مَخْرَجَ ذِكْرِ بَنِي آدَمَ، وَمَنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ وَالتَّمْيِيزُ، إِذْ كَانَتْ قَدْ مَثَّلَتْهَا عَبَدَتُهَا بِالْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ الَّتِي تَخْدُمُ فِي خِدْمَتِهِمْ إِيَّاهَا، فَأَجْرَى الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ مَا كَانَ جَارِيًا فِيهِ عِنْدَهُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا جُمِعَ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَوْقِفِ الْحِسَابِ، كَانَتْ هَذِهِ الْآلِهَةُ الَّتِي يَدْعُونَهَا فِي الدُّنْيَا

لَهُمْ أَعْدَاءً، لِأَنَّهُمْ يَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمْ ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَانَتْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا فِي الدُّنْيَا بِعِبَادَتِهِمْ جَاحِدِينَ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا أَمَرْنَاهُمْ بِعِبَادَتِنَا، وَلَا شَعَرْنَا بِعِبَادَتِهِمْ إِيَّانَا، تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مِنْهُمْ يَا رَبَّنَا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [يونس: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا يُقْرَأُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ آيَاتِنَا، يَعْنِي حُجَجَنَا الَّتِي احْتَجَجْنَاهَا عَلَيْهِمْ، فِيمَا أَنْزَلْنَاهُ مِنْ كِتَابِنَا عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ [البقرة: 99] يَعْنِي وَاضِحَاتٍ نَيِّرَاتٍ ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [الأحقاف: 7] يَقُولُ

تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ الَّذِينَ جَحَدُوا وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ، وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: 13] يَعْنُونَ هَذَا الْقُرْآنَ خِدَاعٌ يَخْدَعُنَا، وَيَأْخُذُ بِقُلُوبِ مَنْ سَمِعَهُ فِعْلَ السَّحَرِ مُبِينٌ: يَقُولُ: يَبِينُ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ مِمَّنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ سِحْرٌ مُبِينٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الأحقاف: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ قُرَيْشٍ افْتَرَى مُحَمَّدٌ هَذَا الْقُرْآنَ، فَاخْتَلَقَهُ وَتَخَرَّصَهُ كَذِبًا،

قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِنِ افْتَرَيْتُهُ وَتَخَرَّصْتُهُ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِي﴾ [الأحقاف: 8] يَقُولُ: فَلَا تُغْنُونَ عَنِّي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَاقَبَنِي عَلَى افْتِرَائِي إِيَّاهُ، وَتَخَرُّصِي عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَدْفَعُوا عَنِّي سُوءًا إِنْ أَصَابَنِي بِهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [الأحقاف: 8] يَقُولُ: رَبِّي أَعْلَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَاهُ بِمَا تَقُولُونَ بَيْنَكُمْ فِي هَذَا الْقُرْآنِ، وَالْهَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: 61] مِنْ ذِكْرِ الْقُرْآنِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: 61] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: 61] قَالَ: «تَقُولُونَ»

وَقَوْلُهُ: ﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأحقاف: 8] يَقُولُ: كَفَى بِاللَّهِ شَاهِدًا عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ بِمَا تَقُولُونَ مِنْ تَكْذِيبِكُمْ لِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْغَفُورِ الرَّحِيمِ لَهُمْ، بِأَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهَا بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ مِنْهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ مِنْ قُرَيْشٍ ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9] يَعْنِي: مَا كُنْتُ أَوَّلَ رُسُلِ اللَّهِ

الَّتِي أَرْسَلَهَا إِلَى خَلْقِهِ، قَدْ كَانَ مِنْ قَبْلِي لَهُ رُسُلٌ كَثِيرَةٌ أُرْسِلَتْ إِلَى أُمَمٍ قَبْلَكُمْ؛ يُقَالُ مِنْهُ: هُوَ بِدْعٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَبَدِيعٌ فِيهِ، إِذَا كَانَ فِيهِ أَوَّلَ وَمِنَ الْبِدْعِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: فَلَا أَنَا بِدْعٌ مِنْ حَوَادِثَ تَعْتَرِي ... رِجَالًا عَرَتْ مِنْ بَعْدِ بُؤْسِي وَأَسْعُدِ وَمِنَ الْبَدِيعِ قَوْلُ الْأَحْوَصِ: فَخَرَتْ فَانْتَمَتْ فَقُلْتُ انْظُرِينِي ... لَيْسَ جَهْلٌ أَتَيْتُهُ بِبَدِيعِ يَعْنِي بِأَوَّلَ، يُقَالُ: هُوَ بِدْعٌ مِنْ قَوْمٍ أَبْدَاعٍ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9] يَقُولُ: «لَسْتُ بِأَوَّلِ الرُّسُلِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي , قَالَ: ثَنِي عَمِّي , قَالَ: ثَنِي أَبِي , عَنْ

أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9] قَالَ: يَقُولُ: «مَا كُنْتُ أَوَّلَ رَسُولٍ أُرْسِلَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9] قَالَ: «مَا كُنْتُ أَوَّلَهُمْ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي هُبَيْرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ قَتَادَةَ ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9] قَالَ: «أَيْ قَدْ كَانَتْ قَبْلِي رُسُلٌ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9] يَقُولُ: «أَيْ إِنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَانَتْ قَبْلِي»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 9] قَالَ: «قَدْ كَانَتْ قَبْلَهُ رُسُلٌ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: 9] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ لَهُ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ بِكَ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِلَامَ نَصِيرُ هُنَالِكَ، قَالُوا: ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ حَالَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] وَقَالَ: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الفتح: 5]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: 9] «فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذَا» ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2]

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَا: قَالَ فِي حم الْأَحْقَافِ ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: 9] " فَنَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْفَتْحِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: 2] الْآيَةَ، فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَبَشَّرَهُمْ بِأَنَّهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: هَنِيئًا لَكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا مَا يُفْعَلُ بِكَ، فَمَاذَا يُفْعَلُ بِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ، فَقَالَ: ﴿وَبِشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 47] وَقَالَ ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا، وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ﴾ [الفتح: 5] الْآيَةَ «فَبَيَّنَ اللَّهُ مَا يَفْعَلُ بِهِ وَبِهِمْ»

جارٍ التحميل