يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا﴾ [البقرة: 42] لَا تَخْلِطُوا، وَاللَّبْسُ: هُوَ الْخَلْطُ، يُقَالُ مِنْهُ: لَبَّسْتُ عَلَيْهِمُ الْأَمْرَ أُلَبِّسُهُ لَبْسًا: إِذَا خَلَطْتُهُ عَلَيْهِمْ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَمَا حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: 9] يَقُولُ: لَخَلَطْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَخْلِطُونَ " وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ:
[البحر الرجز]
لَمَّا لَبِسْنَ الْحَقَّ بِالتَّجَنِّي ... غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّي
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: لَبِسْنَ: خَلَطْنَ.
وَأَمَّا اللُّبْسِ فَإِنَّهُ يُقَالُ مِنْهُ: لَبِسْتُهُ أَلْبَسُهُ لُبْسًا وَمَلْبَسًا، وَذَلِكَ فِي الْكِسْوَةِ يَكْتَسِيهَا فَيَلْبَسُهَا.
وَمِنَ اللُّبْسِ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:
[البحر البسيط]
لَقَدْ لَبِسْتُ لِهَذَا الدَّهْرِ أَعْصُرَهُ ... حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْبُ وَاشْتَعَلَا
وَمِنَ اللُّبْسِ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ كَانُوا يَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَهُمْ كُفَّارٌ، وَأَيُّ حَقٍّ كَانُوا عَلَيْهِ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ؟ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مُنَافِقُونَ مِنْهُمْ يُظْهِرُونَ التَّصْدِيقَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَبْطِنُونَ الْكُفْرَ بِهِ وَكَانَ عُظْمُهُمْ يَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إِلَّا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى غَيْرِنَا.
فَكَانَ لُبْسُ الْمُنَافِقِ مِنْهُمُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ إِظْهَارَهُ الْحَقَّ بِلِسَانِهِ وَإِقْرَارَهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ جِهَارًا، وَخُلْطَةُ ذَلِكَ الظَّاهِرِ مِنَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ الَّذِي يَسْتَبْطِنُهُ.
وَكَانَ لُبْسُ الْمُقِرِّ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى غَيْرِهِمُ الْجَاحِدِ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَيْهِمْ إِقْرَارَهُ بِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى غَيْرِهِمْ وَهُوَ الْحَقُّ، وَجُحُودُهُ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَيْهِمْ وَهُوَ الْبَاطِلُ، وَقَدْ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً.
فَذَلِكَ خَلْطُهُمْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَلُبْسُهُمْ إِيَّاهُ بِهِ
كَمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 42] قَالَ: لَا تَخْلِطُوا الصِّدْقَ بِالْكَذِبِ "
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 42] يَقُولُ: لَا تَخْلِطُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَأَدُّوا
النَّصِيحَةَ لَعِبَادِ اللَّهِ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ "
وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: " ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 42] الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بِالْإِسْلَامِ "
وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 42] قَالَ: الْحَقُّ: التَّوْرَاةُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، وَالْبَاطِلُ: الَّذِي كَتَبُوهُ بِأَيْدِيهِمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: 42] وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَكْتُمُوا الْحَقَّ كَمَا نَهَاهُمْ أَنْ يَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ.
فَيَكُونُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ: وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَلَا
تَكْتُمُوا الْحَقَّ.
وَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ [البقرة: 42] عِنْدَ ذَلِكَ مَجْزُومًا بِمَا جُزِمَ بِهِ: ﴿تَلْبِسُوا﴾ [البقرة: 42] عَطْفًا عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَيَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: 42] خَبَرًا مِنْهُ عَنْهُمْ بِكِتْمَانِهِمُ الْحَقَّ الَّذِي يَعْلَمُونَهُ، فَيَكُونَ قَوْلُهُ: وَتَكْتُمُوا، حِينَئِذٍ مَنْصُوبًا، لِانْصِرَافِهِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 42] إِذْ كَانَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا﴾ [البقرة: 42] نَهْيًا، وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: 42] خَبَرًا مَعْطُوفًا عَلَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُعَادَ عَلَيْهِ مَا عَمِلَ فِي
قَوْلِهِ: ﴿تَلْبَسُوا﴾ [البقرة: 42] مِنَ الْحَرْفِ الْجَازِمِ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ صَرْفًا.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الكامل]
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
فَنُصِبَ تَأْتِي عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ [البقرة: 42] الْآيَةُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ: لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَلَا تَأْتِ مِثْلَهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَأَنْتَ تَأْتِي مِثْلَهُ.
فَكَانَ الْأَوَّلُ نَهْيًا وَالثَّانِي خَبَرًا، فَنُصِبَ الْخَبَرُ إِذْ عَطَفَهُ عَلَى غَيْرِ شَكْلِهِ.
فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا أَنَّ الْآيَةَ تَحْتَمِلُهُمَا، فَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ
الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " قَوْلُهُ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: 42] يَقُولُ: وَلَا تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ "
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: 42] أَيْ وَلَا تَكْتُمُوا الْحَقَّ " وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْهُمَا فَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٍ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ
أَبِي الْعَالِيَةِ: " ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42] قَالَ: كَتَمُوا بَعْثَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَهُ وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَهُ وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْحَقِّ الَّذِي كَتَمُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَهُ
فَهُوَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: 42] يَقُولُ: لَا تَكْتُمُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِرَسُولِي وَمَا جَاءَ بِهِ وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ عِنْدَكُمْ فِيمَا تَعْلَمُونَ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ "
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: 42] يَقُولُ: إِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ "
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42] قَالَ: يَكْتُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ
مُحَمَّدًا، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ " وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42] قَالَ: الْحَقُّ هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42] قَالَ: كَتَمُوا بَعْثَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ "
وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: «تَكْتُمُونَ مُحَمَّدًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ» فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: وَلَا تَخْلِطُوا عَلَى النَّاسِ أَيُّهَا الْأَحْبَارُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، وَتَزْعُمُوا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى بَعْضِ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ دُونَ بَعْضٍ أَوْ تُنَافِقُوا فِي أَمْرِهِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى جَمِيعِكُمْ، وَجَمِيعِ الْأُمَمِ غَيْرِكُمْ، فَتَخْلِطُوا بِذَلِكَ الصِّدْقَ بِالْكَذِبِ، وَتَكْتُمُوا بِهِ مَا تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ مِنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، وَأَنَّهُ رَسُولِي إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ
رَسُولِي، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ إِلَيْكُمْ فَمِنْ عِنْدِي، وَتَعْرِفُونَ أَنَّ مِنْ عَهْدِي الَّذِي أَخَذْتُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِكُمُ الْإِيمَانَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَالتَّصْدِيقَ بِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ذُكِرَ أَنَّ أَحْبَارَ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَلَا يَفْعَلُونَهُ؛ فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ الْمُصَدِّقِينَ بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَإِيتَاءِ
زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ مَعَهُمْ وَأَنْ يَخْضَعُوا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ كَمَا خَضَعُوا
كَمَا حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] قَالَ: فَرِيضَتَانِ وَاجِبَتَانِ، فَأَدُّوهُمَا إِلَى اللَّهِ " وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ أَمَّا إِيتَاءُ الزَّكَاةِ: فَهُوَ أَدَاءُ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ؛ وَأَصْلُ الزَّكَاةِ: نَمَاءُ الْمَالِ وَتَثْمِيرُهُ وَزِيَادَتُهُ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: زَكَا الزَّرْعُ: إِذَا كَثُرَ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهُ؛ وَزَكَتِ النَّفَقَةُ: إِذَا كَثُرَتْ.
وَقِيلَ: زَكَا الْفَرْدُ، إِذَا صَارَ زَوْجًا بِزِيَادَةِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ بِهِ شَفْعًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ
:
[البحر البسيط]
كَانُوا خَسًا أَوْ زَكًا مِنْ دُونِ أَرْبَعَةٍ ... لَمْ يَخْلَقُوا وَجُدُودُ النَّاسِ تَعْتَلِجُ
وَقَالَ آخَرُ:
[البحر الرجز]
فَلَا خَسَا عَدِيدُهُ وَلَا زَكَا ... كَمَا شِرَارُ الْبَقْلِ أَطْرَافُ السَّفَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: السَّفَا: شَوْكُ الْبُهْمَى، وَالْبُهْمَى: الَّذِي يَكُونُ مُدَوَّرًا فِي السُّلَّاءِ.
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: وَلَا زَكَا لَمْ يُصَيِّرْهِمْ شَفْعًا مِنْ وِتْرٍ بِحُدُوثِهِ فِيهِمْ.
وَإِنَّمَا قِيلَ لِلزَّكَاةِ زَكَاةٌ وَهِيَ مَالٌ يَخْرُجُ مِنْ مَالٍ لِتَثْمِيرِ اللَّهِ بِإِخْرَاجِهَا مِمَّا أُخْرِجَتْ مِنْهُ مَا بَقِيَ عِنْدَ رَبِّ الْمَالِ مِنْ مَالِهِ.
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ زَكَاةً لِأَنَّهَا تَطْهِيرٌ لِمَا بَقِيَ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ، وَتَخْلِيصٌ لَهُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهِ مَظْلَمَةٌ لِأَهْلِ السُّهْمَانِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ نَبِيِّهِ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: 74] يَعْنِي بَرِيئَةً مِنَ الذُّنُوبِ طَاهِرَةً، وَكَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: هُوَ عَدْلٌ زَكِيٌّ لِذَلِكَ الْمَعْنَى.
وَهَذَا الْوَجْهُ أَعْجَبُ إِلَيَّ فِي تَأْوِيلِ زَكَاةِ الْمَالِ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ،
وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مَقْبُولًا فِي تَأْوِيلِهَا.
وَإِيتَاؤُهَا: إِعْطَاؤُهَا أَهْلَهَا وَأَمَّا تَأْوِيلُ الرُّكُوعِ: فَهُوَ الْخُضُوعُ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ، يُقَالُ مِنْهُ: رَكَعَ فُلَانٌ لِكَذَا وَكَذَا: إِذَا خَضَعَ لَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر البسيط]
بِيعَتْ بِكَسْرِ لَئِيْمٍ وَاسْتَغَاثَ بِهَا ... مِنَ الْهُزَالِ أَبُوهَا بَعْدَ مَا رَكَعَا
يَعْنِي: بَعْدَمَا خَضَعَ مِنْ شِدَّةِ الْجَهْدِ وَالْحَاجَةِ.
وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمَنْ ذُكِرَ مِنْ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمُنَافِقِيهَا بِالْإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ، وَبِإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالدُّخُولِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْخُضُوعِ لَهُ بِالطَّاعَةِ.
وَنَهْيٌ مِنْهُ لَهُمْ عَنْ كِتْمَانِ مَا قَدْ عَلِمُوهُ مِنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ تَظَاهُرِ حُجَجِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا قَدْ وَصَفْنَا قَبْلُ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَبَعْدَ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ وَالْإِنْذَارِ، وَبَعْدَ تَذْكِيرِهِمْ نِعَمَهُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى أَسْلَافِهِمْ تَعَطُّفًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَإِبْلَاغًا إِلَيْهِمْ فِي الْمَعْذِرَةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْبِرِّ الَّذِي كَانَ الْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِهِ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ، بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ لِلَّهِ فَهِيَ تُسَمَّى بِرًّا
فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ: " ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44] أَيْ تَنْهَوْنَ النَّاسَ عَنِ الْكُفْرِ بِمَا عِنْدَكُمْ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْعَهْدِ مِنَ التَّوْرَاةَ، وَتَتْرُكُونَ أَنْفُسَكُمْ: أَيْ وَأَنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ عَهْدِي إِلَيْكُمْ فِي تَصْدِيقِ رَسُولِي، وَتَنْقُضُونَ مِيثَاقِي، وَتَجْحَدُونَ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ كِتَابِي "
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: 44] يَقُولُ: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالدُّخُولِ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44] "
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ، مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44] قَالَ: كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِتَقْوَاهُ وَهُمْ يَعْصُونَهُ "
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44] قَالَ: كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِتَقْوَاهُ وَبِالْبِرِّ وَيُخَالِفُونَ، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ "
وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: 44] أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقُونَ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ
بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَيَدْعُونَ الْعَمَلَ بِمَا يَأْمُرُونَ بِهِ النَّاسَ، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ أَمَرَ بِخَيْرٍ فَلْيَكُنْ أَشَدَّ النَّاسِ فِيهِ مُسَارَعَةً "
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ كَانَ إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَسْأَلُهُمْ مَا لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ وَلَا رِشْوَةٌ وَلَا شَيْءٌ، أَمَرُوهُ بِالْحَقِّ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44] "
وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ الْحَرَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 44] قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: لَا يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَمْقُتَ النَّاسَ فِي ذَاتِ اللَّهِ ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى نَفْسِهِ فَيَكُونَ لَهَا أَشَدَّ مَقْتًا " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَجَمِيعُ الَّذِي قَالَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ ذِكْرِنَا قَوْلَهُ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُمْ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْبِرِّ الَّذِي كَانَ الْقَوْمُ يَأْمُرُونَ بِهِ غَيْرَهُمُ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ فَهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِمَا لِلَّهِ فِيهِ رِضًا مِنَ الْقَوْلِ أَوِ الْعَمَلِ، وَيُخَالِفُونَ مَا أَمَرُوهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ بِأَفْعَالِهِمْ
فَالتَّأْوِيلُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ إِذًا: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَتَتْرُكُونَ أَنْفُسَكُمْ تَعْصِيهِ، فَهَلَّا تَأْمُرُونَهَا بِمَا تَأْمُرُونَ بِهِ النَّاسَ مِنْ طَاعَةِ رَبِّكُمْ.
مُعَيِّرُهُمْ بِذَلِكَ وَمُقَبِّحًا إِلَيْهِمْ مَا أَتَوْا بِهِ.
وَمَعْنَى نِسْيَانِهِمْ أَنْفُسَهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَظِيرُ النِّسْيَانِ الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67] بِمَعْنَى: تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ مِنْ ثَوَابِهِ