وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ [النحل: 90] قَالَ: " الْفَحْشَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الزِّنَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَرَسُولِهِ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 99] يَقُولُ: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فِيمَا نَابَهُمْ مِنْ مُهِمَّاتِ أُمُورِهِمْ.
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: 100] يَقُولُ: إِنَّمَا حُجَّتُهُ عَلَى الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] يَقُولُ: وَالَّذِينَ هُمْ بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ﴾ [النحل: 100] قَالَ: «حُجَّتُهُ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: 100] قَالَ: «يُطِيعُونَهُ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ لَمْ يُسَلَّطْ فِيهِ الشَّيْطَانُ عَلَى الْمُؤْمِنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا:
حُدِّثْتُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 99] قَالَ: «لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى ذَنْبٍ لَا يُغْفَرُ» . وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الِاسْتِعَاذَةُ، فَإِنَّهُ إِذَا اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ مُنِعَ مِنْهُ وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ، وَاسْتَشْهَدَ لِصِحَّةِ قَوْلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 200] ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ، بِمَا: حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 99] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] يُقَالُ: إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ قَالَ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 83] ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يُجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، وَإِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوهُ وَلِيًّا، وَأَشْرَكُوهُ فِي أَعْمَالِهِمْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 99] يَقُولُ: «السُّلْطَانُ عَلَى مَنْ تَوَلَّى الشَّيْطَانُ، وَعَمِلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: 100] يَقُولُ: «الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ وَيَعْبُدُونَهُ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى
الَّذِينَ آمَنُوا فَاسْتَعَاذُوا بِاللَّهِ مِنْهُ، بِمَا نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنَ الِاسْتِعَاذَةِ، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 99] عَلَى مَا عَرَضَ لَهُمْ مِنْ خَطَرَاتِهِ وَوَسَاوِسِهِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالْآيَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَتْبَعَ هَذَا الْقَوْلَ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 200] ، فَكَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا نَدَبَ عِبَادَهُ إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ لِيُعِيذَهُمْ مِنْ سُلْطَانِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ بِمَا قُلْنَا إِنَّ مَعْنَاهُ: وَالَّذِينَ هُمْ بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] قَالَ: «يَعْدِلُونَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] قَالَ: «يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ: فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] عَدَلُوا إِبْلِيسَ بِرَبِّهِمْ، فَإِنَّهُمْ بِاللَّهِ مُشْرِكُونَ ". وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ، أَشْرَكُوا الشَّيْطَانَ فِي أَعْمَالِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] أَشْرَكُوهُ فِي أَعْمَالِهِمْ ". وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ، أَعِنِّي قَوْلَ مُجَاهِدٍ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُشْرِكُونَهُ بِاللَّهِ فِي عِبَادَتِهِمْ، وَذَبَائِحِهِمْ، وَمَطَاعِمِهِمْ، وَمَشَارِبِهِمْ، لَا أَنَّهُمْ يُشْرِكُونَ بِالشَّيْطَانِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ مَا قَالَهُ الرَّبِيعُ، لَكَانَ التَّنْزِيلُ: الَّذِينَ هُمْ مُشْرِكُوهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ «بِهِ» ، فَكَانَ يَكُونُ لَوْ كَانَ التَّنْزِيلُ كَذَلِكَ: وَالَّذِينَ هُمْ مُشْرِكُوهُ فِي أَعْمَالِهِمْ، إِلَّا أَنْ يُوَجِّهَ مُوَجِّهٌ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَدِينُونَ بِأُلُوهَةِ الشَّيْطَانِ وَيُشْرِكُونَ اللَّهَ بِهِ فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ، فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ مَعْنَى الْكَلَامِ، وَيَخْرُجُ عَمَّا جَاءَ التَّنْزِيلُ بِهِ فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الْمُشْرِكِينَ فِي سَائِرِ سُوَرِ الْقُرْآنِ أَنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا، وَقَالَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ: لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّنْزِيلِ: لَا تُشْرِكُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ
خَبَرًا مِنَ اللَّهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ أَشْرَكُوا اللَّهَ بِشَيْءٍ فَيَجُوزُ لَنَا تَوْجِيهُ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] إِلَى وَالَّذِينَ هُمْ بِالشَّيْطَانِ مُشْرِكُو اللَّهِ فَبَيَّنَ إِذًا إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَنَّ الْهَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾ [النحل: 100] عَائِدَةٌ عَلَى «الرَّبِّ» فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 99]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 101] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا نَسَخْنَا حُكْمَ آيَةٍ فَأَبْدَلْنَا مَكَانَهُ حُكْمَ أُخْرَى، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [النحل: 101] يَقُولُ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالَّذِي هُوَ أَصْلَحُ لِخَلْقِهِ فِيمَا يُبَدِّلُ وَيُغَيِّرُ مِنْ
أَحْكَامِهِ، ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: 101] يَقُولُ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ الْمُكَذِّبُو رَسُولِهِ لِرَسُولِهِ: إِنَّمَا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ مُفْتَرٍ، أَيْ مُكَذِّبٌ تَخْرُصُ بِتَقَوُّلِ الْبَاطِلِ عَلَى اللَّهِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ لَكَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ جُهَّالٌ بِأَنَّ الَّذِي تَأْتِيَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ نَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ لَا يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ صِحَّتِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: 101] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ
وَرْقَاءَ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: 101] رَفَعْنَاهَا فَأَنْزَلْنَا غَيْرَهَا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: 101] قَالَ: «نَسَخْنَاهَا، بَدَّلْنَاهَا، رَفَعْنَاهَا، وَأَثْبَتْنَا غَيْرَهَا»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: 101] هُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿مَا نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: 106] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: 101] قَالُوا: إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ، تَأْتِي بِشَيْءٍ وَتَنْقُضُهُ، فَتَأْتِي بِغَيْرِهِ قَالَ: وَهَذَا التَّبْدِيلُ نَاسِخٌ، وَلَا نُبَدِّلُ آيَةً مَكَانَ آيَةٍ إِلَّا بِنَسْخٍ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 102] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْقَائِلِينَ لَكَ إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ فِيمَا تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنْ آيِ كِتَابِنَا: أَنْزَلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ، يَقُولُ: قُلْ جَاءَ بِهِ جَبْرَئِيلُ
مِنْ عِنْدِ رَبِّي بِالْحَقِّ وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنَى رُوحِ الْقُدُسِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ الْعُمَرِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: " رُوحُ الْقُدُسِ: جَبْرَئِيلُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُثَبِّتُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: 102] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ نَزَّلَ هَذَا الْقُرْآنَ، نَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، رُوحُ الْقُدُسِ عَلَيَّ مِنْ رَبِّي، تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَقْوِيَةً لِإِيمَانِهِمْ، لِيَزْدَادُوا بِتَصْدِيقِهِمْ لِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ إِيمَانًا لِإِيمَانِهِمْ، وَهُدًى لَهُمْ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اسْتَسْلَمُوا لِأَمْرِ اللَّهِ،
وَانْقَادُوا لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَمَا أَنْزَلَهُ فِي آيِ كِتَابِهِ، فَأَقَرُّوا بِكُلِّ ذَلِكَ وَصَدَّقُوا بِهِ قَوْلًا وَعَمَلًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيُّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَقُولُونَ جَهْلًا مِنْهُمْ: إِنَّمَا يَعْلَمُ مُحَمَّدًا هَذَا الَّذِي يَتْلُوهُ بَشَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَقُولُ
اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُكَذِّبُهُمْ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ: أَلَا تَعْلَمُونَ كَذِبَ مَا تَقُولُونَ؟ إِنَّ لِسَانَ الَّذِي تُلْحِدُونَ إِلَيْهِ، يَقُولُ: تَمِيلُونَ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا أَعْجَمِيٌّ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ فِيمَا ذُكِرَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ الَّذِيَ يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا هَذَا الْقُرْآنَ عَبْدٌ رُومِيٌّ، فَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103] يَقُولُ: وَهَذَا الْقُرْآنُ لِسَانٌ عَرَبِيُّ مُبِينٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي اسْمِ الَّذِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْقُرْآنَ مِنَ الْبَشَرِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ اسْمُهُ بَلْعَامُ، وَكَانَ قَيْنًا بِمَكَّةَ نَصْرَانِيًّا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُلَائِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ قَيْنًا بِمَكَّةَ، وَكَانَ أَعْجَمِيَّ اللِّسَانِ، وَكَانَ اسْمُهُ بَلْعَامُ، فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَرَوْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ وَحِينَ يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالُوا: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَلْعَامُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيُّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103] ". وَقَالَ آخَرُونَ: اسْمُهُ يَعِيشُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُقْرِئُ غُلَامًا لِبَنِي الْمُغِيرَةِ أَعْجَمِيًّا قَالَ سُفْيَانُ: أُرَاهُ يُقَالُ لَهُ: يَعِيشُ.
قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيُّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103] "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: 103] وَقَدْ قَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ عَبْدٌ لِبَنِي الْحَضْرَمِيِّ يُقَالُ لَهُ يَعِيشُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيُّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103] وَكَانَ يَعِيشُ يَقْرَأُ الْكُتُبَ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ اسْمُهُ جَبْرٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنِي كَثِيرًا مَا يَجْلِسُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ إِلَى غُلَامٍ نَصْرَانِيٍّ يُقَالُ لَهُ جَبْرٌ، عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ الْحَضْرَمِيِّ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: وَاللَّهِ مَا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا كَثِيرًا مِمَّا يَأْتِي بِهِ إِلَّا جَبْرٌ النَّصْرَانِيُّ غُلَامُ الْحَضْرَمِيِّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِمْ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: " كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ نَصْرَانِيٌّ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَيُعَلِّمُ مُحَمَّدًا رُومِيٌّ يَقُولُونَ اسْمُهُ جَبْرٌ وَكَانَ صَاحِبَ كُتُبٍ، عَبْدٌ لِابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: 103] قَالَ: " وَهَذَا قَوْلُ قُرَيْشٍ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103] ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَا غُلَامَيْنِ اسْمُ أَحَدِهِمَا يَسَارٌ وَالْآخَرُ جَبْرٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الْحَضْرَمِيِّ: " أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ عَبْدَانِ مِنْ أَهْلِ عَيْرِ الْيَمَنِ، وَكَانَا طِفْلَيْنِ، وَكَانَ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا يَسَارٌ وَالْآخَرُ جَبْرٌ، فَكَانَا يَقْرَآنِ التَّوْرَاةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُبَّمَا جَلَسَ إِلَيْهِمَا، فَقَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: إِنَّمَا يَجْلِسُ إِلَيْهِمَا يَتَعَلَّمُ مِنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103] ".
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا مَعْنُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الْحَضْرَمِيِّ، نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: " كَانَ لَنَا غُلَامَانِ فَكَانَ يَقْرَآنِ كِتَابًا لَهُمَا بِلِسَانِهِمَا، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ عَلَيْهِمَا، فَيَقُومُ يَسْتَمِعُ مِنْهُمَا، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: يَتَعَلَّمُ مِنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَا كَذَّبَهُمْ بِهِ، فَقَالَ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103] ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيُّ﴾ [النحل: 103] " كَانُوا يَقُولُونَ: «إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ
وَرْقَاءَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: 103] قَالَ: " قَوْلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ: إِنَّمَا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا عَبْدُ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَهُوَ صَاحِبُ كِتَابٍ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103] ". وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ رَجُلٌ كَاتِبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: " أَنَّ الَّذِيَ ذَكَرَ اللَّهُ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ إِنَّمَا افْتُتِنَ، إِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ، فَكَانَ يُمْلِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَمِيعٌ عَلِيمٌ» أَوْ «عَزِيزٌ حَكِيمٌ» وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ خَوَاتِمِ الْآيِ، ثُمَّ يَشْتَغِلُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْوَحْيِ، فَيَسْتَفْهِمُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ: أَعَزِيزٌ حَكِيمٌ، أَوْ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، أَوْ عَزِيزٌ عَلِيمٌ؟ فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّ ذَلِكَ كَتَبْتَ فَهُوَ كَذَلِكَ» فَفَتَنَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَكِلُ ذَلِكَ إِلَيَّ، فَأَكْتُبُ مَا شِئْتُ «، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ لِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ مِنَ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ» وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ [النحل: 103] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ [النحل: 103] بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَلْحَدَ يُلْحِدُ
إِلْحَادًا، بِمَعْنَى يَعْتَرِضُونَ وَيَعْدِلُونَ إِلَيْهِ وَيَعْرُجُونَ إِلَيْهِ، مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الرجز]
قَدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الْخُبَيْبَيْنِ قَدِي ... لَيْسَ أَمِيرِي بِالشَّحِيحِ الْمُلْحِدِ
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: " (لِسَانُ الَّذِي يَلْحَدُونَ إِلَيْهِ) بِفَتْحِ الْيَاءِ، يَعْنِي: يَمِيلُونَ إِلَيْهِ، مِنْ لَحَدَ فُلَانٌ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ يَلْحِدُ لَحْدًا وَلُحُودًا وَهُمَا عِنْدِي لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ فِيهِمَا الصَّوَابَ.
وَقِيلَ: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103] يَعْنِي: الْقُرْآنَ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ لِقَصِيدَةٍ مِنَ الشَّعْرِ يَعْرِضُهَا الشَّاعِرِ: هَذَا لِسَانُ فُلَانٍ، تُرِيدُ قَصِيدَتَهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
لِسَانُ السُّوءِ تُهْدِيهَا إِلَيْنَا ... وَحِنْتَ وَمَا حَسِبْتُكَ أَنْ تَحِينَا
يَعْنِي بِاللِّسَانِ الْقَصِيدَةَ وَالْكَلِمَةَ