وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: 5] يَقُولُ: وَلِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَلْيُؤْتُوا الزَّكَاةَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5] يَعْنِي أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ، هُوَ الدِّينُ الْقَيِّمَةُ، وَيَعْنِي بِالْقَيِّمَةِ: الْمُسْتَقِيمَةَ الْعَادِلَةَ، وَأُضِيفَ الدِّينُ إِلَى الْقَيِّمَةِ، وَالدِّينُ هُوَ الْقَيِّمُ، وَهُوَ مِنْ نَعْتِهِ لِاخْتِلَافِ لَفْظَيْهِمَا.
وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا
أَرَى فِيمَا ذُكِرَ لَنَا: «وَذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمَةُ» وَأُنِّثَتِ الْقَيِّمَةُ، لِأَنَّهَا جُعِلَتْ صِفَةً لِلْمِلَّةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَذَلِكَ الْمِلَّةُ الْقَيِّمَةُ، دُونَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5] «هُوَ الدِّينُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولِهِ، وَشَرَعَ لِنَفْسِهِ، وَرَضِيَ بِهِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: 3] ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5] قَالَ: " هُوَ وَاحِدٌ؛ قَيِّمَةٌ: مُسْتَقِيمَةٌ مُعْتَدِلَةٌ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 6] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، مِنَ
الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ جَمِيعِهِمْ ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البينة: 6] يَقُولُ: مَاكِثِينَ، لَابِثِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6] ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ، هُمْ شَرُّ مَنْ بَرَأَهُ اللَّهُ وَخَلَقَهُ؛ وَالْعَرَبُ لَا تَهْمِزُ الْبَرِيَّةَ، وَبِتَرْكِ الْهَمْزِ فِيهَا قَرَأَتْهَا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، غَيْرَ شَيْءٍ يُذْكَرُ عَنْ نَافِعِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ، فَإِنَّهُ حَكَى بَعْضُهُمْ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَهْمِزُهَا، وَذَهَبَ بِهَا إِلَى قَوْلِ اللَّهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: 22] وَأَنَّهَا فَعِيلَةٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الَّذِينَ لَمْ يَهْمِزُوهَا، فَإِنَّ لِتَرْكِهِمُ الْهَمْزَ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الْهَمْزَ فِيهَا، كَمَا تَرَكُوهُ مِنَ الْمَلَكِ، وَهُوَ مُفْعَلٌ مِنْ
أَلَكَ أَوْ لَأَكَ، وَمِنْ يَرَى، وَتَرَى، وَنَرَى، وَهُوَ يَفْعَلُ مِنْ رَأَيْتِ.
وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونُوا وَجَّهُوهَا إِلَى أَنَّهَا فَعِيلَةٌ مِنَ الْبَرَى وَهُوَ التُّرَابُ.
حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: بِفِيكَ الْبَرَى، يَعْنِي بِهِ: التُّرَابَ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 62] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، وَعَبَدُوا اللَّهَ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5] ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَأَطَاعُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7] يَقُولُ: مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنَ النَّاسِ
فَهُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ.
وَقَدْ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى بْنُ فَرْقَدٍ، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7] فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتَ يَا عَلِيُّ وَشِيعَتُكَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثَوَابُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 62] يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] يَعْنِي بَسَاتِينَ إِقَامَةٍ لَا ظَعْنَ فِيهَا،
﴿تَجْرِي مِنْ﴾ [البقرة: 25] تَحْتِ أَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ يَقُولُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: 57] يقول: مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا، لَا يَخْرُجُونَ عَنْهَا، وَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 119] بِمَا أَطَاعُوهُ فِي الدُّنْيَا، وَعَمِلُوا لِخَلَاصِهِمْ
مِنْ عِقَابِهِ فِي ذَلِكَ ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119] بِمَا أَعْطَاهُمْ مِنَ الثَّوَابِ يَوْمَئِذٍ، عَلَى طَاعَتِهِمْ رَبَّهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَجَزَاهُمْ عَلَيْهَا مِنَ الْكَرَامَةِ
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الْخَيْرُ الَّذِي وَصَفْتُهُ، وَوَعَدْتُهُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 25] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8] ؛ يَقُولُ: لِمَنْ خَافَ اللَّهَ فِي الدُّنْيَا فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، فَاتَّقَاهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ