وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36] يَقُولُ: وَأَذِنَ لِعِبَادِهِ أَنْ يَذْكُرُوا اسْمَهُ فِيهَا وَقَدْ قِيلَ: عُنِيَ بِهِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِيهَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: 36] يَقُولُ: «يُتْلَى فِيهَا كِتَابُهُ» وَهَذَا الْقَوْلُ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِمَّا قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ تِلَاوَةَ كِتَابِ اللَّهِ مِنْ مَعَانِي ذِكْرِ اللَّهِ.
غَيْرَ أَنَّ الَّذِيَ قُلْنَا بِهِ أَظْهَرُ مَعْنَيَيْهِ، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَا الْقَوْلَ بِهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 37] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ [النور: 36] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ [النور: 36] بِضَمِّ الْيَاءِ , وَكَسْرِ الْبَاءِ، بِمَعْنَى يُصَلِّي لَهُ فِيهَا رِجَالٌ، وَبِجَعْلِ ﴿يُسَبِّحُ﴾ [الإسراء: 44] فِعْلًا لِـ (الرِّجَالِ) وَخَبَرًا عَنْهُمْ، وَتُرْفَعُ بِهِ
(الرِّجَالُ) . سِوَى عَاصِمٍ , وَابْنِ عَامِرٍ، فَإِنَّهُمَا قَرَأَا ذَلِكَ: (يُسَبَّحُ لَهُ) بِضَمِّ الْيَاءِ , وَفَتْحِ الْبَاءِ، عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، ثُمَّ يَرْفَعَانِ (الرِّجَالَ) بِخَبَرِ ثَانٍ مُضْمَرٍ، كَأَنَّهُمَا أَرَادَا: يُسَبَّحُ اللَّهُ فِي الْبُيُوتِ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، فَسَبَّحَ لَهُ رِجَالٌ؛ فَرَفَعَا (الرِّجَالَ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي هِيَ أَوْلَاهُمَا بِالصَّوَابِ: قِرَاءَةُ مَنْ كَسَرَ الْبَاءَ، وَجَعَلَهُ خَبَرًا
لِـ (الرِّجَالِ) وَفِعْلًا لَهُمْ.
وَإِنَّمَا كَانَ الِاخْتِيَارُ رَفْعَ الرِّجَالِ بِمُضْمَرٍ مِنَ الْفِعْلِ لَوْ كَانَ الْخَبَرُ عَنِ الْبُيُوتِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِقَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ [النور: 36] , فَأَمَّا وَالْخَبَرُ عَنْهَا دُونَ ذَلِكَ تَامٌّ، فَلَا وَجْهَ لِتَوْجِيهِ قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ [النور: 36] إِلَى غَيْرِهِ، أَيْ غَيْرَ الْخَبَرِ عَنِ الرِّجَالِ.
وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: 36] يُصَلِّي لَهُ فِي هَذِهِ الْبُيُوتِ بِالْغُدُوَاتِ وَالْعَشِيَّاتِ رِجَالٌ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: ثنا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كُلُّ تَسْبِيحٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ صَلَاةٌ»
حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: 36] يَقُولُ: " يُصَلِّي لَهُ فِيهَا بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ.
يَعْنِي بِالْغُدُوِّ: صَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَيَعْنِي بِالْآصَالِ صَلَاةَ الْعَصْرِ.
وَهُمَا أَوَّلُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ مِنَ الصَّلَاةِ، فَأَحَبَّ أَنْ يَذْكُرَهُمَا , وَيَذْكُرُ بِهِمَا عِبَادَتَهُ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ﴾ [النور: 37] «أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُبْنَى، فَيُصَلَّى فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: فِي قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: 36] «يَعْنِي الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ»
وَقَوْلُهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 37] يقولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا يَشْغَلُ هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ
كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ رَجُلٍ، نَسِيَ اسْمَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرُ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 37] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْأَبْصَارُ﴾ [يونس: 31] قَالَ: هُمْ قَوْمٌ فِي تِجَارَاتِهِمْ وَبُيُوعِهِمْ، لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَاتُهُمْ وَلَا بُيُوعُهُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ السُّوقِ قَامُوا وَتَرَكُوا بِيَاعَاتِهِمْ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: " هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 37] الْآيَةَ " قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، نَحْوَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، قَالَ: حُدِّثْتُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا مِنْ أَهْلِ السُّوقِ حَيْثُ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ تَرَكُوا بِيَاعَاتِهِمْ , وَنَهَضُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: " هَؤُلَاءِ مِنَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 37] " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ [النور: 37] عَنْ صَلَاتِهِمُ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 37] يَقُولُ: «عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ»
قَوْلُهُ: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: 73] يَقُولُ: وَلَا يَشْغَلُهُمْ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ بِحُدُودِهَا فِي أَوْقَاتِهَا.
وَبِنَحْوِ قَوْلِنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا عَوْفٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ رَجُلٍ، نَسِيَ عَوْفٌ اسْمَهُ فِي: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: 73] قَالَ: «يَقُومُونَ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَ لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿وإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: 73] مَصْدَرًا مِنْ قَوْلِهِ أَقَمْتُ؟ قِيلَ: بَلَى.
فَإِنْ قَالَ: أَوَ لَيْسَ الْمَصْدَرُ مِنْهُ إِقَامَةً، كَالْمَصْدَرِ مِنْ أَجَرْتُ إِجَارَةً؟ قِيلَ: بَلَى.
فَإِنْ قَالَ: وَكَيْفَ قَالَ: ﴿وإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: 73] أَوَ تُجِيزُ أَنْ نَقُولَ: أَقَمْتُ إقَامًا؟ قِيلَ: وَلَكِنِّي أُجِيزُ: أَعْجَبَنِي إِقَامُ الصَّلَاةِ.
فَإِنْ قِيلَ: وَمَا وَجْهُ جَوَازِ ذَلِكَ؟ قِيلَ: إِنَّ الْحُكْمَ فِي أَقَمْتُ إِذَا جُعِلَ مِنْهُ مَصْدَرٌ أَنْ يُقَالَ إِقْوَامًا، كَمَا يُقَالُ: أَقْعَدْتُ فُلَانًا إِقْعَادًا , وَأَعْطَيْتَهُ إِعْطَاءً؛ وَلَكِنَّ الْعَرَبَ لَمَّا سَكَّنَتِ الْوَاوَ مِنْ (أَقَمْتُ) فَسَقَطَتْ لِاجْتِمَاعِهَا وَهِيَ سَاكِنَةٌ , وَالْمِيمُ وَهِيَ سَاكِنَةٌ، بَنُوا الْمَصْدَرَ عَلَى ذَلِكَ؛ إِذْ جَاءَتِ الْوَاوُ سَاكِنَةً قَبْلَ أَلِفِ الْإِفْعَالِ وَهِيَ سَاكِنَةٌ، فَسَقَطَتِ الْأُولَى مِنْهُمَا، فَأَبْدَلُوا مِنْهَا هَاءً فِي آخِرِ الْحَرْفِ، كَالتَّكْثِيرِ لِلْحَرْفِ، كَمَا
فَعَلُوا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ: وَعَدْتُهُ عِدَةً، وَوَزَنْتُهُ زِنَةً؛ إِذْ ذَهَبَتِ الْوَاوُ مِنْ أَوَّلِهِ، كَثَّرُوهُ مِنْ آخِرِهِ بِالْهَاءِ؛ فَلَمَّا أُضِيفَتِ الْإِقَامَةُ إِلَى الصَّلَاةِ، حَذَفُوا الزِّيَادَةَ الَّتِي كَانُوا زَادُوهَا لِلتَّكْثِيرِ، وَهِيَ الْهَاءُ فِي آخِرِهَا؛ لِأَنَّ الْخَافِضَ وَمَا خُفِضَ عِنْدَهُمْ كَالْحَرْفِ الْوَاحِدِ، فَاسْتَغْنَوْا بِالْمُضَافِ إِلَيْهِ مِنَ الْحَرْفِ الزَّائِدِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ:
[البحر البسيط]
إِنَّ الْخَلِيطَ أَجَدُّوا الْبَيْنَ فَانْجَرَدُوا ... وَأَخْلَفُوكَ عِدَ الْأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا
يُرِيدُ: عِدَةَ الْأَمْرِ.
فَأَسْقَطَ الْهَاءَ مِنَ الْعِدَةِ لَمَّا أَضَافَهَا، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي إِقَامِ الصَّلَاةِ