وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 69] وَيَبْقَى فِيهِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ فِي هَوَانٍ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ , فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: 73] قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُمْ , لَمْ يَدَعُوهَا إِلَى غَيْرِهَا , وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2] . الْآيَةَ ". فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: 73] أَوَيَخِرُّ الْكَافِرُونَ صُمًّا وَعُمْيَانًا إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ , فَيَنْفِي عَنْ هَؤُلَاءِ مَا هُوَ صِفَةٌ لِلْكُفَّارِ؟ قِيلَ: نَعَمْ , الْكَافِرُ إِذَا تَلَيْتَ عَلَيْهِ آيَاتِ اللَّهِ خَرَّ عَلَيْهَا أَصَمٌّ وَأَعْمَى , وَخَرُّهُ عَلَيْهَا كَذَلِكَ إِقَامَتُهُ عَلَى الْكُفْرِ , وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْعَرَبِ: سَبَبْتُ فُلَانًا فَقَامَ يَبْكِي , بِمَعْنَى فَظَلَّ يَبْكِي , وَلَا قِيَامَ هُنَالِكَ , وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ بَكَى قَاعِدًا , وَكَمَا يُقَالُ: نَهَيْتُ فُلَانًا عَنْ كَذَا , فَقَعَدَ يَشْتُمُنِي؛ وَمَعْنَى ذَلِكَ: فَجَعَلَ يَشْتُمُنِي , وَظِلَّ يَشْتُمُنِي , وَلَا قُعُودَ هُنَالِكَ , وَلَكِنْ ذَلِكَ قَدْ جَرَى عَلَى أَلْسُنِ الْعَرَبِ , حَتَّى قَدْ فَهِمُوا مَعْنَاهُ.
وَذَكَرَ
الْفَرَّاءُ أَنَّهُ سَمِعَ الْعَرَبَ تَقُولُ: قَعَدَ يَشْتُمُنِي , كَقَوْلِكَ: قَامَ يَشْتُمُنِي , وَأَقْبَلَ يَشْتُمُنِي؛ قَالَ: وَأَنْشَدَ بَعْضُ بَنِي عَامِرٍ: [البحر الرجز] لَا يُقْنِعُ الْجَارِيَةَ الْخِضَابُ ... وَلَا الْوِشَاحَانِ وَلَا الْجِلْبَابُ مِنْ دُونِ أَنْ تَلْتَقِيَ الْأَرْكَابُ ... وَيَقْعُدَ الْأَيْرُ لَهُ لُعَابُ بِمَعْنَى: يَصِيرُ , فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: 73] إِنَّمَا مَعْنَاهُ: لَمْ يَصَمُّوا عَنْهَا , وَلَا عَمُوا عَنْهَا , وَلَمْ يَصِيرُوا عَلَى بَابِ رَبِّهِمْ صُمًّا وَعُمْيَانًا , كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: وَيَقْعُدَ الْهَنُ لَهُ لُعَابُ بِمَعْنَى: وَيَصِيرُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ يَرْغَبُونَ إِلَى اللَّهِ فِي دُعَائِهِمْ وَمَسْأَلَتِهِمْ بِأَنْ يَقُولُوا: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ [الفرقان: 74] مَا تَقَرُّ بِهِ أَعْيُنُنَا مِنْ أَنْ تُرِينَاهُمْ يَعْمَلُونَ
بِطَاعَتِكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: 74] يَعْنُونَ: مَنْ يَعْمَلُ لَكَ بِالطَّاعَةِ , فَتَقَرُّ بِهِمْ أَعْيُنُنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ "
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قَالَ: ثنا حَزْمٌ، قَالَ: سَمِعْتُ كَثِيرًا سَأَلَ الْحَسَنَ , قَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ , قَوْلُ اللَّهِ: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: 74] فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , قَالَ: " لَا، بَلْ فِي الدُّنْيَا , قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ يَرَى زَوْجَتَهُ وَوَلَدَهُ يُطِيعُونَ اللَّهَ» . حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ , قَالَ: ثنا سَالِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ , قَالَ: ثنا حَزْمٌ , قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَرَأَ حَضْرَمِيٌّ: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ﴾ [الفرقان: 74] أَعْيُنٍ، قَالَ: «وَإِنَّمَا قُرَّةُ أَعْيُنِهِمْ أَنْ يَرَوْهُمْ يَعْمَلُونَ بِطَاعَةِ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِيمَا قَرَأْنَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٌ﴾ [الفرقان: 74] قَالَ: «يَعْبُدُونَكَ فَيُحْسِنُونَ عِبَادَتَكَ , وَلَا يَجُرُّونَ الْجَرَائِرَ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ , قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: 74] قَالَ: «يَعْبُدُونَكَ يُحْسِنُونَ عِبَادَتَكَ , وَلَا يَجُرُّونَ عَلَيْنَا الْجَرَائِرَ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: 74] قَالَ: «يَسْأَلُونَ اللَّهَ لِأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ , فَقَالَ: " لَقَدْ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَشَدِّ حَالَةٍ بُعِثَ عَلَيْهَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي فَتْرَةٍ وَجَاهِلِيَّةٍ , مَا يَرَوْنَ دِينًا أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ , فَجَاءَ بِفُرْقَانٍ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ , وَفَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ , حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَرَى وَلَدَهُ وَوَالِدَهُ وَأَخَاهُ كَافِرًا وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ قُفْلَ قَلْبِهِ بِالْإِسْلَامِ , فَيَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ , فَلَا تَقَرُّ عَيْنُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ , وَإِنَّهَا لَلَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: 74] . الْآيَةَ ". حَدَّثَنِي ابْنُ عَوْنٍ , قَالَ: ثني عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْعَسْقَلَانِيُّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ , عَنْ صَفْوَانَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الْمِقْدَادِ , نَحْوَهُ.
وَقِيلَ: هَبْ لَنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ , وَقَدْ ذَكَرَ الْأَزْوَاجَ وَالذُّرِّيَّاتِ وَهُمْ جَمْعٌ , وَقَوْلُهُ: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: 74] وَاحِدَةٌ , لِأَنَّ قَوْلَهُ: قُرَّةَ أَعْيُنٍ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَرَّتْ عَيْنُكَ قُرَّةً , وَالْمَصْدَرُ لَا تَكَادُ الْعَرَبُ تَجْمَعُهُ