تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 516-528

وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 69] وَيَبْقَى فِيهِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ فِي هَوَانٍ

صفحات 516-528
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: 70] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يَفْعَلْ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الَّتِي ذَكَرَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَلْقَ أَثَامًا ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: 60] يَقُولُ: إِلَّا مَنْ رَاجَعَ طَاعَةَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِتَرْكِهِ ذَلِكَ , وَإِنَابَتِهِ إِلَى مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ ﴿وَآمَنَ﴾ [مريم: 60] يَقُولُ: وَصَدَّقَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ نَبِيُّ اللَّهِ ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: 70] يَقُولُ: وَعَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ , وَانْتَهَى عَمَّا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ

قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: فَأُولَئِكَ يُبَدَّلُ اللَّهُ بِقَبَائِحِ أَعْمَالِهِمْ فِي الشِّرْكِ , مَحَاسِنَ الْأَعْمَالِ فِي الْإِسْلَامِ , فَيُبَدِّلُهُ بِالشِّرْكِ إِيمَانًا , وَبِقِيلِ أَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ قِيلَ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ , وَبِالزِّنَا عِفَّةً وَإِحْصَانًا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] قَالَ: «هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، كَانُوا قَبْلَ إِيمَانِهِمْ عَلَى السَّيِّئَاتِ , فَرَغِبَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ , فَحَوَّلَهُمْ إِلَى الْحَسَنَاتِ , وَأَبْدَلَهُمْ مَكَانَ السَّيِّئَاتِ حَسَنَاتٍ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي , قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: 70] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ , قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ يَتُوبُونَ فَيَعْمَلُونَ بِالطَّاعَةِ , فَيُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ حِينَ يَتُوبُونَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: " نَزَلَتْ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: 68] . . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ , فِي وَحْشِيٍّ وَأَصْحَابِهِ , قَالُوا: كَيْفَ لَنَا بِالتَّوْبَةِ , وَقَدْ عَبَدْنَا الْأَوْثَانَ , وَقَتَلْنَا الْمُؤْمِنِينَ , وَنَكَحْنَا الْمُشْرِكَاتِ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا , فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] فَأَبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ عِبَادَةَ اللَّهِ , وَأَبْدَلَهُمْ بِقِتَالِهِمْ مَعَ الْمُشْرِكِينَ قِتَالًا مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُشْرِكِينَ , وَأَبْدَلَهُمْ بِنِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ نِكَاحَ الْمُؤْمِنَاتِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ , قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] قَالَ: بِالشِّرْكِ إِيمَانًا , وَبِالْقَتْلِ إِمْسَاكًا , وَبِالزِّنَا إِحْصَانًا "

حُدِّثَتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ

الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: 68] وَهَذِهِ الْآيَةُ مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 231] يَعْنِي: الشِّرْكَ وَالْقَتْلَ , وَالزِّنَا جَمِيعًا.
لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ وَقَتْلَ وَزَنَى فَلَهُ النَّارُ , وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: 60] مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ , ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] يَقُولُ: يُبَدِّلُ اللَّهُ مَكَانَ الشِّرْكِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَالدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ , وَهُوَ التَّبْدِيلُ فِي الدُّنْيَا.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: 53] يَعْنِيهِمْ بِذَلِكَ ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ , إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53] يَعْنِي مَا كَانَ فِي الشِّرْكِ يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ: أَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلَمُوا لَهُ , يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ , فَهَاتَانِ الْآيَتَانِ مَكِّيَّتَانِ , وَالَّتِي فِي النِّسَاءِ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: 93] الْآيَةَ , هَذِهِ مَدَنِيَّةٌ , نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ , وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي نَزَلَتْ فِي الْفُرْقَانِ ثَمَانِ سِنِينَ , وَهِيَ مُبْهَمَةٌ لَيْسَ مِنْهَا مَخْرَجٌ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ، قَالَ: ثنا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] ، فَقَالَ: [البحر الرجز]

بُدِّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَرِيفًا ... وَبَعْدَ طُولِ النَّفَسِ الْوَجِيفَا "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: 68] . . إِلَى قَوْلِهِ (يُخَلَّدُ فِيهِ مُهَانًا) فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَلَا وَاللَّهِ مَا كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَعَ مُحَمَّدٍ إِلَّا مَعَنَا , قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [مريم: 60] . قَالَ: تَابَ مِنَ الشِّرْكِ , قَالَ: وَآمَنَ بِعِقَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: 70] قَالَ: صَدَقَ , ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] قَالَ: يُبَدَّلُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمُ السَّيِّئَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي الشِّرْكِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ حِينَ دَخَلُوا فِي الْإِيمَانِ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ , فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَاتٍ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَصْرِيُّ، قَالَ: ثنا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ أَبُو أَنَسٍ، قَالَ: ثني صَالِحُ بْنُ رُسْتُمَ , عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] قَالَ: «تَصِيرُ سَيِّئَاتُهُمْ حَسَنَاتٍ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنِّي لَأَعْرِفُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ , وَآخَرَ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ , قَالَ: يُؤْتَى بِرَجُلٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: نَحُّوا كِبَارَ ذُنُوبِهِ وَسَلُوهُ عَنْ صِغَارِهَا , قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا , وَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا , قَالَ: فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَقَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ مَا أَرَاهَا هَا هُنَا , قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ , قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ: فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ: أَعْمَالَهُمْ فِي الشِّرْكِ حَسَنَاتٍ فِي الْإِسْلَامِ , بِنَقْلِهِمْ عَمَّا يَسْخَطُهُ اللَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَى مَا يَرْضَى.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ , لِأَنَّ الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ قَدْ كَانَتْ مَضَتْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْقُبْحِ , وَغَيْرُ جَائِزٍ تَحْوِيلُ عَيْنٍ قَدْ مَضَتْ بِصِفَةٍ إِلَى خِلَافِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ , إِلَّا بِتَغْيِيرِهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهَا فِي حَالٍ أُخْرَى , فَيَجِبُ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَنْ يَصِيرَ شِرْكَ الْكَافِرِ الَّذِي كَانَ شِرْكًا فِي الْكُفْرِ بِعَيْنِهِ إِيمَانًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْإِسْلَامِ وَمَعَاصِيهِ كُلِّهَا بِأَعْيَانِهَا طَاعَةً , وَذَلِكَ مَا لَا يَقُولُهُ ذُو حِجًا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 96] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَانَ اللَّهُ ذَا عَفْوٍ عَنْ ذُنُوبِ مَنْ تَابَ مِنْ عِبَادِهِ وَرَاجَعَ طَاعَتَهُ , وَذَا رَحْمَةٍ بِهِ أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى ذُنُوبِهِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ مِنْهَا

قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾ [هود: 112] يَقُولُ: وَمَنْ تَابَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ , فَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة: 62] يَقُولُ: وَعَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَأَطَاعَهُ , فَإِنَّ اللَّهَ فَاعِلٌ بِهِ مِنْ إِبْدَالِهِ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ فِي الشِّرْكِ , بِحُسْنِهَا فِي الْإِسْلَامِ , مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ بِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ

اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: 71] قَالَ: " هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا لَمَّا أُنْزِلَتْ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: 68] . . . إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 96] لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا كَانَ هَؤُلَاءِ إِلَّا مَعَنَا , قَالَ: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [الفرقان: 71] فَإِنَّ لَهُمْ مِثْلَ مَا لِهَؤُلَاءِ ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: 71] لَمْ تَخْطُرِ التَّوْبَةُ عَلَيْكُمْ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الزُّورِ الَّذِي وَصَفَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِأَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَهُ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72] قَالَ: الشِّرْكُ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ , فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72] قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرُونِ , قَالَ: وَالزُّورُ قَوْلُهُمْ لِآلِهَتِهِمْ وَتَعْظِيمُهُمْ إِيَّاهَا ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِهِ الْغِنَاءَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72] قَالَ: لَا يَسْمَعُونَ الْغِنَاءَ ". وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ قَوْلُ الْكَذِبِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72] قَالَ: الْكَذِبَ ".

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَصْلُ الزُّورِ تَحْسِينُ الشَّيْءِ , وَوَصَفُهُ بِخِلَافِ صِفَتِهِ , حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَى مَنْ يَسْمَعُهُ أَوْ يَرَاهُ أَنَّهُ خِلَافَ مَا هُوَ بِهِ , وَالشِّرْكُ قَدْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ , لِأَنَّهُ مُحَسَّنٌ لِأَهْلِهِ , حَتَّى قَدْ ظَنُّوا أَنَّهُ حَقٌّ , وَهُوَ بَاطِلٌ , وَيَدْخُلُ فِيهِ الْغِنَاءُ , لِأَنَّهُ أَيْضًا مِمَّا يُحَسِّنُهُ تَرْجِيعُ الصَّوْتِ , حَتَّى يَسْتَحْلِيَ سَامِعُهُ سَمَاعَهُ , وَالْكَذِبُ أَيْضًا قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ , لِتَحْسِينِ صَاحِبِهِ إِيَّاهُ , حَتَّى يُظِنَّ صَاحِبَهُ أَنَّهُ حَقٌّ , فَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي مَعْنَى الزُّورِ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِهِ أَنْ يُقَالَ: وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ شَيْئًا مِنَ الْبَاطِلِ , لَا شِرْكًا , وَلَا غِنَاءً , وَلَا كَذِبًا وَلَا غَيْرَهُ , وَكُلُّ مَا لَزِمَهُ اسْمُ الزُّورِ , لِأَنَّ اللَّهَ عَمَّ فِي وَصَفِهِ إِيَّاهُمْ , أَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ , فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا بِحَجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا , مِنْ خَبَرٍ أَوْ عَقْلٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى اللَّغْوِ الَّذِي ذَكَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: مَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ , وَيُكَلِّمُونَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَذَى.
وَمُرُورُهُمْ بِهِ كِرَامًا إِعْرَاضُهُمْ عَنْهُمْ وَصَفْحُهُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] قَالَ: صَفَحُوا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] قَالَ: " إِذَا أُوذُوا مَرُّوا كِرَامًا , قَالَ: صَفَحُوا ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: وَإِذَا مَرُّوا بِذِكْرِ النِّكَاحِ , كَفُّوا عَنْهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] قَالَ: «إِذَا ذَكَرُوا النِّكَاحَ كَفُّوا عَنْهُ»

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ , قَالَ: ثنا الْأَشْيَبُ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] قَالَ: «كَانُوا إِذَا أَتَوْا عَلَى ذِكْرِ النِّكَاحِ كَفُّوا عَنْهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِي مَخْزُومٍ، عَنْ سَيَّارٍ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] «إِذَا مَرُّوا بِالرَّفَثِ كَفُّوا» .

وَقَالَ آخَرُونَ: إِذَا مَرُّوا بِمَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ مَرُّوا مُنْكِرِينَ لَهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ , فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرُونَ , وَاللَّغْوُ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ , يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ وَقَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30] ". وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِاللَّغْوِ هَا هُنَا: الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] قَالَ: «اللَّغْوُ كُلُّهُ الْمَعَاصِي» . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَدَحَهُمْ بِأَنَّهُمْ إِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا , وَاللَّغْوُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ كُلُّ كَلَامٍ أَوْ فِعْلٍ بَاطِلٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا أَصْلَ , أَوْ مَا يُسْتَقْبَحُ؛ فَسَبُّ الْإِنْسَانِ الْإِنْسَانَ بِالْبَاطِلِ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ مِنَ اللَّغْوِ.
وَذَكَرَ النِّكَاحَ بِصَرِيحِ اسْمِهِ مِمَّا يُسْتَقْبَحُ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ , فَهُوَ مِنَ اللَّغْوِ , وَكَذَلِكَ تَعْظِيمُ الْمُشْرِكِينَ آلِهَتَهُمْ مِنَ الْبَاطِلِ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لِمَا عَظَّمُوهُ عَلَى نَحْوِ مَا عَظَّمُوهُ , وَسَمَاعُ الْغِنَاءِ مِمَّا هُوَ مُسْتَقْبَحٌ فِي أَهْلِ الدِّينِ , فَكُلُّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي مَعْنَى اللَّغْوِ , فَلَا وَجْهَ إِذْ

كَانَ كُلُّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ اسْمُ اللَّغْوِ أَنْ يُقَالَ: عَنِيَ بِهِ بَعْضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ , إِذْ لَمْ يَكُنْ لِخُصُوصِ ذَلِكَ دَلَالَةٌ مِنْ خَبَرٍ أَوْ عَقْلٍ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَإِذَا مَرُّوا بِالْبَاطِلِ فَسَمِعُوهُ أَوْ رَأَوْهُ , مَرُّوا كِرَامًا؛ مُرُورُهُمْ كِرَامًا فِي بَعْضِ ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَسْمَعُوهُ , وَذَلِكَ كَالْغِنَاءِ.
وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ بِأَنْ يُعْرِضُوا عَنْهُ وَيَصْفَحُوا , وَذَلِكَ إِذَا أُوذُوا بِإِسْمَاعِ الْقَبِيحِ مِنَ الْقَوْلِ.
وَفِي بَعْضِهِ بِأَنْ يَنْهَوْا عَنْ ذَلِكَ , وَذَلِكَ بِأَنْ يَرَوْا مِنَ الْمُنْكَرِ مَا يُغَيَّرُ بِالْقَوْلِ فَيُغَيِّرُوهُ بِالْقَوْلِ.
وَفِي بَعْضِهِ بِأَنْ يُضَارِبُوا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ , وَذَلِكَ بِأَنْ يَرَوْا قَوْمًا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى قَوْمٍ , فَيَسْتَصْرِخُهُمُ الْمُرَادُ ذَلِكَ مِنْهُمْ , فَيُصْرِخُونَهُمْ , وَكُلُّ ذَلِكَ مُرُورُهُمْ كِرَامًا

وَقَدْ: حَدَّثَنِي ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: مَرَّ ابْنُ مَسْعُودٍ بِلَهْوٍ مُسْرِعًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَكَرِيمًا» . وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ السُّدِّيَّ، يَقُولُ: " ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] قَالَ: هِيَ مَكِّيَّةٌ ". وَإِنَّمَا عَنِيَ السُّدِّيُّ بِقَوْلِهِ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ , أَنَّ اللَّهَ نَسَخَ ذَلِكَ بِأَمْرِهِ الْمُؤْمِنِينَ

بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] وَأَمَرَهُمْ إِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ الَّذِي هُوَ شِرْكٌ أَنْ يُقَاتِلُوا أُمَرَاءَهُ , وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ الَّذِي هُوَ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ أَنْ يُغَيِّرُوهُ , وَلَمْ يَكُونُوا أُمِرُوا بِذَلِكَ بِمَكَّةَ , وَهَذَا الْقَوْلُ نَظِيرُ تَأْوِيلِنَا الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ فِي ذَلِكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: 73] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ إِذَا ذَكَّرَهُمْ مُذَّكِرٌ بِحُجَجِ اللَّهِ , لَمْ يَكُونُوا صُمًّا لَا يَسْمَعُونَ , وَعُمْيًا لَا يُبْصِرُونَهَا.
وَلَكِنَّهُمْ يِقَاظُ الْقُلُوبِ , فُهَمَاءُ الْعُقُولِ , يَفْهَمُونَ عَنِ اللَّهِ مَا يُذَكِّرُهُمْ بِهِ , وَيَفْهَمُونَ

عَنْهُ مَا يُنَبِّهُهُمْ عَلَيْهِ , فَيُوَعُّونَ مَوَاعِظَهُ آذَانًا سَمِعَتْهُ , وَقُلُوبًا وَعَتْهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: 73] فَلَا يَسْمَعُونَ , وَلَا يُبْصِرُونَ , وَلَا يَفْقَهُونَ حَقًّا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَوْلَهُ: " ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: 73] قَالَ: لَا يَفْقَهُونَ , وَلَا يَسْمَعُونَ , وَلَا يُبْصِرُونَ "

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: " رَأَيْتُ قَوْمًا قَدْ سَجَدُوا , وَلَمْ أَعْلَمْ مَا سَجَدُوا مِنْهُ , أَسْجُدُ؟ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: 73] "

جارٍ التحميل