تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلُ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: 28] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي عَنَى بِهِ النُّورُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهِ الْقُرْآنَ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلُ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: 28] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي عَنَى بِهِ النُّورُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهِ الْقُرْآنَ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: 28] قَالَ: «الْفُرْقَانَ وَاتِّبَاعَهُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: 28] قَالَ: « الْفُرْقَانَ، وَاتِّبَاعَهُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو هِشَامٍ قَالَا: ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: 28] قَالَ: «الْقُرْآنَ» حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِالنُّورِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْهُدَى

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: 28] قَالَ: «هُدًى» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَعَدَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ نُورًا يَمْشُونَ بِهِ، وَالْقُرْآنُ مَعَ اتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُورٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِمَا وَصَدَّقَهُمَا وَهُدًى، لِأَنَّ مَنْ آمَنَ بِذَلِكَ، فَقَدِ اهْتَدَى

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [آل عمران: 31] يَقُولُ: وَيَصْفَحْ لَكُمْ عَنْ ذُنُوبِكُمْ فَيَسْتُرْهَا عَلَيْكُمْ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 218] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ ذُو مَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 29]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، يَفْعَلُ بِكُمْ رَبُّكُمْ هَذَا لِكَيْ يَعْلَمَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَخَصَّكُمْ بِهِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَضَّلَهُمْ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ قَدْ آتَى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْفَضْلِ وَالْكَرَامَةِ، مَا لَمْ يُؤْتِهِمْ، وَأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ حَسَدُوا الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: 28] فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد: 28] الْآيَةَ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، حَسَدَ أَهْلُ الْكِتَابِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ [الحديد: 29] الْآيَةَ

قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: " إِنَّمَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ قَبْلَنَا، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ يَعْمَلُونَ إِلَى اللَّيْلِ عَلَى قِيرَاطٍ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ سَئِمُوا عَمَلَهُ وَمَلُّوا، فَحَاسَبَهُمْ، فَأَعْطَاهُمْ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ إِلَى اللَّيْلِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ، يَعْمَلُونَ لَهُ بَقِيَّةَ عَمَلِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُ هَؤُلَاءِ أَقَلُّهُمْ عَمَلًا، وَأَكْثَرُهُمْ أَجْرًا؟ قَالَ:

مَالِي أُعْطِي مَنْ شِئْتُ، فَأَرْجُو أَنْ نَكُونَ نَحْنُ أَصْحَابُ الْقِيرَاطَيْنِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: 28] قَالَ: «بَلَغَنَا أَنَّهَا حِينَ نَزَلَتْ حَسَدَ أَهْلُ الْكِتَابِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ» ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 29]

حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ قَالَ: ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: 29] «الَّذِينَ يَتَسَمَّعُونَ» ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 29] حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَهُ وَقِيلَ: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: 29] إِنَّمَا هُوَ لِيَعْلَمَ وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ «لِكَيْ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ» لِأَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ «لَا» صِلَةً فِي كُلِّ كَلَامٍ دَخَلَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ جَحْدٌ غَيْرُ مُصَرَّحٍ، كَقَوْلِهِ فِي الْجَحْدِ السَّابِقِ، الَّذِي لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 109] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأنبياء: 95] الْآيَةَ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو هَارُونَ الْغَنَوِيُّ قَالَ: قَالَ خَطَّابُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 29]

قَالَ: ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي الْمُعَلَّى قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَقُولُ «لِكَيْلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 29] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلِيَعْلَمُوا أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ دُونَهُمْ، وَدُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 73] يَقُولُ: يُعْطِي فَضْلَهُ ذَلِكَ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، لَيْسَ ذَلِكَ إِلَى أَحَدٍ سِوَاهُ ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: 105] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ عَلَى خَلْقِهِ، الْعَظِيمُ فَضْلُهُ

جارٍ التحميل