وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ [الكهف: 86] ذُكِرَ أَنَّ أُولَئِكَ الْقَوْمُ يُقَالُ لَهُمْ: نَاسَكُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف: 86] يَقُولُ: إِمَّا أَنْ تَقْتُلَهُمْ إِنْ هُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَيُذْعِنُوا لَكَ بِمَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: 86] يَقُولُ: وَإِمَّا أَنْ تَأْسِرَهُمْ فَتُعَلِّمَهُمُ الْهُدَى وَتُبَصِّرَهُمُ الرَّشَادَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الكهف: 87] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ [الكهف: 87] يَقُولُ: أَمَّا مَنْ كَفَرَ فَسَوْفَ نَقْتُلُهُ كَمَا
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ [الكهف: 87] قَالَ: هُوَ الْقَتْلُ
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الكهف: 87] يَقُولُ: ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ قَتْلِهِ، فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا عَظِيمًا، وَهُوَ النُّكْرُ، وَذَلِكَ عَذَابُ جَهَنَّمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف: 88] يَقُولُ: وَأَمَّا مَنْ صَدَقَ اللَّهَ مِنْهُمْ وَوَحَّدَهُ، وَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ، فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ الْحُسْنَى، وَهِيَ الْجَنَّةُ ﴿جَزَاءً﴾ [البقرة: 85] يَعْنِي ثَوَابًا عَلَى إِيمَانِهِ، وَطَاعَتِهِ رَبَّهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ،
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ: «فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى» بِرَفْعِ الْجَزَاءِ وَإِضَافَتِهِ إِلَى
الْحُسْنَى.
وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَهُ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَجْعَلَ الْحُسْنَى مُرَادًا بِهَا إِيمَانُهُ وَأَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ إِذَا أُرِيدَ بِهَا ذَلِكَ: وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاؤُهَا، يَعْنِي جَزَاءَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْحَسَنَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِالْحُسْنَى: الْجَنَّةَ، وَأُضِيفَ الْجَزَاءُ إِلَيْهَا، كَمَا قِيلَ ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف: 109] وَالدَّارُ: هِيَ الْآخِرَةُ، وَكَمَا قَالَ: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5] وَالدِّينُ هُوَ الْقَيِّمُ.
وَقَرَأَ آخَرُونَ: «فَلَهُ جَزَاءَ الْحُسْنَى» بِمَعْنَى: فَلَهُ الْجَنَّةُ جَزَاءً فَيَكُونُ الْجَزَاءُ مَنْصُوبًا عَلَى الْمَصْدَرِ، بِمَعْنَى: يُجَازِيهِمْ جَزَاءَ الْجَنَّةِ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ: ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف: 88] بِنَصْبِ الْجَزَاءِ وَتَنْوِينِهِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ، مِنْ أَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ جَزَاءً، فَيَكُونُ الْجَزَاءُ نَصْبًا عَلَى التَّفْسِيرِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف: 88] يَقُولُ: وَسَنُعَلِّمُهُ نَحْنُ فِي الدُّنْيَا مَا تَيَسَّرَ لَنَا تَعْلِيمُهُ مِمَّا يُقِرُّ بِهِ إِلَى اللَّهِ وَيَلِينُ لَهُ مِنَ الْقَوْلِ.
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ نَحْوًا مِمَّا قُلْنَا فِي ذَلِكَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، ح، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف: 88] قَالَ: مَعْرُوفًا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 90] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ سَارَ وَسَلَكَ ذُو الْقَرْنَيْنِ طُرُقًا وَمَنَازِلَ، كَمَا:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 89] يَعْنِي مَنْزِلًا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 89] مَنَازِلُ الْأَرْضِ وَمَعَالِمُهَا
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف: 90] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَوَجَدَ ذُو الْقَرْنَيْنِ الشَّمْسَ تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا، وَذَلِكَ أَنَّ أَرْضَهُمْ لَا جَبَلَ فِيهَا وَلَا شَجَرَ، وَلَا تَحْتَمِلُ بِنَاءً، فَيَسْكُنُوا الْبُيُوتَ، وَإِنَّمَا يَغُورُونَ فِي الْمِيَاهِ، أَوْ يَسْرُبُونَ
فِي الْأَسْرَابِ.
كَمَا:
حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ، قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَأَبُو دَاوُدَ، قَالَ:
ثنا سَهْلُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ السَّرَّاجُ، عَنِ الْحَسَنِ، ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف: 90] قَالَ: كَانَتْ أَرْضًا لَا تَحْتَمِلُ الْبِنَاءَ، وَكَانُوا إِذَا طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ تَغَوَّرُوا فِي الْمَاءِ، فَإِذَا غَرَبَتْ خَرَجُوا يَتَرَاعَوْنَ، كَمَا تَرْعَى الْبَهَائِمُ قَالَ: ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ: هَذَا حَدِيثُ سَمُرَةَ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف: 90] ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَكَانٍ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ، وَإِنَّمَا يَكُونُونَ فِي أَسْرَابٍ لَهُمْ، حَتَّى إِذَا زَالَتْ عَنْهُمُ الشَّمْسُ خَرَجُوا إِلَى مَعَايِشِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ، قَالَ: كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف: 90] قَالَ: لَمْ يَبْنُوا فِيهَا بِنَاءً قَطُّ، وَلَمْ يُبْنَ عَلَيْهِمْ فِيهَا بِنَاءٌ قَطُّ، وَكَانُوا إِذَا طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ دَخَلُوا أَسْرَابًا لَهُمْ حَتَّى
تَزُولَ الشَّمْسُ، أَوْ دَخَلُوا الْبَحْرَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَرْضَهُمْ لَيْسَ فِيهَا جَبَلٌ، وَجَاءَهُمْ جَيْشٌ مَرَّةً، فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُهَا: لَا تَطْلُعَنَّ عَلَيْكُمُ الشَّمْسُ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَقَالُوا: لَا نَبْرَحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، مَا هَذِهِ الْعِظَامُ؟ قَالُوا: هَذِهِ جِيَفُ جَيْشٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ هَاهُنَا فَمَاتُوا، قَالَ: فَذَهَبُوا هَارِبِينَ فِي الْأَرْضِ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف: 90] قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَكَانٍ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِمْ بِنَاءٌ، فَكَانُوا يَدْخُلُونَ فِي أَسْرَابٍ لَهُمْ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، حَتَّى تَزُولَ عَنْهُمْ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ إِلَى مَعَايِشِهِمْ وَقَالَ آخَرُونَ: هُمُ الزِّنْجُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونَهَا سِتْرًا﴾ [الكهف: 90] قَالَ: يُقَالُ: هُمُ الزِّنْجُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ [البقرة: 73] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلَعَ الشَّمْسِ، وَكَذَلِكَ: مِنْ صِلَةِ أَتْبَعَ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا، حَتَّى بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ، كَمَا أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى بَلَغَ مَغْرِبَهَا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 91] يَقُولُ: وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا عِنْدَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ عِلْمًا، لَا يَخْفَى عَلَيْنَا مِمَّا هُنَالِكَ مِنَ الْخَلْقِ وَأَحْوَالِهِمْ وَأَسْبَابِهِمْ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ شَيْءٌ.
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى الْخَبَرِ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿خُبْرًا﴾ [الكهف: 68] قَالَ: عِلْمًا حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 91] قَالَ: عِلْمًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: 93] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ سَارَ طُرُقًا وَمَنَازِلَ، وَسَلَكَ سُبُلًا.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: 93] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ
: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ) بِضَمِّ السِّينِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ بِضَمِّ السِّينِ.
وَكَانَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَكِّيِّينَ يَقْرَؤُهُ بِفَتْحِ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَكَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ يَفْتَحُ السِّينَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَيَضُمُّ السِّينَ فِي يس، وَيَقُولُ: السَّدُّ بِالْفَتْحِ: هُوَ الْحَاجِزُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّيْءِ، وَالسُّدُّ بِالضَّمِّ: مَا كَانَ مِنْ غِشَاوَةٍ فِي الْعَيْنِ.
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَإِنَّ قِرَاءَةَ عَامَّتِهِمْ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ بِفَتْحِ السِّينِ غَيْرَ قَوْلِهِ: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ) فَإِنَّهُمْ ضَمُّوا السِّينَ فِي ذَلِكَ خَاصَّةً.
وَرُوِي عَنْ عِكْرِمَةَ فِي ذَلِكَ مَا:
حَدَّثَنَا بِهِ، أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: مَا كَانَ مِنْ صَنْعَةِ بَنِي آدَمَ فَهُوَ السَّدُّ، يَعْنِي بِالْفَتْحِ، وَمَا كَانَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ فَهُوَ السَّدُّ وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَقُولُ: هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، وَلُغَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، وَلَا مَعْنَى لِلْفَرْقِ الَّذِي ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، وَعِكْرِمَةَ بَيْنَ السَّدِّ
وَالسُّدِّ، لَأَنَّا لَمْ نَجِدْ لِذَلِكَ شَاهِدًا يُبَيِّنُ عَنْ فُرْقَانِ مَا بَيْنَ ذَلِكَ عَلَى مَا حُكِيَ عَنْهُمَا.
وَمَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ الَّذِي رُوِيَ لَنَا عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ، لَمْ يُحْكَ لَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَفْصِيلٌ بَيْنَ فَتْحِ ذَلِكَ وَضَمِّهِ، وَلَوْ كَانَا مُخْتَلَفَيِ الْمَعْنَى لَنُقِلَ الْفَصْلُ مَعَ التَّأْوِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مُفْتَرِقٍ، فَيُفَسَّرُ الْحَرْفُ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ مِنْهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الَّذِي نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَيُّوبَ وَهَارُونَ وَفِي نَقْلِهِ نَظَرٌ، وَلَا نَعْرِفُ ذَلِكَ عَنْ أَيُّوبَ مِنْ رِوَايَةِ ثِقَاتِ أَصْحَابِهِ.
وَالسَّدُّ وَالسُّدُّ جَمِيعًا: الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَهُمَا هَهُنَا فِيمَا ذُكِرَ جَبَلَانِ سُدَّ مَا بَيْنَهُمَا، فَرَدَمَ ذُو الْقَرْنَيْنِ حَاجِزًا بَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ، لِيَقْطَعَ مَادَّ غَوَائِلِهِمْ وَعَيْثِهِمْ عَنْهُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ» قَالَ: الْجَبَلَيْنِ
الرَّدْمُ الَّذِي بَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، أُمَّتَيْنِ مِنْ وَرَاءِ رَدْمِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، قَالَ: الْجَبَلَانِ: أَرْمِينِيَةُ وَأَذْرَبِيجَانُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، «حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ» وَهُمَا جَبَلَانِ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: «بَيْنَ السُّدَّيْنِ» يَعْنِي بَيْنَ جَبَلَيْنِ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: «بَيْنَ السُّدَّيْنِ» قَالَ: هُمَا جَبَلَانِ
وَقَوْلُهُ ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف: 93] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَجَدَ مِنْ دُونِ السَّدَّيْنِ قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلَ قَائِلٍ سِوَى كَلَامِهِمْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿يَفْقَهُونَ﴾ [النساء: 78] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ ﴿يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف: 93] بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْيَاءِ، مِنْ فَقِهَ
الرَّجُلِ يَفْقَهُ فِقْهًا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ (يُفْقِهُونَ قَوْلًا) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ: مِنْ أَفْقَهْتُ فُلَانًا كَذَا أُفْقِهُهُ إِفْقَاهًا: إِذَا فَهَّمْتُهُ ذَلِكَ.
وَالصَّوَابُ عِنْدِي مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، غَيْرُ دافعةٍ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَذَا الْخَبَرَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا لِغَيْرِهِمْ عَنْهُمْ، فَيَكُونُ صَوَابًا الْقِرَاءَةُ بِذَلِكَ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا مَعَ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ كَانُوا لَا يَكَادُونَ أَنْ يُفْقِهُوا غَيْرَهُمْ لِعِلَلٍ: إِمَّا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَإِمَّا بِمَنْطِقِهِمْ، فَتَكُونُ الْقِرَاءَةُ بِذَلِكَ أَيْضًا صَوَابًا
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: 94] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ [الكهف: 94] فَقَرَأَتِ الْقُرَّاءُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ: (إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ) بِغَيْرِ هَمْزٍ عَلَى فَاعُولٍ مِنْ يَجَجْتُ وَمَجَجْتُ، وَجَعَلُوا الْأَلِفَيْنِ فِيهِمَا زَائِدَتَيْنِ، غَيْرَ عَاصِمَ بْنَ أَبِي النَّجُودِ وَالْأَعْرَجِ، فَإِنَّهُ
ذُكِرَ أَنَّهُمَا قَرَآ ذَلِكَ بِالْهَمْزِ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَجَعَلَا الْهَمْزَ فِيهِمَا مِنْ أَصْلِ الْكَلَامِ، وَكَأَنَّهُمَا جَعَلَا يَأْجُوجَ: يِفْعُولَ مِنْ أَجَجْتُ، وَمَأْجُوجُ: مَفْعُولٌ.
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي هِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ عِنْدَنَا (إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ) بِأَلِفٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ الْكَلَامُ الْمَعْرُوفُ عَلَى أَلْسُنِ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ.
[البحر الرجز]
لَوْ أَنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مَعَا ... وَعَادَ عَادُوا وَاسْتَجَاشُوا تُبَّعَا
وَهُمْ أُمَّتَانِ مِنْ وَرَاءِ السَّدِّ
وَقَوْلُهُ: ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: 94] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الِإِفْسَادِ الَّذِي وَصَفَ اللَّهُ بِهِ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانُوا يَأْكُلُونَ النَّاسَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّمْلِيُّ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَيُّوبَ الْخُوزَانِيُّ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: 94] قَالَ: كَانُوا يَأْكُلُونَ النَّاسَ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ سَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ لَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُفْسِدُونَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَذِكْرُ صِفَةِ اتِّبَاعِ ذِي الْقَرْنَيْنِ الْأَسْبَابَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَذِكْرُ سَبَبِ بِنَائِهِ لِلرَّدْمِ:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني بَعْضُ مَنْ يَسُوقُ أَحَادِيثَ الْأَعَاجِمِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، مِمَّنْ قَدْ أَسْلَمَ، مِمَّا تَوَارَثُوا مِنْ عِلْمِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنَ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ اسْمُهُ مَرْزُبَا بْنُ مَرْدَبَةَ