وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾ [المؤمنون: 88] مَنْ أَرَادَ مِمَّنْ قَصَدَهُ بِسُوءٍ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: 88] يَقُولُ: وَلَا أَحَدَ يَمْتَنِعُ مِمَّنْ أَرَادَهُ هُوَ بِسُوءٍ فَيُدْفَعُ عَنْهُ عَذَابَهُ وَعِقَابَهُ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184] مِنْ ذَلِكَ صِفَتُهُ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَلَكُوتَ كُلِّ شَيْءٍ , وَالْقُدْرَةَ عَلَى الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا لِلَّهِ.
فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 89] يَقُولُ: فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ تُصْرَفُونَ عَنِ التَّصْدِيقِ بِآيَاتِ اللَّهِ
, وَالْإِقْرَارِ بِأَخْبَارِهِ , وَأَخْبَارِ رَسُولِهِ , وَالْإِيمَانِ بِأَنَّ اللَّهَ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ مَا يَشَاءُ وَعَلَى بَعْثِكُمْ أَحْيَاءً
بَعْدَ مَمَاتِكُمْ، مَعَ عِلْمِكُمْ بِمَا تَقُولُونَ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِهِ وَقُدْرَتِهِ؟ . وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ يَقُولُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 89]
مَا حَدَّثَنِي بِهِ عَلِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 89] يَقُولُ: «تُكَذِّبُونَ» وَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى السِّحْرَ: أَنَّهُ تَخْيِيلُ الشَّيْءِ إِلَى النَّاظِرِ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ مِنْ هَيْئَتِهِ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 89] إِنَّمَا مَعْنَاهُ: فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ يُخَيَّلُ إِلَيْكُمُ الْكَذِبُ حَقًّا , وَالْفَاسِدُ صَحِيحًا، فَتُصْرَفُونَ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ رَسُولُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: 91] يَقُولُ: مَا الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ أَنَّ
الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ وَأَنَّ الْآلِهَةَ وَالْأَصْنَامَ آلِهَةٌ دُونَ اللَّهِ.
﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: 90] الْيَقِينِ، وَهُوَ الدِّينُ الَّذِي ابْتَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ الْإِسْلَامُ، وَلَا يُعْبَدُ شَيْءٌ سِوَى اللَّهِ لِأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28] يَقُولُ: وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ لَكَاذِبُونَ فِيمَا يُضِيفُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَنْحِلُونَهُ مِنَ الْوَلَدِ وَالشَّرِيكِ
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: 91] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا لِلَّهِ مِنْ وَلَدٍ، وَلَا كَانَ مَعَهُ فِي الْقَدِيمِ , وَلَا حِينَ ابْتَدَعَ الْأَشْيَاءَ مَنْ تَصْلُحُ عِبَادَتُهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ
فِي الْقَدِيمِ , أَوْ عِنْدَ خَلْقِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْ تَصْلُحُ عِبَادَتُهُ ﴿مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ﴾ [المؤمنون: 91] يَقُولُ: إِذًا لَاعْتَزَلَ كُلُّ إِلَهٍ مِنْهُمْ ﴿بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: 91] مِنْ شَيْءٍ، فَانْفَرَدَ بِهِ، وَلَتَغَالَبُوا، فَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَغَلَبَ الْقَوِيُّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ؛ لِأَنَّ الْقَوِيَّ لَا يَرْضَى أَنْ يَعْلُوَهُ ضَعِيفٌ، وَالضَّعِيفَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا.
فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَبْلَغَهَا مِنْ حُجَّةٍ وَأَوْجَزَهَا لِمَنْ عَقِلَ وَتَدَبَّرَ وَقَوْلُهُ: ﴿إِذًا لَذَهَبَ﴾ [المؤمنون: 91] جَوَابٌ لِمَحْذُوفٍ، وَهُوَ: لَوْ كَانَ مَعَهُ إِلَهٌ إِذَنْ لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ؛ اجْتُزِئَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ عَنْهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَنَّ لَهُ وَلَدًا، وَعَمَّا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ لَهُ شَرِيكًا، أَوْ أَنَّ مَعَهُ فِي الْقِدَمِ إِلَهًا يُعْبَدُ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى
وَقَوْلُهُ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: 73] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هُوَ عَالِمُ مَا غَابَ عَنْ خَلْقِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ، فَلَمْ يَرَوْهُ وَلَمْ يُشَاهِدُوهُ، وَمَا رَأَوْهُ وَشَاهَدُوهُ.
إِنَّمَا هَذَا مِنَ اللَّهِ خَبَرٌ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا , وعَبَدُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، أَنَّهُمْ فِيمَا يَقُولُونَ وَيَفْعَلُونَ مُبْطِلُونَ
مُخْطِئُونَ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا يَقُولُونَ مِنْ قَوْلٍ فِي ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ، بَلْ عَنْ جَهْلٍ مِنْهُمْ بِهِ؛ وَإِنَّ الْعَالِمَ بِقَدِيمِ الْأُمُورِ , وَبِحَدِيثِهَا , وَشَاهِدِهَا وَغَائِبِهَا عَنْهُمْ، اللَّهُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَخَبَرُهُ هُوَ الْحَقُّ دُونَ خَبَرِهِمْ.
وَقَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: 73] فَرَفَعَ عَلَى الِابْتِدَاءِ، بِمَعْنَى: هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ، وَلِذَلِكَ دَخَلَتِ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَعَالَى﴾ [الأعراف: 190] كَمَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِأَخِيكَ الْمُحْسِنُ
فَأَحْسَنْتُ إِلَيْهِ، فَتَرْفَعُ الْمُحْسِنَ إِذَا جَعَلْتَ فَأَحْسَنْتُ إِلَيْهِ بِالْفَاءِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ: مَرَرْتُ بِأَخِيكَ هُوَ الْمُحْسِنُ، فَأَحْسَنْتُ إِلَيْهِ.
وَلَوْ جُعِلَ الْكَلَامُ بِالْوَاوِ فَقِيلَ: وَأَحْسَنْتُ إِلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ وَجْهُ الْكَلَامِ فِي «الْمُحْسِنِ» إِلَّا الْخَفْضُ عَلَى النَّعْتِ لِلْأَخِ، وَلِذَلِكَ لَوْ جَاءَ «فَتَعَالَى» بِالْوَاوِ كَانَ وَجْهُ الْكَلَامِ فِي عَالِمِ الْغَيْبِ الْخَفْضَ عَلَى الِإِتْبَاعِ لِإِعْرَابِ اسْمِ اللَّهِ، وَكَانَ يَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَتَعَالَى فَيَكُونُ قَوْلُهُ: «وَتَعَالَى» ، حِينَئِذٍ مَعْطُوفًا عَلَى ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [المؤمنون: 91] . وَقَدْ يَجُوزُ الْخَفْضُ مَعَ الْفَاءِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَبْدَأُ الْكَلَامَ بِالْفَاءِ، كَابْتِدَائِهَا بِالْوَاوِ.
وَبِالْخَفْضِ كَانَ يَقْرَأُ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: 73] فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَبُو عَمْرٍو، وَعَلَى خِلَافِهِ فِي ذَلِكَ قَرَأَةُ الْأَمْصَارِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: الرَّفْعُ، لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِجْمَاعُ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي: صِحَّتُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ