تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 88-90

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61] كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَعْنَاهُ: سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ السَّعَادَةُ، فَذَلِكَ سَبُوقُهُمُ الْخَيْرَاتِ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا

صفحات 88-90
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ثَنَاؤُهُ: فَكَيْفَ يُكَذِّبُونَهُ وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ فِيهِمْ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ.
﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: 70] . يَقُولُ: أَيَقُولُونَ بِمُحَمَّدٍ جُنُونٌ، فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا مَعْنَى لَهُ , وَلَا يَفْهَمُ وَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ.
﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: 70] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَكَذِبُهُمْ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ وَاضِحٌ بَيِّنٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَجْنُونَ يَهْذِي فَيَأْتِي مِنَ الْكَلَامِ بِمَا لَا مَعْنَى لَهُ، وَلَا يُعْقَلُ وَلَا يُفْهَمُ، وَالَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ الْحِكْمَةُ الَّتِي لَا أَحْكَمَ مِنْهَا , وَالْحَقُّ الَّذِي لَا تَخْفَى صِحَّتُهُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ صَحِيحَةٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ كَلَامُ مَجْنُونٍ؟

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون: 70] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا بِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مُحَمَّدًا بِالصِّدْقِ , وَلَا أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَهُمْ مَجْنُونٌ، بَلْ قَدْ عَلِمُوهُ صَادِقًا مُحِقًّا فِيمَا يَقُولُ وَفِيمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لِلْإِذْعَانِ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ , وَلِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ سَاخِطُونَ، حَسَدًا مِنْهُمْ لَهُ , وَبَغْيًا عَلَيْهِ

وَاسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْ عَمِلَ الرَّبُّ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِمَا يَهْوَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ , وَأَجْرَى التَّدْبِيرَ عَلَى مَشِيئَتِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ , وَتَرَكَ الْحَقَّ الَّذِي هُمْ لَهُ كَارِهُونَ،

لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ , وَالصَّحِيحَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَالْفَاسِدَ.
فَلَوْ كَانَتِ الْأُمُورُ جَارِيَةً عَلَى مَشِيئَتِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ مَعَ إِيثَارِ أَكْثَرِهِمُ الْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ، لَمْ تَقِرَّ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَامَ بِالْحَقِّ

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، قَالَ: ثنا السُّدِّيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون: 71] قَالَ: «اللَّهُ»

قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون: 71] قَالَ: " الْحَقُّ: هُوَ اللَّهُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المؤمنون: 71] قَالَ: " الْحَقُّ: اللَّهُ "

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 71] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ الذِّكْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ بَيَانُ الْحَقِّ لَهُمْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ [المؤمنون: 71] يَقُولُ: بَيَّنَّا لَهُمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِشَرَفِهِمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ كَانَ

شَرَفًا لَهُمْ، لِأَنَّهُ نَزَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَأَعْرَضُوا عَنْهُ , وَكَفَرُوا بِهِ.
وَقَالُوا: ذَلِكَ نظيرُ قَوْلِهِ ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مُتَقَارِبَا الْمَعْنَى.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ بَيَانًا بَيَّنَ فِيهِ مَا لِخَلْقِهِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ ذِكْرٌ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْمِهِ , وَشَرَفٌ لَهُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: 73] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ تَسْأَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَوْمِكَ خَرَاجًا، يَعْنِي أَجْرًا عَلَى مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالْحَقِّ؛ ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: 72] فَأَجْرُ رَبِّكَ عَلَى

نَفَاذِكَ لِأَمْرِهِ، وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَجْرًا , قَالَ لَهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ لَهُ، وَأَمَرَهُ بِقِيلِهِ لَهُمْ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: 23] , وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: أَمْ تَسْأَلُهُمْ عَلَى مَا جِئْتَهُمْ بِهِ أَجْرًا، فَنَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ إِذَا تَلَوْتَهُ عَلَيْهِمْ، مُسْتَكْبِرِينَ بِالْحَرَمِ، فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [المؤمنون: 72] قَالَ: «أَجْرًا»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنِ الْحَسَنِ، مِثْلَهُ وَأَصْلُ الْخَرَاجِ وَالْخَرْجُ: مَصْدَرَانِ لَا يُجْمَعَانِ

جارٍ التحميل