تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 471-485

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَنُحَرِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالنَّارِ

صفحات 471-485
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: 10] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَيُقَالُ لَهُ إِذَا أُذِيقَ عَذَابَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: هَذَا الْعَذَابُ الَّذِي نُذِيقَكَهُ الْيَوْمَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ , وَاكْتَسَبْتَهُ فِيهَا مِنَ الْإِجْرَامِ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: 182] يَقُولُ: وَفَعَلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

فَيُعَاقِبَ بَعْضَ عَبِيدِهِ

عَلَى جُرْمٍ وَهُوَ يَغْفِرُ مِثْلَهُ مِنْ آخَرَ غَيْرِهِ، أَوْ يَحْمِلَ ذَنْبَ مُذْنِبٍ عَلَى غَيْرِ مُذْنِبٍ فَيُعَاقِبَهُ بِهِ , وَيَعْفُوَ عَنْ صَاحِبِ الذَّنْبِ , وَلَكِنَّهُ لَا يُعَاقِبُ أَحَدًا إِلَّا عَلَى جُرْمِهِ , وَلَا يُعَذِّبُ أَحَدًا عَلَى ذَنْبٍ يَغْفِرُ مِثْلَهُ لِآخَرَ إِلَّا بِسَبَبٍ اسْتَحَقَّ بِهِ مِنْهُ مَغْفِرَتَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11] يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: 11] أَعْرَابًا كَانُوا يَقْدَمُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ، مُهَاجِرِينَ مِنْ بَادِيَتِهِمْ، فَإِنْ نَالُوا رَخَاءً مِنْ عَيْشٍ بَعْدَ الْهِجْرَةِ , وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ أَقَامُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِلَّا ارْتَدُّوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ , فَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ﴾ [الحج: 11] عَلَى شَكٍّ، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج: 11] وَهُوَ السَّعَةُ مِنَ الْعَيْشِ وَمَا يُشْبِهُهُ مِنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج: 11] يَقُولُ: اسْتَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ , وَثَبَتَ عَلَيْهِ.
﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ [الحج: 11] وَهُوَ الضِّيقُ بِالْعَيْشِ وَمَا يُشْبِهُهُ مِنْ أَسْبَابِ الدُّنْيَا ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: 11] يَقُولُ: ارْتَدَّ فَانْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ

أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: 11] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: 11] قَالَ: " الْفِتْنَةُ: الْبَلَاءُ، كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَرْضٌ وَبِيئَةٌ، فَإِنْ صَحَّ بِهَا جِسْمُهُ , وَنُتِجَتْ فَرَسُهُ مُهْرًا حَسَنًا , وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا رَضِيَ بِهِ , وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَقَالَ: مَا أَصَبْتُ مُنْذُ كُنْتُ عَلَى دِينِي هَذَا إِلَّا خَيْرًا , وَإِنْ أَصَابَهُ وَجَعُ الْمَدِينَةِ , وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ جَارِيَةً , وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَةُ , أَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَصَبْتُ مُنْذُ كُنْتُ عَلَى دِينِكَ هَذَا إِلَّا شَرًّا وَذَلِكَ الْفِتْنَةُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، قَالَ: ثنا عَنْبَسَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: 11] قَالَ: «عَلَى شَكٍّ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: 11] قَالَ: " عَلَى شَكٍّ.
﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ [الحج: 11] رَخَاءٌ وَعَافِيَةٌ ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج: 11] اسْتَقَرَّ.
﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ [الحج: 11] عَذَابٌ وَمُصِيبَةٌ ﴿انْقَلَبَ﴾ [الحج: 11] ارْتَدَّ ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: 11] كَافِرًا " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِنَحْوِهِ

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ نَاسٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَمِمَّنْ حَوْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى يَقُولُونَ: نَأْتِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ صَادَفْنَا خَيْرًا مِنْ مَعِيشَةِ الرِّزْقِ , ثَبَتْنَا مَعَهُ، وَإِلَّا لَحِقَنَا بِأَهْلِنَا‍

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: 11] قَالَ: " شَكٍّ.
﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ [الحج: 11] يَقُولُ: أُكْثِرَ مَالُهُ , وَكَثُرَتْ مَاشِيَتُهُ اطْمَأَنَّ وَقَالَ: لَمْ يُصِبْنِي فِي دِينِي هَذَا مُنْذُ دَخَلَتْهُ إِلَّا خَيْرٌ ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ [الحج: 11] يَقُولُ: وَإِنْ ذَهَبَ مَالُهُ، وَذَهَبَتْ مَاشِيَتُهُ ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: 11] " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، نَحْوَهُ

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: 11] الْآيَةَ، " كَانَ نَاسٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَمِمَّنْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْقُرَى , كَانُوا يَقُولُونَ: نَأْتِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَنْظُرُ فِي شَأْنِهِ، فَإِنْ صَادَفْنَا خَيْرًا ثَبَتْنَا مَعَهُ، وَإِلَّا لَحِقَنَا بِمَنَازِلِنَا وَأَهْلِينَا.
وَكَانُوا يَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ عَلَى دِينِكَ فَإِنْ أَصَابُوا مَعِيشَةً , وَنُتِجُوا خَيْلُهُمْ , وَوَلَدَتْ نِسَاؤُهُمُ الْغِلْمَانَ، اطْمَأَنُّوا وَقَالُوا: هَذَا دِينُ صِدْقٍ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ وَأَزْلَقَتْ خُيُولُهُمْ , وَوَلَدَتْ نِسَاؤُهُمُ الْبَنَاتِ، قَالُوا: هَذَا دِينُ سُوءٍ فَانْقَلَبُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنَّ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: 11] قَالَ: " هَذَا الْمُنَافِقُ، إِنْ صَلُحَتْ لَهُ دُنْيَاهُ أَقَامَ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَإِنْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَتَغَيَّرَتِ انْقَلَبَ، وَلَا يُقِيمُ عَلَى الْعِبَادَةِ إِلَّا لِمَا صَلُحَ مِنْ دُنْيَاهُ.
وَإِذَا أَصَابَتْهُ شِدَّةٌ أَوْ فِتْنَةٌ أَوِ اخْتِبَارٌ , أَوْ ضِيقٌ، تَرَكَ دِينَهُ , وَرَجَعَ إِلَى الْكُفْرِ

وَقَوْلُهُ: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: 11] يَقُولُ: غَبِنَ هَذَا الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتَهُ دُنْيَاهُ , لِأَنَّهُ لَمْ يَظْفَرْ بِحَاجَتِهِ مِنْهَا بِمَا كَانَ مِنْ عِبَادَتِهِ اللَّهَ عَلَى الشَّكِّ، وَوُضِعَ فِي تِجَارَتِهِ فَلَمْ يَرْبَحْ ﴿وَالْآخِرَةَ﴾ [البقرة: 217] يَقُولُ: وَخَسِرَ الْآخِرَةَ، فَإِنَّهُ مُعَذَّبٌ فِيهَا بِنَارِ اللَّهِ الْمُوقَدَةِ، وَقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11] يَقُولُ:

وَخَسَارَتُهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ هِيَ الْخُسْرَانُ يَعْنِي الْهَلَاكَ ﴿الْمُبِينُ﴾ [المائدة: 92] يَقُولُ: يُبَيِّنُ لِمَنْ فَكَّرَ فِيهِ وَتَدَبَّرَهُ أَنَّهُ قَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ جَمِيعًا غَيْرَ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: 11] عَلَى وَجْهِ الْمُضِيِّ.
وَقَرَأَهُ حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ: «خَاسِرًا» نَصَبًا عَلَى الْحَالِ عَلَى مِثَالِ فَاعِلٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [الحج: 12]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنْ أَصَابَتْ هَذَا الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فِتْنَةٌ، ارْتَدَّ عَنْ دِينِ اللَّهِ، يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَا تَضُرُّهُ إِنْ لَمْ يَعْبُدْهَا فِي الدُّنْيَا , وَلَا تَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ , إِنْ عَبَدَهَا ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: 18] يَقُولُ: ارْتِدَادُهُ ذَلِكَ دَاعِيًا مِنْ دُونِ اللَّهِ هَذِهِ الْآلِهَةَ هُوَ الْأَخْذُ عَلَى غَيْرِ اسْتِقَامَةٍ , وَالذَّهَابُ عَنْ دِينِ اللَّهِ ذَهَابًا بَعِيدًا

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرَّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ "﴾ [الحج: 12] يَكْفُرُ بَعْدَ إِيمَانِهِ ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: 18] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: 13] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَدْعُو هَذَا الْمُنْقَلَبُ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ أَنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ آلِهَةً لَضَرُّهَا فِي الْآخِرَةِ لَهُ، أَقْرَبُ وَأَسْرَعُ إِلَيْهِ مِنْ نَفْعِهَا.
وَذُكِرَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقْرَؤُهُ: «يَدْعُو مَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ»

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَوْضِعِ ﴿مَنْ﴾ [البقرة: 4] ، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: مَوْضِعُهُ نَصْبٌ بِـ ﴿يَدْعُو﴾ [البقرة: 221] ، وَيَقُولُ: مَعْنَاهُ: يَدْعُو لَآلِهَةٌ ضَرُّهَا أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهَا، وَيَقُولُ: هُوَ شَاذُّ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي الْكَلَامِ: يَدْعُو لَزَيْدًا.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: اللَّامُ مِنْ صِلَةِ مَا بَعْدَ ﴿مَنْ﴾ [البقرة: 4] ، كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ: يَدْعُو مَنْ لَضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ.
وَحُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا مِنْهَا: عِنْدِي لَمَا غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ، بِمَعْنَى: عِنْدِي مَا لَغَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ , وَأَعْطَيْتُكَ لَمَا غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ، بِمَعْنَى: مَا لَغَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ.
وَقَالَ: جَائِزٌ فِي كُلِّ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ الْإِعْرَابُ الِاعْتِرَاضُ بِاللَّامِ دُونَ الِاسْمِ.

وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ: هُوَ الضُّلَّالُ الْبَعِيدُ يَدْعُو , فَيَكُونُ ﴿يَدْعُو﴾ [البقرة: 221] صِلَةَ ﴿الضُّلَّالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: 18] ، وَتُضْمِرُ فِي ﴿يَدْعُو﴾ [البقرة: 221] الْهَاءَ , ثُمَّ تَسْتَأْنِفُ الْكَلَامَ بِاللَّامِ، فَتَقُولُ: لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ: لَبِئْسَ الْمَوْلَى , كَقَوْلِكَ فِي الْكَلَامِ فِي مَذْهَبِ الْجَزَاءِ: لَمَا فَعَلْتَ لَهُوَ خَيْرٌ لَكَ.
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ ﴿مَنْ﴾ [البقرة: 4] فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالْهَاءِ فِي قَوْلِهِ ﴿ضَرُّهُ﴾ [يونس: 12] ، لِأَنَّ ﴿مَنْ﴾ [البقرة: 4] إِذَا كَانَتْ جَزَاءً , فَإِنَّمَا يُعْرِبُهَا مَا بَعْدَهَا، وَاللَّامُ الثَّانِيَةُ فِي ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ [الحج: 13] جَوَابُ اللَّامِ الْأُولَى.
وَهَذَا الْقَوْلُ الْآخَرُ عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِيَّةِ أَصَحُّ، وَالْأَوَّلُ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَقْرَبُ

وَقَوْلُهُ: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ [الحج: 13] يَقُولُ: لَبِئْسَ ابْنُ الْعَمِّ هَذَا الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ.
﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: 13] يَقُولُ: وَلَبِئْسَ الْخَلِيطُ الْمُعَاشِرُ , وَالصَّاحِبُ هُوَ

كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: 13] قَالَ: " الْعَشِيرُ: هُوَ الْمُعَاشِرُ الصَّاحِبُ " وَقَدْ قِيلَ: عُنِيَ بِالْمَوْلَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْوَلِيُّ النَّاصِرُ.
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: 13] الْوَثَنُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: 13] قَالَ: «الْوَثَنُ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا، وَانْتَهُوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ فِيهَا ﴿جَنَّاتٍ﴾ [البقرة: 25] يَعْنِي: بَسَاتِينَ،

﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ: تَجْرِي الْأَنْهَارُ مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا.
فَيُعْطِي مَا شَاءَ مِنْ كَرَامَتِهِ أَهْلَ طَاعَتِهِ , وَمَا شَاءَ مِنَ الْهَوَانِ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ [الحج: 16] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِالْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾

[الحج: 15] . فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَتَأْوِيلُهُ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ قَائِلِي ذَلِكَ: مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ يَحْسِبُ أَنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلْيَمْدُدْ بِحَبْلٍ وَهُوَ السَّبَبُ إِلَى السَّمَاءِ: يَعْنِي سَمَاءَ الْبَيْتِ، وَهُوَ سَقْفُهُ، ثُمَّ لِيَقْطَعِ السَّبَبَ بَعْدَ الِاخْتِنَاقِ بِهِ، فَلْيَنْظُرْ: هَلْ يُذْهِبَنَّ اخْتِنَاقُهُ ذَلِكَ وَقَطْعُهُ السَّبَبَ بَعْدَ الِاخْتِنَاقِ مَا يَغِيظُ , يَقُولُ: هَلْ يُذْهِبَنَّ ذَلِكَ مَا يَجِدُ فِي صَدْرِهِ مِنَ الْغَيْظِ؟

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني خَالِدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " مَنْ

كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَلَا دِينَهُ وَلَا كِتَابَهُ، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: 15] يَقُولُ: بِحَبْلٍ إِلَى سَمَاءِ الْبَيْتِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ، ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: 15] "

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الحج: 15] قَالَ: " مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: 15] يَقُولُ: بِحَبْلٍ إِلَى سَمَاءِ الْبَيْتِ، ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ [الحج: 15] يَقُولُ: ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ , ثُمَّ لَيَنْظُرْ: هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، بِنَحْوِهِ وَقَالَ آخَرُونَ مَنْ قَالَ الْهَاءُ فِي ﴿يَنْصُرَهُ﴾ [الحج: 15] مِنْ ذِكْرِ اسْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالسَّمَاءُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هِيَ السَّمَاءُ الْمَعْرُوفَةُ.
قَالُوا: مَعْنَى الْكَلَامِ مَا

حَدَّثَنِي بِهِ، يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الحج: 15] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: 15] قَالَ: " مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيُكَابِدُ هَذَا الْأَمْرَ لِيَقْطَعَهُ عَنْهُ وَمِنْهُ، فَلْيَقْطَعْ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِهِ مِنْ حَيْثُ يَأْتِيهِ، فَإِنَّ أَصْلَهُ فِي السَّمَاءِ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ لِيَقْطَعْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيَ الَّذِي يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا

يُكَايِدُهُ حَتَّى يَقْطَعَ أَصْلَهُ عَنْهُ، فَكَايَدَ ذَلِكَ حَتَّى قَطَعَ أَصْلَهُ عَنْهُ.
﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: 15] مَا دَخَلَهُمْ مِنْ ذَلِكَ , وَغَاظَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ نُصْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ " وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَالَ: (الْهَاءُ) الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿يَنْصُرَهُ﴾ [الحج: 15] مِنْ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَعْنَى النَّصْرِ هَاهُنَا الرِّزْقُ.
فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَرْزُقَ اللَّهُ مُحَمَّدًا فِي الدُّنْيَا، وَلَنْ يُعْطِيَهُ.
وَذَكَرُوا سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ: مَنْ يَنْصُرْنِي نَصَرَهُ اللَّهُ، بِمَعْنَى: مَنْ يُعْطِنِي أَعْطَاهُ اللَّهُ.
وَحَكَوْا أَيْضًا سَمَاعًا مِنْهُمْ: نَصَرَ الْمَطَرُ أَرْضَ كَذَا: إِذَا جَادَهَا وَأَحْيَاهَا.
وَاسْتُشْهِدَ لِذَلِكَ بِبَيْتِ الْفَقْعَسِيِّ: [البحر الطويل] وَإِنَّكَ لَا تُعْطِي امْرَأً فَوْقَ حَظِّهِ ... وَلَا تَمْلِكُ الشِّقَّ الَّذِي الْغَيْثُ نَاصِرُهْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: 15] قَالَ: «مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا، فَلْيَرْبِطْ حَبْلًا فِي سَقْفٍ , ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ بِهِ حَتَّى يَمُوتَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا حَكَّامٌ , عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ التَّمِيمِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ [الحج: 15] قَالَ: " أَنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: 15] . وَالسَّبَبُ: الْحَبْلُ، وَالسَّمَاءُ: سَقْفُ الْبَيْتِ , فَلْيُعَلِّقْ حَبْلًا فِي سَمَاءِ الْبَيْتِ , ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ , ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ [الحج: 15] هَذَا الَّذِي صَنَعَ مَا يَجِدُ مِنَ الْغَيْظِ؟ " حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَمْرٍو عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ التَّمِيمِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: 15] قَالَ: «سَمَاءُ الْبَيْتِ» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ التَّمِيمِيَّ يَقُولُ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الحج: 15] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: 15] قَالَ: " السَّمَاءُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يَمُدَّ إِلَيْهَا بِسَبَبٍ سَقْفُ

الْبَيْتِ , أَمَرَ أَنْ يَمُدَّ إِلَيْهِ بِحَبْلٍ فَيَخْتَنِقَ بِهِ , قَالَ: فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ إِذَا أَخْتَنِقَ إِنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَنْصُرَهُ اللَّهُ؟ " وَقَالَ آخَرُونَ: الْهَاءُ فِي ﴿يَنْصُرَهُ﴾ [الحج: 15] مِنْ ذِكْرِ: ﴿مَنْ﴾ [الحج: 15] . وَقَالُوا: مَعْنَى الْكَلَامِ: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى سَمَاءِ الْبَيْتِ ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ، فَلْيَنْظُرْ: هَلْ يُذْهِبَنَّ فِعْلُهُ ذَلِكَ مَا يَغِيظُ، أَنَّهُ لَا يُرْزَقُ؟

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ [الحج: 15] قَالَ: " يَرْزُقْهُ اللَّهُ.
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: 15] قَالَ: بِحَبْلٍ ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29] سَمَاءِ مَا فَوْقَكَ.
﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ [الحج: 15] لِيَخْتَنِقْ، هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ذَلِكَ خِيفَةَ أَنْ لَا يُرْزَقَ؟ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ [الحج: 15] يَرْزُقَهُ اللَّهُ.
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: 15] قَالَ: «بِحَبْلٍ إِلَى السَّمَاءِ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29] إِلَى سَمَاءِ الْبَيْتِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ [الحج: 15] قَالَ: لِيَخْتَنِقْ، وَذَلِكَ

كَيْدُهُ ﴿مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: 15] قَالَ: ذَلِكَ خَنْقُهُ أَنْ لَا يَرْزُقَهُ اللَّهُ

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: 15] يَعْنِي: بِحَبْلٍ ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29] يَعْنِي: «سَمَاءَ الْبَيْتِ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو رَجَاءٍ، قَالَ: سُئِلَ عِكْرِمَةُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: 15] قَالَ: " سَمَاءِ الْبَيْتِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ [الحج: 15] قَالَ: يَخْتَنِقُ وَأَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْهَاءُ مِنْ ذِكْرِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِينِهِ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَكَرَ قَوْمًا يَعْبُدُونَهُ عَلَى حَرْفٍ , وَأَنَّهُمْ يَطْمَئِنُّونَ بِالدِّينِ إِنْ أَصَابُوا خَيْرًا فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ , وَأَنَّهُمْ يَرْتَدُّونَ عَنْ دِينِهِمْ لِشِدَّةٍ تُصِيبُهُمْ فِيهَا، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةَ , فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا أَتْبَعَهُ إِيَّاهَا تَوْبِيخًا لَهُمْ عَلَى ارْتِدَادِهِمْ عَنِ الدِّينِ أَوْ عَلَى شَكِّهِمْ فِيهِ نِفَاقًا، اسْتِبْطَاءً مِنْهُمُ السَّعَةَ فِي الْعَيْشِ , أَوِ السُّبُوغَ فِي الرِّزْقِ.
وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عُقَيْبَ الْخَبَرِ عَنْ نِفَاقِهِمْ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذَنْ إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: مَنْ كَانَ يَحْسِبُ أَنْ لَنْ يَرْزُقَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ فِي الدُّنْيَا فَيُوسِعَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَضْلِهِ فِيهَا، وَيَرْزُقَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ سِنِيِّ عَطَايَاهُ وَكَرَامَتِهِ، اسْتِبْطَاءً مِنْهُ فِعْلَ اللَّهِ ذَلِكَ بِهِ وَبِهِمْ، فَلْيَمْدُدْ بِحَبْلٍ إِلَى سَمَاءٍ فَوْقَهُ , إِمَّا سَقْفِ بَيْتٍ،

أَوْ غَيْرِهِ , مِمَّا يُعَلَّقُ بِهِ السَّبَبُ مِنْ فَوْقِهِ، ثُمَّ يَخْتَنِقْ إِذَا اغْتَاظَ مِنْ بَعْضِ مَا قَضَى اللَّهُ فَاسْتَعْجَلَ انْكِشَافَ ذَلِكَ عَنْهُ، فَلْيَنْظُرْ: هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ احْتِنَاقَهُ كَذَلِكَ مَا يَغِيظُ؟ فَإِنْ لَمْ يُذْهِبْ ذَلِكَ غَيْظَهُ، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِالْفَرَجِ مِنْ عِنْدِهِ فَيُذْهِبَهُ، فَكَذَلِكَ اسْتِعْجَالُهُ نَصْرَ اللَّهِ مُحَمَّدًا وَدِينَهُ لَنْ يُؤَخِّرَ مَا قَضَى اللَّهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ عَنْ مِيقَاتِهِ , وَلَا يُعَجِّلَ قَبْلَ حِينِهِ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَسَدٍ وَغَطَفَانَ، تَبَاطَئُوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَالُوا: نَخَافُ أَنْ لَا يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَنْقَطِعَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ حُلَفَائِنَا مِنَ الْيَهُودِ فَلَا يَمِيرُونَنَا , وَلَا يُرَوُّونَنَا فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُمْ: مَنِ اسْتَعْجَلَ مِنَ اللَّهِ نَصْرَ مُحَمَّدٍ، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ , فَلْيَخْتَنِقْ , فَلْيَنْظُرِ اسْتِعْجَالَهُ بِذَلِكَ فِي نَفْسِهِ , هَلْ هُوَ مُذْهِبٌ غَيْظَهُ؟ فَكَذَلِكَ اسْتِعْجَالُهُ مِنَ اللَّهِ نَصْرَ مُحَمَّدٍ , غَيْرَ مُقَدِّمٍ نَصْرَهُ قَبْلَ حِينِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ﴿مَا﴾ [الحج: 15] الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: 15] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: هِيَ بِمَعْنَى: الَّذِي.
وَقَالَ: مَعْنَى الْكَلَامِ: هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ الَّذِي يَغِيظُهُ.
قَالَ: وَحُذِفَتِ الْهَاءُ لِأَنَّهَا صِلَةُ الَّذِي، لِأَنَّهُ إِذَا صَارَا جَمِيعًا اسْمًا وَاحِدًا , كَانَ الْحَذَفُ أَخَفَّ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ هُوَ مَصْدَرٌ لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى الْهَاءِ، هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ غَيْظَهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الحج: 16] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَمَا بَيَّنْتُ

جارٍ التحميل