وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فِي أُمُورِهِ، وَيُفَوِّضُهَا إِلَيْهِ فَهُوَ كَافِيهِ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [الطلاق: 5] يَقُولُ: وَمَنْ يَخَفِ اللَّهَ فَيَتَّقِهِ بِاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ، وَأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، يَمْحُ اللَّهُ عَنْهُ ذُنُوبَهُ وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا يَقُولُ: وَيُجْزِلْ لَهُ الثَّوَابَ عَلَى عَمَلِهِ ذَلِكَ وَتَقْوَاهُ، وَمِنْ إِعْظَامِهِ لَهُ الْأَجْرَ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلَهُ جَنَّتَهُ، فَيُخَلِّدَهُ فِيهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَسْكِنُوا مُطَلَّقَاتِ نِسَائِكُمْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي سَكَنْتُمْ ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] يَقُولُ: مِنْ سِعَتِكُمُ الَّتِي تَجِدُونَ؛ وَإِنَّمَا أَمَرَ الرِّجَالَ أَنْ يُعْطُوهُنَّ مَسْكَنًا يَسْكُنُهُ مِمَّا يَجِدُونَهُ، حَتَّى يَقْضِينَ عِدَدَهُنَّ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] يَقُولُ: مِنْ سِعَتِكُمْ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] قَالَ: مِنْ سِعَتِكُمْ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] قَالَ: مِنْ سِعَتِكُمْ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، قَوْلُهُ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] فَإِنْ لَمْ تَجِدْ إِلَّا نَاحِيَةَ بَيْتِكَ فَأَسْكِنْهَا فِيهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] قَالَ: الْمَرْأَةُ يُطَلِّقُهَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَهَا، وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] قَالَ: مِنْ مَقْدِرَتِكَ حَيْثُ تَقْدِرُ، فَإِنْ كُنْتَ لَا تَجِدُ شَيْئًا، وَكُنْتَ فِي مَسْكَنٍ لَيْسَ لَكَ، فَجَاءَ أَمْرٌ أَخْرَجَكَ مِنَ الْمَسْكَنِ، وَلَيْسَ لَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُ فِيهِ، وَلَيْسَ تَجِدُ فَذَاكَ، وَإِذَا كَانَ بِهِ قُوَّةٌ عَلَى الْكِرَاءِ فَذَاكَ وُجْدُهُ، لَا يُخْرِجُهَا مِنْ مَنْزِلِهَا، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ وَقَالَ
صَاحِبُ الْمَسْكَنِ: لَا أُنْزِلُ هَذِهِ فِي بَيْتِي فَلَا، وَإِذَا كَانَ يَجِدُ، كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَا تُضَارُّوهُنَّ فِي الْمَسْكَنِ الَّذِي تُسْكِنُونَهُنَّ فِيهِ، وَأَنْتُمْ تَجِدُونَ سَعَةً مِنَ الْمَنَازِلِ أَنْ تَطْلُبُوا التَّضْيِيقَ عَلَيْهِنَّ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] يَعْنِي: لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ فِي الْمَسْكَنِ مَعَ وُجُودِكُمُ السَّعَةَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ
التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] قَالَ: فِي الْمَسْكَنِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] قَالَ: مِنْ مُلْكِكُمْ، مِنْ مَقْدِرَتِكُمْ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] قَالَ: لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ مَسَاكِنَهُنَّ حَتَّى يَخْرُجْنَ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] قَالَ: لَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُضَارَّهَا وَيُضَيِّقَ عَلَيْهَا مَكَانَهَا ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] هَذَا لِمَنْ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، وَلِمَنْ لَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنْ كَانَ نِسَاؤُكُمُ الْمُطَلَّقَاتُ أُولَاتِ حَمْلٍ وَكُنَّ بَائِنَاتٍ مِنْكُمْ، فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ فِي عِدَّتِهِنَّ مِنْكُمْ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] فَهَذِهِ الْمَرْأَةُ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا، فَيَبُتُّ طَلَاقَهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَيَأْمُرُهُ اللَّهُ أَنْ يُسْكِنَهَا، وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا حَتَّى تَضَعَ، وَإِنْ أَرْضَعَتْ فَحَتَّى تَفْطِمَ، وَإِنْ أَبَانَ طَلَاقَهَا، وَلَيْسَ بِهَا حَبَلٌ، فَلَهَا السُّكْنَى حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَلَا نَفَقَةَ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ يَمُوتُ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ نَصِيبِ ذِي بَطْنِهَا إِذَا كَانَ مِيرَاثٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِيرَاثٌ أَنْفَقَ عَلَيْهَا الْوَارِثُ حَتَّى تَضَعَ وَتَفْطِمَ وَلَدَهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، فَإِنَّ نَفَقَتَهَا كَانَتْ مِنْ مَالِهَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] قَالَ: يُنْفِقُ عَلَى الْحُبْلَى إِذَا كَانَتْ حَامِلًا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] كُلُّ مُطْلَقَةٍ، مَلَكَ زَوْجُهَا رَجْعَتَهَا أَوْ لَمْ يَمْلِكْ.
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا