وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا عَلِمْنَا مُحَمَّدًا الشِّعْرَ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69] قَالَ: " قِيلَ لِعَائِشَةَ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَثَّلُ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّعْرِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَبْغَضَ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَمَثَّلُ بِبَيْتِ أَخِي بَنِي قَيْسٍ، فَيَجْعَلُ آخِرَهُ أَوَّلَهُ، وَأَوَّلَهُ آخِرَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّهُ لَيْسَ هَكَذَا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ: «إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا بِشَاعِرٍ، وَلَا يَنْبَغِي لِي»
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾ [يوسف: 104] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ هُوَ﴾ [الأنعام: 90] أَيْ مُحَمَّدٌ إِلَّا ذِكْرٌ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، ذَكَّرَكُمُ اللَّهُ بِإِرْسَالِهِ إِيَّاهُ إِلَيْكُمْ، وَنَبَّهَكُمْ بِهِ عَلَى حَظِّكُمْ ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: 1] يَقُولُ: وَهَذَا الَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ قُرْآنٌ مُبِينٌ، يَقُولُ: يَبِينُ لِمَنْ تَدَبُّرَهُ بِعَقْلٍ وَلُبٍّ، أَنَّهُ تَنْزِيلٌ
مِنَ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِشَعْرٍ وَلَا مَعَ كَاهِنٍ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: 1] قَالَ: «هَذَا الْقُرْآنُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: 70] يَقُولُ: إِنْ مُحَمَّدٌ إِلَّا ذِكْرٌ لَكُمْ لِيُنْذِرَ مِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَ حَيَّ الْقَلْبِ، يَعْقِلُ مَا يُقَالُ لَهُ، وَيَفْهَمُ مَا يُبَيِّنُ لَهُ، غَيْرُ مَيِّتِ الْفُؤَادِ بَلِيدٌ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: 70] قَالَ: «مَنْ كَانَ عَاقِلًا»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: 70] «حَيَّ الْقَلْبِ، حَيَّ الْبَصَرِ»
قَوْلُهُ: ﴿وَيَحِقُّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: 70] يَقُولُ: وَيَحِقُّ الْعَذَابُ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ، الْمُوَلِّينَ عَنِ اتِّبَاعِهِ، الْمُعْرِضِينَ عَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَيَحِقُّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: 70] «بِأَعْمَالِهِمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 72] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ [الرعد: 41] هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: 71] يَقُولُ: مِمَّا خَلَقْنَا مِنَ الْخَلْقِ
﴿أَنْعَامًا﴾ [الفرقان: 49] وَهِيَ الْمَوَاشِي الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ لِبَنِي آدَمَ، فَسَخَّرَهَا لَهُمْ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: 71] يَقُولُ: فَهُمْ لَهَا مُصْرِفُونَ كَيْفَ شَاءُوا بِالْقَهْرِ مِنْهُمْ لَهَا وَالضَّبْطِ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: 71] «أَيْ ضَابِطُونَ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: 71] فَقِيلَ لَهُ: " أَهِيَ الْإِبِلُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ " قَالَ: " وَالْبَقَرُ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَلَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ مِنَ الْأَنْعَامِ، وَقَرَأَ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: 143] قَالَ: وَالْبَقَرُ وَالْإِبِلُ هِيَ النَّعَمُ، وَلَيْسَتْ تَدْخُلُ الشَّاءُ فِي النَّعَمِ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ [يس: 72] يَقُولُ: وَذَلَّلْنَا لَهُمْ هَذِهِ الْأَنْعَامَ ﴿فَمِنْهَا رُكُوبُهُمْ﴾ [يس: 72] يَقُولُ: فَمِنْهَا مَا يَرْكَبُونَ كَالْإِبِلِ يُسَافِرُونَ عَلَيْهَا؛ يُقَالُ: هَذِهِ دَابَّةٌ رَكُوبٌ، وَالرُّكُوبُ بِالضَّمِّ: هُوَ الْفِعْلُ ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 72] لُحُومَهَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ [يس: 72] " يَرْكَبُونَهَا يُسَافِرُونَ عَلَيْهَا ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 72] لُحُومَهَا "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس: 74] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَنْعَامِ مَنَافِعُ، وَذَلِكَ مَنَافِعُ فِي أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا بِاتِّخَاذِهِمْ مِنْ ذَلِكَ أَثَاثًا وَمَتَاعًا، وَمِنْ جُلُودِهَا أَكْنَانًا، وَمَشَارِبَ يَشْرَبُونَ
أَلْبَانَهَا
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [يس: 73] «يَلْبَسُونَ أَصْوَافَهَا» ﴿وَمَشَارِبُ﴾ [يس: 73] «يَشْرَبُونَ أَلْبَانَهَا»
وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: 35] يَقُولُ: أَفَلَا يَشْكُرُونَ نِعْمَتِي هَذِهِ، وَإِحْسَانِي إِلَيْهِمْ بِطَاعَتِي، وَإِفْرَادِ الْأُلُوهِيَّةِ وَالْعِبَادَةِ، وَتَرْكِ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ
قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: 81] يَقُولُ: وَاتَّخَذَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس: 74] يَقُولُ: طَمَعًا أَنْ تَنْصُرَهُمْ تِلْكَ الْآلِهَةَ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس: 76] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا تَسْتَطِيعُ هَذِهِ الْآلِهَةُ نَصْرَهُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِهِمْ سُوءًا، وَلَا تَدْفَعُ عَنْهُمْ ضَرًّا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 75] يَقُولُ: وَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ لِآلِهَتِهِمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ وَاخْتَلَفَ أَهْلَ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: 16] وَأَيْنَ حُضُورُهُمْ إِيَّاهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِذَلِكَ: وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ عِنْدَ الْحِسَابِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 75] قَالَ: «عِنْدَ الْحِسَابِ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ فِي الدُّنْيَا يَغْضَبُونَ لَهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ [يس: 75] «الْآلِهَةُ» ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 75] «وَالْمُشْرِكُونَ يَغْضَبُونَ لِلْآلِهَةِ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ لَا تَسُوقُ إِلَيْهِمْ خَيْرًا، وَلَا تَدْفَعُ عَنْهُمْ سُوءًا، إِنَّمَا هِيَ أَصْنَامُ» وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الْحِسَابِ تَتَبَرَّأُ مِنْهُمُ الْأَصْنَامُ، وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُونَ لَهَا جُنْدًا حِينَئِذٍ، وَلَكِنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا لَهُمْ جُنْدٌ يَغْضَبُونَ لَهُمْ، وَيُقَاتِلُونَ دُونَهُمْ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: 76] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَا يَحْزُنْكَ يَا مُحَمَّدُ قَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ لَكَ: إِنَّكَ شَاعِرٌ، وَمَا جِئْتَنَا بِهِ شِعْرٌ، وَلَا تَكْذِيبُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَجُحُودُهُمْ نُبُوَّتَكَ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس: 76] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الَّذِيَ يَدْعُوهُمْ إِلَى قِيلِ ذَلِكَ الْحَسَدُ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِيَ جِئْتَهُمْ بِهِ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وَلَا يُشْبِهُ الشِّعْرَ، وَأَنَّكَ لَسْتَ بِكَذَّابٍ، فَنَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَةِ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، وَمَا يُعْلِنُونَ مِنْ جُحُودِهِمْ ذَلِكَ
بِأَلْسِنَتِهِمْ عَلَانِيَةً
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: 78] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ﴾ [يس: 77] وَاخْتُلِفَ فِي الْإِنْسَانِ الَّذِي عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ [يس: 77] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78] قَالَ: «أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَظْمٍ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ [يس: 78] «أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78] ذَكَرَ لَنَا أَنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَظْمٍ حَائِلٍ، فَفَتَّهُ، ثُمَّ ذَرَّاهُ فِي الرِّيحِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ يُحْيِي هَذَا وَهُوَ رَمِيمٌ؟ قَالَ: «اللَّهُ يُحْيِيهِ، ثُمَّ يُمِيتُهُ، ثُمَّ يُدْخِلُكَ النَّارَ» ؛ قَالَ: فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِهِ: الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: جَاءَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَظْمٍ حَائِلٍ، فَفَتَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَيَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا حَيًّا بَعْدَمَا أَرَمَّ؟ قَالَ: «نَعَمْ يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا، ثُمَّ يُمِيتُكَ ثُمَّ يُحْيِيكَ، ثُمَّ يُدْخِلُكَ نَارَ جَهَنَّمَ» قَالَ: وَنَزَلَتِ الْآيَاتُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: 77] . . . إِلَى آخِرِ الْآيَةِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِهِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ، مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس: 77] . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78] قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَظْمٍ حَائِلٍ فَكَسَرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا وَهُوَ رَمِيمٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا، وَيُمِيتُكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ» ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٍ﴾ [يس: 79]
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: أَوَلَمْ يَرَ هَذَا الْإِنْسَانُ الَّذِي يَقُولُ: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78] أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَسَوَّيْنَاهُ خَلْقًا سَوِيًّا ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ [يس: 77] يَقُولُ: فَإِذَا هُوَ ذُو خُصُومَةٍ لِرَبِّهِ، يُخَاصِمُهُ فِيمَا قَالَ لَهُ رَبُّهُ إِنِّي فَاعِلٌ، وَذَلِكَ إِخْبَارٌ لِلَّهِ إِيَّاهُ أَنَّهُ مُحْيِي خَلْقِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ، فَيَقُولُ: مَنْ يُحْيِي هَذِهِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ إِنْكَارًا مِنْهُ لِقِدْرَةِ اللَّهِ عَلَى إِحْيَائِهَا