وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: 36] يَقُولُ: وَلَكُمْ يَا آدَمُ وَحَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ، فِي الْأَرْضِ قَرَارٌ تَسْتَقِرُّونَهُ وَفِرَاشٌ تَمْتَهِدُونَهُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ، يَعْنِي بِأَصْحَابِ الْأَعْرَافِ بِزُمْرَةٍ يُذْهَبُ بِهَا إِلَى النَّارِ ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 47]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " إِنَّ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ إِذَا نَظَرُوا إِلَى أَهْلِ النَّارِ وَعَرَفُوهُمْ قَالُوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 47]
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَبِي مَكِينٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف: 47] ، قَالَ: «تَحَرَّدَ وُجُوهُهُمْ لِلنَّارِ، فَإِذَا رَأَوْا أَهْلَ الْجَنَّةِ ذَهَبَ ذَلِكَ عَنْهُمْ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف: 47] " فَرَأَوْا وُجُوهَهُمْ مُسْوَدَّةً وَأَعْيُنَهُمْ مُزْرَقَّةً، ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 47]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: 48]
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ [الأعراف: 48] مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: 48] سِيمَا أَهْلِ النَّارِ، ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ [الأعراف: 48] : مَا كُنْتُمْ تَجْمَعُونَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْعَدَدِ فِي الدُّنْيَا، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: 48] يَقُولُ: وَتَكَبُّرُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تَتَكَبَّرُونَ فِيهَا
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " فَمَرَّ بِهِمْ يَعْنِي بِأَصْحَابِ الْأَعْرَافِ نَاسٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ عَرَفُوهُمْ بِسِيمَاهُمْ، قَالَ: يَقُولُ: قَالَ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: 48]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ [الأعراف: 48] ، قَالَ: " فِي النَّارِ، ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ [الأعراف: 48] وَتَكَبُّرُكُمْ، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: 48]
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: 48] ، قَالَ: «هَذَا حِينَ دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ» ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: 49] الْآيَةَ قُلْتُ لِأَبِي مِجْلَزٍ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؟ قَالَ:
لَا، بَلْ عَنْ غَيْرِهِ
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: 48] ، قَالَ: " نَادَتِ الْمَلَائِكَةُ رِجَالًا فِي النَّارِ يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ.
أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: 49] قَالَ: هَذَا حِينَ دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 49]
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: 48] : " فَالرِّجَالُ عُظَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَبِهَذِهِ الصِّفَةِ عَرَفَ أَهْلُ الْأَعْرَافِ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.
وَإِنَّمَا ذُكِرَ هَذَا حِينَ يَذْهَبُ رَئِيسُ أَهْلِ الْخَيْرِ وَرَئِيسُ أَهْلِ الشَّرِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قَالَ: وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: 48] ، قَالَ: «عَلَى أَهْلِ طَاعَةِ اللَّهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 49] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّينَ بِهَذَا الْكَلَامِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا قِيلُ اللَّهِ لِأَهْلِ النَّارِ تَوْبِيخًا لَهُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْ قِيلِهِمْ فِي الدُّنْيَا لِأَهْلِ الْأَعْرَافِ عِنْدَ
إِدْخَالِهِ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ الْجَنَّةَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالٌ كَانَتْ لَهُمْ ذُنُوبٌ عِظَامٌ، وَكَانَ حَسْمُ أَمْرِهِمْ لِلَّهِ، يَقُومُونَ عَلَى الْأَعْرَافِ، فَإِذَا نَظَرُوا إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ طَمَعُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَإِذَا نَظَرُوا إِلَى أَهْلِ النَّارِ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْهَا، فَأُدْخِلُوا الْجَنَّةَ.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: 49] يَعْنِي أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 49]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " إِنَّ اللَّهَ أَدْخَلَ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ الْجَنَّةَ لِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 49]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ اللَّهُ لِأَهْلِ التَّكَبُّرِ وَالْأَمْوَالِ: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: 49] ، يَعْنِي أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 49]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ [المائدة: 53] الضُّعَفَاءُ ﴿الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 49] ، قَالَ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ: " أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ قَوْمٌ تَكَافَأَتْ أَعْمَالُهُمْ فَقَصُرَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ، وَقَصُرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ النَّارِ، فَجَعَلُوا عَلَى الْأَعْرَافِ يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِسِيمَاهُمْ.
فَلَمَّا قُضِيَ بَيْنَ الْعِبَادِ، أُذِنَ لَهُمْ فِي طَلَبِ الشَّفَاعَةِ، فَأَتَوْا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالُوا: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُونَا فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ، فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَحَدًا خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَسَبَقَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ إِلَيْهِ غَضَبَهُ وَسَجَدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ غَيْرِي؟ فَيَقُولُونَ لَا.
قَالَ: فَيَقُولُ: مَا عَلِمْتُ كُنْهَ مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْفَعَ لَكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا ابْنِي إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَسْأَلُونَهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَحَدٍ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا؟ هَلْ تَعْلَمُونَ أَحَدًا أَحْرَقَهُ قَوْمُهُ فِي النَّارِ فِي اللَّهِ غَيْرِي؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيَقُولُ: مَا عَلِمْتُ كُنْهَ مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْفَعَ لَكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا ابْنِي مُوسَى، فَيَأْتُونَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَحَدٍ كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا غَيْرِي؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيَقُولُ: مَا عَلِمْتُ كُنْهَ مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْفَعَ لَكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ، فَيَقُولُ: هَلْ
تَعْلَمُونَ أَحَدًا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ غَيْرِي؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَحَدٍ كَانَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ غَيْرِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَنَا حَجِيجُ نَفْسِي، مَا عَلِمْتُ كُنْهَ مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْفَعَ لَكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَيَأْتُونِي، فَأَضْرِبُ بِيَدِي عَلَى صَدْرِي ثُمَّ أَقُولُ: أَنَا لَهَا.
ثُمَّ أَمْشِي حَتَّى أَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي، فَيَفْتَحُ لِي مِنَ الثَّنَاءِ مَا لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ بِمِثْلِهِ قَطُّ، ثُمَّ أَسْجُدُ فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ.
فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي، فَيُقَالُ: هُمْ لَكَ.
فَلَا يَبْقَى نَبِيُّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ إِلَّا غَبَطَنِي يَوْمَئِذٍ بِذَلِكَ الْمَقَامِ، وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ ". قَالَ: «فَآتِي بِهِمْ بَابَ الْجَنَّةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيُفْتَحُ لِي وَلَهُمْ، فَيُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى نَهَرٍ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ، حَافَّتَاهُ قُضُبٌ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِاللُّؤْلُؤِ، تُرَابُهُ الْمِسْكُ، وَحَصْبَاؤُهُ الْيَاقُوتُ، فَيَغْتَسِلُونَ مِنْهُ، فَتَعُودُ إِلَيْهِمْ أَلْوَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَرِيحُهُمْ، وَيَصِيرُونَ كَأَنَّهُمُ الْكَوَاكِبُ الدُّرِّيَّةُ، وَيَبْقَى فِي صَدْرِهِمْ شَامَاتٌ بِيضٌ يُعْرَفُونَ بِهَا، يُقَالُ لَهُمْ مَسَاكِينُ أَهْلِ الْجَنَّةِ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ أَدْخَلَهُمْ بَعْدَ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 49] ، يَعْنِي أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِيهِ: قَالَ اللَّهُ لِأَهْلِ التَّكَبُّرِ عَنِ الْإِقْرَارِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَالْإِذْعَانِ لِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ الْجَامِعِينَ فِي الدُّنْيَا الْأَمْوَالَ مُكَاثَرَةً وَرِيَاءً: أَيُّهَا الْجَبَابِرَةُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا، أَهَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءُ الَّذِينَ كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ؟ قَالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ وَرَحَمْتُهُمْ بِفَضْلِي وَرَحْمَتِي، ادْخُلُوا يَا أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ الْجَنَّةَ، لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ بَعْدَهَا مِنْ عُقُوبَةٍ تُعَاقَبُونَ بِهَا عَلَى مَا سَلَفَ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْآثَامِ وَالْإِجْرَامِ، وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ عَلَى شَيْءٍ فَاتَكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: بَلْ هَذَا الْقَوْلُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ قِيلِ الْمَلَائِكَةِ لِأَهْلِ النَّارِ بَعْدَمَا دَخَلُوا النَّارَ تَعْيِيرًا مِنْهُمْ لَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الدُّنْيَا لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَنَّتَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 49] ، فَخَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ أَمْرِهِ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِدُخُولِهَا
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ: "
نَادَتِ الْمَلَائِكَةُ رِجَالًا فِي النَّارِ يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ: مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ، أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ؟ قَالَ: فَهَذَا حِينَ يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 50] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ اسْتِغَاثَةِ أَهْلِ النَّارِ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ عِنْدَ نُزُولِ عَظِيمِ الْبَلَاءِ بِهِمْ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ وَالْجُوعِ، عُقُوبَةً مِنَ
اللَّهِ لَهُمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ تَرْكِ طَاعَةِ اللَّهِ وَأَدَاءِ مَا كَانَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا فِي أَمْوَالِهِمْ مِنْ حُقُوقِ الْمَسَاكِينِ مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ بَعْدَمَا دَخَلُوهَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ بَعْدَمَا سَكَنُوهَا أَنْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 50] : أَيْ أَطْعِمُونَا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّعَامِ
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿أَنْ أَفِيضُوا، عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 50] ، قَالَ: «مِنَ الطَّعَامِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ أَفِيضُوا، عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 50] ، قَالَ: " يَسْتَطْعِمُونَهُمْ وَيَسْتَسْقُونَهُمْ.
فَأَجَابَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمَاءَ وَالطَّعَامَ عَلَى الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَهُ وَكَذَّبُوا فِي الدُّنْيَا رُسُلَهُ " وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا﴾ [الأعراف: 50] عَائِدَتَانِ عَلَى الْمَاءِ، وَعَلَى (مَا) الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 50] . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُثْمَانَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 50] ، قَالَ: " يُنَادِي الرَّجُلُ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ، فَيَقُولُ: قَدِ احْتَرَقْتُ، أَفِضْ عَلَيَّ مِنَ الْمَاءِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَجِيبُوهُمْ، فَيَقُولُونَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 50]
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا ابْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عُثْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 50] ، قَالَ: " يُنَادِي الرَّجُلُ أَخَاهُ: يَا أَخِي، قَدِ احْتَرَقْتُ فَأَغِثْنِي، فَيَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 50]
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 50] ، قَالَ: «طَعَامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَشَرَابُهَا»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: 51] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ قِيلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِلْكَافِرِينَ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَجَابَ أَهْلُ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 50] الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: 70] الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ﴿لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [الأعراف: 51] ، يَقُولُ: سُخْرِيَةً وَلَعِبًا وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [الأعراف: 51] الْآيَةَ.
قَالَ: «وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا دُعُوا إِلَى الْإِيمَانِ سَخِرُوا مِمَّنْ دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَهَزَءُوا بِهِ اغْتِرَارًا بِاللَّهِ» ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: 51] يَقُولُ: وَخَدَعَهُمْ عَاجِلُ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ وَالْخَفْضِ وَالدَّعَةِ عَنِ الْأَخْذِ بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ حَتَّى أَتَتْهُمُ الْمَنِيَّةُ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: 51] : أَيْ فَفِي هَذَا الْيَوْمِ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، نَنْسَاهُمْ، يَقُولُ: نَتْرُكُهُمْ فِي الْعَذَابِ
الْمُبِينِ جِيَاعًا عِطَاشًا بِغَيْرِ طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ، كَمَا تَرَكُوا الْعَمَلَ لِلِقَاءِ يَوْمِهِمْ هَذَا وَرَفَضُوا الِاسْتِعْدَادِ لَهُ بِإِتْعَابِ أَبْدَانِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: 51] بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: 51] ، قَالَ: «نُسُوا فِي الْعَذَابِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: 51] ، قَالَ: «نَتْرُكُهُمْ كَمَا تَرَكُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿نَنْسَاهُمْ﴾ [الأعراف: 51] قَالَ: «نَتْرُكُهُمْ فِي النَّارِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: 51] ، قَالَ: «نَتْرُكُهُمْ مِنَ الرَّحْمَةِ كَمَا تَرَكُوا أَنْ يَعْمَلُوا لِلِقَاءِ يَوْمِهِمْ هَذَا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: 51] الْآيَةَ: يَقُولُ: «نَسِيَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَلَمْ يَنْسَهُمْ مِنَ الشَّرِّ»
حَدَّثَنِي الْحَرْثُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: 51] قَالَ: «نُؤَخِّرُهُمْ فِي النَّارِ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: 51] ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: الْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا، وَكَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ.
فَـ (مَا) الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانُوا﴾ [البقرة: 16] مَعْطُوفَةٌ عَلَى (مَا) الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَا نَسُوا﴾ [الأعراف: 51] . وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: فَالْيَوْمَ نَتْرُكُهُمْ فِي الْعَذَابِ، كَمَا تَرَكُوا الْعَمَلَ
فِي الدُّنْيَا لِلِقَاءِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَمَا كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، وَهِيَ حُجَجُهُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
يَجْحَدُونَ: يُكَذِّبُونَ وَلَا يُصَدِّقُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ