تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 188-198

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلْتَتَصَرَّفُوا فِي طَلَبِ مَعَايشِكُمْ بِالتِّجَارَةِ سَخَّرَ لَكُمْ كَمَا:

صفحات 188-198
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: 14] قَالَ: «تِجَارَةُ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185] يَقُولُ: وَلِتَشْكُرُوا رَبَّكُمْ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ ذَلِكَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا سَخَّرَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي عَدَّدَهَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَيْضًا، أَنْ أَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ، وَهِيَ جَمْعُ رَاسِيَةٍ، وَهِيَ الثَّوَابِتُ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِبَالِ وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] يَعْنِي: أَنْ لَا تَمِيدَ بِكُمْ،

وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176] وَالْمَعْنَى: أَنْ لَا تَضِلُّوا وَذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَرْسَى الْأَرْضَ بِالْجِبَالِ لِئَلَّا يَمِيدَ خَلْقُهُ الَّذِي عَلَى ظَهْرِهَا، بَلْ وَقَدْ كَانَتْ مَائِدَةً قَبْلَ أَنْ تُرْسَى بِهَا، كَمَا:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ: " أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَا هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدًا فَأَصْبَحَتْ صُبْحًا وَفِيهَا رَوَاسِيهَا "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَمَصَتْ، وَقَالَتْ: أَيْ رَبِّ أَتَجْعَلُ عَلَيَّ بَنِي آدَمَ يَعْمَلُونَ عَلَيَّ الْخَطَايَا، وَيَجْعَلُونَ

عَلَيَّ الْخَبَثَ؟ قَالَ: فَأَرْسَى اللَّهُ عَلَيْهَا مِنَ الْجِبَالِ مَا تَرَوْنَ وَمَا لَا تَرَوْنَ، فَكَانَ قَرَارُهَا كَاللَّحْمِ يَتَرَجَرَجُ ". وَالْمَيْدُ: هُوَ الِاضْطِرَابُ وَالتَّكَفُّؤُ، يُقَالُ: مَادَتِ السَّفِينَةُ تَمِيدُ مَيْدًا: إِذَا تَكَفَّأَتْ بِأَهْلِهَا وَمَالَتْ، وَمِنْهُ الْمَيْدُ الَّذِي يَعْتَرِي رَاكِبَ الْبَحْرِ، وَهُوَ الدُّوَارُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] أَنْ تَكَفَّأَ بِكُمْ ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] قَالَ: «الْجِبَالُ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ»

قَالَ قَتَادَةُ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: " لَمَّا خُلِقَتِ الْأَرْضُ كَادَتْ تَمِيدُ، فَقَالُوا: مَا هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدًا فَأَصْبَحُوا وَقَدْ خُلِقَتِ الْجِبَالُ، فَلَمْ تَدْرِ الْمَلَائِكَةُ مِمَّ خُلِقَتِ الْجِبَالُ "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْهَارًا﴾ [الرعد: 3] يَقُولُ: وَجَعَلَ فِيهَا أَنْهَارًا، فَعَطَفَ بِالْأَنْهَارِ عَلَى الرَّوَاسِي، وَأَعْمَلَ فِيهَا مَا أَعْمَلَ فِي الرَّوَاسِي، إِذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَى الْكَلَامِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الرَّاجِزِ: [البحر الرجز] تَسْمَعُ فِي أَجْوَافِهِنَّ صَوْرَا ... وَفِي الْيَدَيْنِ حَشَّةً وَبَوْرَا وَالْحَشَّةُ: الْيُبْسُ، فَعَطَفَ بِالْحَشَّةِ عَلَى الصَّوْتِ، وَالْحَشَّةُ لَا تُسْمَعُ، إِذْ كَانَ مَفْهُومًا الْمُرَادُ مِنْهُ وَأَنَّ مَعْنَاهُ وَتَرَى فِي الْيَدَيْنِ حَشَّةً

وَقَوْلُهُ: ﴿وَسُبُلًا﴾ [النحل: 15] وَهِيَ جَمْعُ سَبِيلٍ، كَمَا الطُّرُقُ جَمْعُ طَرِيقٍ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَجَعَلَ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ فِي الْأَرْضِ سُبُلًا وَفِجَاجًا تَسْلُكُونَهَا وَتَسِيرُونَ فِيهَا فِي حَوَائِجِكُمْ وَطَلَبِ مَعَايِشِكُمْ رَحْمَةً بِكُمْ، وَنِعْمَةً مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ عَمَّاهَا عَلَيْكُمْ لَهَلَكْتُمْ ضَلَالًا وَحِيرَةً.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ

التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿سُبُلًا﴾ [طه: 53] أَيْ طُرُقًا "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿سُبُلًا﴾ [طه: 53] قَالَ: «طُرُقًا»

وَقَوْلُهُ ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 53] يَقُولُ: لِكَيْ تَهْتَدُوا بِهَذِهِ السُّبُلِ الَّتِي جَعَلَهَا

لَكُمْ فِي الْأَرْضِ إِلَى الْأَمَاكِنِ الَّتِي تَقْصِدُونَ، وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي تُرِيدُونَ، فَلَا تَضِلُّوا وَتَتَحَيَّرُوا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَامَاتٍ، وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِالْعَلَامَاتِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا مَعَالِمُ الطُّرُقِ بِالنَّهَارِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَعَلَامَاتٍ، وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] " يَعْنِي بِالْعَلَامَاتِ: مَعَالِمَ الطُّرُقِ بِالنَّهَارِ، وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ بِاللَّيْلِ ". وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِهَا النُّجُومُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] قَالَ: «مِنْهَا مَا يَكُونُ عَلَامَاتٍ، وَمِنْهَا مَا يَهْتَدُونَ بِهِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] قَالَ: «مِنْهَا مَا يَكُونُ عَلَامَةً، وَمِنْهَا مَا يُهْتَدَى بِهِ» .

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: ثنا قَبِيصَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، مِثْلَهُ.
قَالَ الْمُثَنَّى: قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، خَالَفَ قَبِيصَةُ وَكِيعًا فِي الْإِسْنَادِ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] " وَالْعَلَامَاتُ: النُّجُومُ، وَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثِ خَصْلَاتٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءٍ، وَجَعَلَهَا يَهْتَدِي بِهَا، وَجَعَلَهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، فَمَنْ تَعَاطَى فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ، فَقَدَ رَأْيَهُ، وَأَخْطَأَ حَظَّهُ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ [النحل: 16] قَالَ: «النُّجُومُ» . وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِهَا الْجِبَالُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ [النحل: 16] قَالَ: «الْجِبَالُ» .

وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَدَّدَ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ نِعَمِهِ، إِنْعَامَهُ عَلَيْهِمْ بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ الْعَلَامَاتِ الَّتِي يَهْتَدُونَ بِهَا فِي مَسَالِكِهِمْ وَطُرُقِهِمُ الَّتِي يَسِيرُونَهَا، وَلَمْ يُخَصِّصْ بِذَلِكَ بَعْضَ الْعَلَامَاتِ دُونَ بَعْضٍ، فَكُلُّ عَلَامَةٍ اسْتَدَلَّ بِهَا النَّاسُ عَلَى طُرُقِهِمْ وَفِجَاجِ سُبُلِهِمْ فَدَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ [النحل: 16] وَالطَّرْقُ الْمَسْبُولَةِ: الْمَوْطُوءَةِ، عَلَامَةٌ لِلنَّاحِيَةِ الْمَقْصُودَةِ، وَالْجِبَالُ عَلَامَاتٍ يَهْتَدِي بِهِنَّ إِلَى قَصْدِ السَّبِيلِ، وَكَذَلِكَ النُّجُومُ بِاللَّيْلِ غَيْرَ أَنَّ الَّذِيَ هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ أَنْ تَكُونَ الْعَلَامَاتُ مِنْ أَدِلَّةِ النَّهَارِ، إِذْ كَانَ اللَّهُ قَدْ فَصَلَ مِنْهَا أَدِلَّةَ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ أَشْبَهُ وَأَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّ الْعَلَامَاتِ مَعَالِمُ الطُّرُقِ وَأَمَارَاتُهَا الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا إِلَى الْمُسْتَقِيمِ مِنْهَا نَهَارًا، وَأَنْ يَكُونَ النَّجْمُ الَّذِي يُهْتَدَى بِهِ لَيْلًا هُوَ الْجَدْيُ وَالْفَرْقَدَانِ، لِأَنَّ بِهَا اهْتَدَاءَ السَّفَرِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ النُّجُومِ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: وَجَعَلَ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ عَلَامَاتٍ تَسْتَدِلُّونَ بِهَا نَهَارًا عَلَى طُرُقِكُمْ فِي أَسْفَارِكُمْ، وَنُجُومًا تَهْتَدُونَ بِهَا لَيْلًا فِي سُبُلِكُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ، أَفَلَا تَذَكَّرُونَ.
وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ: أَفَمَنْ يَخْلُقُ هَذِهِ الْخَلَائِقَ الْعَجِيبَةَ الَّتِي عَدَدْنَاهَا عَلَيْكُمْ وَيُنْعِمَ عَلَيْكُمْ هَذِهِ النِّعَمَ الْعَظِيمَةَ، كَمَنْ لَا يَخْلُقُ شَيْئًا

وَلَا يُنْعِمُ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً؟ يَقُولُ: أَتُشْرِكُونَ هَذَا فِي عِبَادَةِ هَذَا؟ يُعَرِّفُهُمْ بِذَلِكَ عِظَمِ جَهْلِهِمْ، وَسُوءِ نَظَرِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ، وَقِلَّةِ شُكْرِهِمْ لِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَهَا عَلَيْهِمُ، الَّتِي لَا يُحْصِيهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ، قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُوَبِّخُهُمْ

: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: 3] أَيُّهَا النَّاسُ، يَقُولُ: أَفَلَا تَذْكُرُونَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وَعَظِيمَ سُلْطَانِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى مَا شَاءَ، وَعَجْزِ أَوْثَانِكُمْ، وَضَعْفِهَا، وَمَهَانَتِهَا، وَأَنَّهَا لَا تَجْلِبُ إِلَى نَفْسِهَا نَفْعًا، وَلَا تَدْفَعُ عَنْهَا ضَرًّا، فَتَعْرِفُوا بِذَلِكَ خَطَأَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ عِبَادَتِكُمُوهَا، وَإِقْرَارِكُمْ لَهَا بِالْأُلُوهَةِ؟ كَمَا:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 17] وَاللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ، وَهَذِهِ الْأَوْثَانُ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تُخْلَقُ وَلَا تَخْلُقُ شَيْئًا، وَلَا تَمْلِكُ لِأَهْلِهَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، قَالَ اللَّهُ: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 17] " وَقِيلَ: ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: 17] هُوَ الْوَثَنُ وَالصَّنَمُ، وَ «مَنْ» لِذَوِي التَّمْيِيزِ خَاصَّةً، فَجَعَلَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِغَيْرِهِمْ لِلتَّمْيِيزِ، إِذْ وَقَعَ تَفْصِيلًا بَيْنَ مَنْ يَخْلُقُ وَمَنْ لَا يَخْلُقُ، وَمَحْكِيٌّ عَنِ الْعَرَبِ: اشْتَبَهَ عَلَيَّ الرَّاكِبُ وَجَمَلُهُ، فَمَا أَدْرِي مَنْ ذَا وَمَنْ ذَا، حَيْثُ جُمِعَا، وَأَحَدُهُمَا إِنْسَانٌ حَسُنَتْ «مَنْ» فِيهِمَا جَمِيعًا، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: 45]

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18] لَا تُطِيقُوا أَدَاءَ شُكْرِهَا.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: 18] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ لِمَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ تَقْصِيرٍ فِي شُكْرِ بَعْضِ ذَلِكَ إِذَا تُبْتُمْ وَأَنَبْتُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ،

رَحِيمٌ بِكُمْ أَنْ يُعَذِّبَكُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِنَابَةِ إِلَيْهِ وَالتَّوْبَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ.
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: 20] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ الَّذِي هُوَ إِلَهُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ ضَمَائِرِكُمْ، فَتُخْفُونَهُ عَنْ غَيْرِكُمْ، فَمَا تُبْدُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَجَوَارِحِكُمْ، وَمَا

تُعْلِنُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَجَوَارِحِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ، وَهُوَ مَحْضُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَيْكُمْ، حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمُحْسِنُ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءُ مِنْكُمْ بِإِسَاءَتِهِ، وَمُسَائِلِكُمْ عَمَّا كَانَ مِنْكُمْ مِنَ الشُّكْرِ فِي الدُّنْيَا عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ، فَمَا الَّتِي أَحْصَيْتُمْ وَالَّتِي لَمْ تُحْصُوا

وَقَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَوْثَانُكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَيُّهَا النَّاسُ آلِهَةٌ لَا تَخْلُقُ شَيْئًا وَهِيَ تُخْلَقُ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا مَا كَانَ مَصْنُوعًا مُدَبَّرًا لَا تَمْلِكُ لِأَنْفُسِهَا نَفْعًا وَلَا ضَرًّا؟

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: 21] وَجَعَلَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ

أَمْوَاتًا غَيْرَ أَحْيَاءٍ، إِذْ كَانَتْ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا، كَمَا:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: 21] «وَهِيَ هَذِهِ الْأَوْثَانُ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ لَا أَرْوَاحَ فِيهَا، وَلَا تَمْلِكُ لِأَهْلِهَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا» . وَفِي رَفْعِ الْأَمْوَاتِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِلَّذِينَ، وَالْآخَرُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 9] يَقُولُ: وَمَا تَدْرِي أَصْنَامُكُمُ الَّتِي تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَتَى تُبْعَثُ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ الْكُفَّارَ، أَنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ مَتَى يُبْعَثُونَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ، وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَعْبُودُكُمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْكُمُ الْعِبَادَةَ وَإِفْرَادَ الطَّاعَةِ لَهُ دُونَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ مَعْبُودٌ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، فَأَفْرِدُوا لَهُ الطَّاعَةَ، وَأَخْلِصُوا

لَهُ الْعِبَادَةَ، وَلَا تَجْعَلُوا مَعَهُ شَرِيكًا سِوَاهُ ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ [النحل: 22] . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَالَّذِينَ لَا يُصَدِّقُونَ بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ وَلَا يُقِرُّونَ بِالْمَعَادِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْمَمَاتِ ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ [النحل: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مُسْتَنْكِرَةٌ لِمَا نَقُصُّ عَلَيْهِمْ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ وَجَمِيلِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَهُ، وَالْأُلُوهَةُ لَيْسَتْ لِشَيْءٍ غَيْرِهِ، يَقُولُ: وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ عَنْ إِفْرَادِ اللَّهِ بِالْأُلُوهَةِ، وَالْإِقْرَارِ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، اتِّبَاعًا مِنْهُمْ لِمَا مَضَى عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ أَسْلَافُهُمْ، كَمَا:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ [النحل: 22] لِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي مَضَى، وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ عَنْهُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ.
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: 23] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: لَا جَرَمَ حَقًّا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ إِنْكَارِهِمْ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَنْبَاءِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَاعْتِقَادِهِمْ نَكِيرَ قَوْلِنَا لَهُمْ: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾

[النحل: 22] ، وَاسْتِكْبَارُهُمْ عَلَى اللَّهِ، وَمَا يُعْلِنُونَ مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَفِرْيَتِهِمْ عَلَيْهِ ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: 23] يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ، وَيَخْلَعُوا مَا دُونَهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ، كَمَا:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: ثنا مِسْعَرٌ، عَنْ رَجُلٍ: أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ يَجْلِسُ إِلَى الْمَسَاكِينِ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: 23] "

جارٍ التحميل