تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 338-342

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: 78] قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُدْخَلُونَ النَّارَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

صفحات 338-342
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

أَشَدَّ عَلَى صُرُوفِ الدَّهْرِ آدًا ... وَأَكْبَرَ مِنْهُمُ فِئَةً بِصَبْرِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ، لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا، وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: 82] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ مِنَ الدُّنْيَا وَغِنَاهُ وَكَثْرَةَ مَالِهِ وَمَا بُسِطَ

لَهُ مِنْهَا بِالْأَمْسِ، يَعْنِي قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ مَا نَزَلَ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ، يَقُولُونَ: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ.
. اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ [القصص: 82] فَأَمَّا قَتَادَةُ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا مَا

حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ " ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ [القصص: 82] قَالَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ [القصص: 82] : أَوَلَا تَرَى أَنَّهُ "

وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْأَشْجَعِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: ثني مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ [القصص: 82] قَالَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُ ". وَالْقَوْلُ الْآخَرُ مَا:

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ

مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ [القصص: 82] قَالَ: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ [القصص: 82] : أَوَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ ". وَتَأَوَّلَ هَذَا التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَتَادَةَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتُشْهِدَ لِصِحَّةِ تَأْوِيلِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ، بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر الخفيف] سَالَتَانِي الطَّلَاقَ أَنْ رَأَتَانِي ... قَلَّ مَالِي، قَدْ جِئْتُمَانِي بِنُكْرِ وَيْكَأَنْ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْـ ... بَبْ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: «وَيْكَأَنَّ» فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: تَقْرِيرٌ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أَمَا تَرَى إِلَى صُنْعِ اللَّهِ وَإِحْسَانِهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ مَنْ سَمِعَ أَعْرَابِيَّةً تَقُولُ لِزَوْجِهَا: أَيْنَ ابْنُنَا؟ فَقَالَ: وَيْكَأَنَّهُ وَرَاءَ الْبَيْتِ.
مَعْنَاهُ: أَمَا تَرَيْنَهُ وَرَاءَ الْبَيْتِ قَالَ: وَقَدْ يَذْهَبُ بِهَا بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إِلَى أَنَّهَا كَلِمَتَانَ، يُرِيدُ: وَيْكَ أَنَّهُ، كَأَنَّهُ أَرَادَ: وَيْلَكَ، فَحَذَفَ اللَّامَ، فَتُجْعَلُ «أَنَّ» مَفْتُوحَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، كَأَنَّهُ قَالَ:

وَيْلَكَ اعْلَمْ أَنَّهُ وَرَاءَ الْبَيْتِ، فَأَضْمَرَ «اعْلَمْ» . قَالَ: وَلَمْ نَجِدِ الْعَرَبَ تُعْمِلُ الظَّنَّ مُضْمِرًا، وَلَا الْعِلْمَ وَأَشْبَاهَهُ فِي «أَنَّ» ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَبْطُلُ إِذَا كَانَ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ، أَوْ فِي آخِرِ الْكَلِمَةِ، فَلَمَّا أُضْمِرَ جَرَى مَجْرَى الْمُتَأَخِّرِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يَقُولَ: يَا هَذَا، أَنَّكَ قَائِمٌ، وَيَا هَذَا أَنْ قُمْتَ، يُرِيدُ: عَلِمْتُ، أَوْ أَعْلَمُ، أَوْ ظَنَنْتُ، أَوْ أَظُنُّ.
وَأَمَّا حَذْفُ اللَّامِ مِنْ قَوْلِكَ: وَيْلَكَ حَتَّى تَصِيرَ: وَيْكَ، فَقَدْ تَقُولُهُ الْعَرَبُ، لِكَثْرَتِهَا فِي الْكَلَامِ، قَالَ عَنْتَرَةُ: [البحر الكامل] وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأَبْرَأَ سُقْمَهَا ... قَوْلُ الْفَوَارِسِ وَيْكَ عَنْتَرُ أَقْدِمِ قَالَ: وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ [القصص: 82] : «وَيْ» مُنْفَصِلَةٌ مِنْ كَأَنَّ، كَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: وَيْ أَمَا تَرَى مَا بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَقَالَ: «وَيْ» ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، كَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ، وَهِيَ تَعَجَّبٌ، وَكَأَنَّ فِي مَعْنَى الظَّنِّ وَالْعِلْمِ، فَهَذَا وَجْهٌ يَسْتَقِيمُ.
قَالَ: وَلَمْ تَكْتُبْهَا الْعَرَبُ مُنْفَصِلَةً، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى هَذَا لَكَتَبُوهَا مُنْفَصِلَةً، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَثُرَ بِهَا الْكَلَامُ، فَوُصِلَتْ بِمَا لَيْسَتْ مِنْهُ.
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: إِنَّ «وَيْ» : تَنْبِيهٌ، وَكَأَنَّ حَرْفٌ آخَرُ غَيْرُهُ، بِمَعْنَى: لَعَلَّ الْأَمْرَ كَذَا، وَأَظُنُّ الْأَمْرَ كَذَا، لِأَنَّ كَأَنَّ بِمَنْزِلَةِ أَظُنُّ وَأَحْسَبُ وَأَعْلَمُ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ: الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ قَتَادَةَ، مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَلَمْ تَرَ، أَلَمْ تَعْلَمْ، لِلشَّاهِدِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِيهِ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ، وَالرِّوَايَةُ عَنِ الْعَرَبِ؛ وَأَنَّ ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ [القصص: 82] فِي خَطِّ الْمُصْحَفِ حَرْفٌ وَاحِدٌ.
وَمَتَى وُجِّهَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِ التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ قَتَادَةَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ حَرْفَيْنِ، وَذَلِكَ

أَنَّهُ إِنْ وُجِّهَ إِلَى قَوْلِ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى: وَيْلَكَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ، وَجَبَ أَنْ يُفْصَلَ «وَيْكَ» مِنْ «أَنَّ» ، وَذَلِكَ خِلَافُ خَطِّ جَمِيعِ الْمَصَاحِفِ، مَعَ فَسَادِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ، لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ وُجِّهَ إِلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: «وَيْ» بِمَعْنَى التَّنْبِيهِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْكَلَامَ بِكَأَنَّ، وَجَبَ أَنْ يُفْصَلَ «وَيْ» مِنْ «كَأَنَّ» ، وَذَلِكَ أَيْضًا خِلَافُ خُطُوطِ الْمَصَاحِفِ كُلِّهَا.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حَرْفًا وَاحِدًا، فَالصَّوَابُ مِنَ التَّأْوِيلِ: مَا قَالَهُ قَتَادَةُ، وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَ قَارُونَ وَمَوْضِعَهُ مِنَ الدُّنْيَا بِالْأَمْسِ، يَقُولُونَ لَمَّا عَايَنُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِهِ مِنْ نِقْمَتِهِ، أَلَمْ تَرَ يَا هَذَا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَيُوسِّعُ عَلَيْهِ، لَا لِفَضْلِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ، وَلَا لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، كَمَا كَانَ بَسَطَ مِنْ ذَلِكَ لِقَارُونَ، لَا لِفَضْلِهِ وَلَا لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ [القصص: 82] يَقُولُ: وَيُضَيَّقُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ ذَلِكَ، وَيُقْتِرُ عَلَيْهِ، لَا لِهَوَانِهِ، وَلَا لِسُخْطِهِ عَمَلَهُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [القصص: 82] يَقُولُ: لَوْلَا أَنْ تَفَضَّلَ عَلَيْنَا، فَصَرَفَ عَنَّا مَا كُنَّا نَتَمَنَّاهُ بِالْأَمْسِ ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ [القصص: 82] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ سِوَى شَيْبَةَ: (لَخُسِفَ بِنَا) بِضَمِّ الْخَاءِ، وَكَسْرِ السِّينِ , وَذُكِرَ عَنْ شَيْبَةَ وَالْحَسَنِ: ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ [القصص: 82] بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالسِّينِ،

بِمَعْنَى: لَخَسَفَ اللَّهُ بِنَا.

جارٍ التحميل