وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: 78] قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُدْخَلُونَ النَّارَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عُمَرَ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: 78] قَالَ: يُدْخَلُونَ النَّارَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ". وَقِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَسْأَلُ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: 78] كَقَوْلِهِ: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] زُرْقًا سُودَ الْوجُوهِ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا تَسْأَلُ عَنْهُمْ، قَدْ عَرَفَتْهُمْ ". وَقِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ الْمُجْرِمُونَ فِيمَ أُهْلِكُوا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، " ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: 78] قَالَ: عَنْ ذُنُوبِ الَّذِينَ مَضَوْا فِيمَ أُهْلِكُوا ".
فَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي قَوْلِهِ ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمْ﴾ [القصص: 78] عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لِمَنِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ [القصص: 78] . وَعَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ لِلْمُجْرِمِينَ، وَهِيَ بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْمُجْرِمِينَ أَوْلَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ غَيْرُ سَائِلٍ عَنْ ذُنُوبِ مُذْنِبٍ غَيْرَ مَنْ أَذْنَبَ، لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ.
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا مَعْنًى لِخُصُوصِ الْمُجْرِمِينَ، لَوْ كَانَتِ الْهَاءُ وَالْمِيمُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمْ﴾ [القصص: 78] لِمَنِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ [القصص: 78] مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي لِأَنَّهُ غَيْرُ مَسْئُولٍ عَنْ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، إِلَّا الَّذِينَ رَكِبُوهُ وَاكْتَسَبُوهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ، إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَخَرَجَ قَارُونُ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ، وَهِيَ فِيمَا ذُكِرَ ثِيَابُ الْأُرْجُوَانِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، " ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79] قَالَ: فِي الْقِرْمِزِ "
قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79] قَالَ: فِي ثِيَابٍ حُمْرٍ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ ثنا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79] قَالَ: عَلَى بَرَاذِينَ بِيضٍ، عَلَيْهَا سُرُوجُ الْأُرْجُوَانِ، عَلَيْهِمُ الْمُعَصْفَرَاتِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79] قَالَ: عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُعَصْفَرَانِ "
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ عَلَيْهَا الْأُرْجُوَانُ، وَثَلَاثُ مِائَةِ جَارِيَةٍ عَلَى الْبِغَالِ الشُّهُبِ، عَلَيْهِنَّ ثِيَابٌ حُمْرٌ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثني أَبِي وَيَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ، " ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79] قَالَ: فِي ثِيَابٍ حُمْرٍ وَصُفْرٍ "
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ " ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79] قَالَ: فِي ثِيَابٍ حُمْرٍ ". حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، مِثْلَهُ،
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا غُنْدَرٌ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَشِيَّةً، وَإِذَا هُوَ فِي ذِكْرِ قَارُونَ، قَالَ: وَإِذَا رَجُلٌ مِنْ جِيرَانِهِ عَلَيْهِ ثِيَابٌ مُعَصْفَرَةٌ، قَالَ: فَقَالَ مَالِكٌ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79] قَالَ: فِي ثِيَابٍ مِثْلَ ثِيَابِ هَذَا "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79] : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ خَرَجُوا عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ دَابَّةٍ، عَلَيْهِمْ وَعَلَى دَوَابِّهِمُ الْأُرْجُوَانُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79] قَالَ: خَرَجَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا، عَلَيْهِمُ الْمُعَصْفَرَاتُ "، فِيمَا كَانَ أَبِي يَذْكُرُ لَنَا
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: 79] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ قَوْمِ قَارُونَ: يَا لَيْتَنَا أُعْطِينَا مِثْلَ مَا أُعْطِيَ قَارُونُ مِنْ زِينَتِهَا , ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: 79] يَقُولُ: إِنَّ قَارُونَ لَذُو نَصِيبٍ مِنَ الدُّنْيَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ، ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: 80]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بِاللَّهِ، حِينَ رَأَوْا قَارُونَ خَارِجًا عَلَيْهِمْ فِي زِينَتِهِ، لِلَّذِينَ قَالُوا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ: وَيْلَكُمُ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ، فَثَوَابُ اللَّهِ وَجَزَاؤُهُ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ، وَعَمِلَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُ مِنْ صَالِحَاتِ الْأَعْمَالِ فِي الْآخِرَةِ، خَيْرٌ مِمَّا أُوتِيَ قَارُونُ مِنْ زِينَتِهِ وَمَالِهِ لِقَارُونَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: 80] يَقُولُ: وَلَا يُلَقَّاهَا: أَيْ وَلَا يُوَفَّقُ لِقِيلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص: 80] وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ كِنَايَةٌ عَنِ الْكَلِمَةَ.
وَقَالَ: ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: 80] يَعْنِي بِذَلِكَ: الَّذِينَ صَبَرُوا عَنْ طَلَبِ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَآثَرُوا مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ
جَزِيلِ ثَوَابِهِ عَلَى صَالِحَاتِ الْأَعْمَالِ عَلَى لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا، فَجَدُّوا فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَرَفَضُوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ، فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: 81] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَخَسَفْنَا بِقَارُونَ وَأَهْلِ دَارِهِ، وَقِيلَ: وَبِدَارِهِ، لِأَنَّهُ ذُكِرَ أَنَّ مُوسَى إِذْ أَمَرَ الْأَرْضَ أَنْ تَأْخُذَهُ أَمَرَهَا بِأَخْذِهِ، وَأَخْذِ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ جُلَسَائِهِ
فِي دَارِهِ، وَكَانُوا جَمَاعَةً جُلُوسًا مَعَهُ، وَهُمْ عَلَى مِثْلِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ مِنَ النِّفَاقِ وَالْمُؤَازَرَةِ عَلَى أَذَى مُوسَى.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ
بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتِ الزَّكَاةُ أَتَى قَارُونُ مُوسَى، فَصَالَحَهُ عَلَى كُلِّ أَلْفِ دِينَارٍ دِينَارًا، وَكُلِّ أَلْفِ شَيْءٍ شَيْئًا، أَوْ قَالَ: وَكُلِّ أَلْفِ شَاةٍ شَاةً، الطَّبَرِيُّ يَشُكُّ، قَالَ: ثُمَّ أَتَى بَيْتَهُ فَحَسَبَهُ فَوَجَدَهُ كَثِيرًا، فَجَمَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنَّ مُوسَى قَدْ أَمَرَكُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ فَأَطَعْتُمُوهُ، وَهُوَ الْآنَ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، فَقَالُوا: أَنْتَ كَبِيرُنَا وَأَنْتَ سَيِّدُنَا، فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ، فَقَالَ: آمُرُكُمْ أَنْ تَجِيئُوا بِفُلَانَةِ الْبَغِيِّ فَتَجْعَلُوا لَهَا جُعْلًا، فَتَقْذِفُهُ بِنَفْسِهَا، فَدَعَوْهَا فَجَعَلَ لَهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ تَقْذِفَهُ بِنَفْسِهَا، ثُمَّ أَتَى مُوسَى، فَقَالَ لِمُوسَى: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدِ اجْتَمَعُوا لِتَأْمُرَهُمْ وَلِتَنْهَاهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي بَرَاحٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ سَرَقَ قَطَعْنَا يَدَهُ، وَمَنِ افْتَرَى جَلَدْنَاهُ، وَمَنْ زَنَى وَلَيْسَ لَهُ امْرَأَةٌ جَلَدْنَاهُ مِائَةً، وَمَنْ زَنَى وَلَهُ امْرَأَةٌ جَلَدْنَاهُ حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ رَجَمْنَاهُ حَتَّى يَمُوتَ، وَالطَّبَرِيُّ يَشُكُّ، فَقَالَ لَهُ قَارُونُ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ؟ قَالَ: وَإِنْ كُنْتُ أَنَا , قَالَ: فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ فَجَرْتَ بِفُلَانَةَ.
قَالَ: ادْعُوهَا، فَإِنْ قَالَتْ فَهُوَ كَمَا قَالَتْ؛ فَلَمَّا جَاءَتْ قَالَ لَهَا مُوسَى: يَا فُلَانَةُ، قَالَتْ: يَا لَبَّيْكَ، قَالَ: أَنَا فَعَلْتُ بِكِ مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَتْ: لَا وَكَذَبُوا، وَلَكِنْ جَعَلُوا لِي جُعْلًا عَلَى أَنْ أَقْذِفَكَ بِنَفْسِي؛ فَوَثَبَ، فَسَجَدَ وَهُوَ بَيْنَهُمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: مُرِ الْأَرْضَ بِمَا شِئْتَ، قَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ , فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَقْدَامِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى رُكَبِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى حِقِيِّهِمْ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا مُوسَى , يَا مُوسَى،
وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ.
قَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا مُوسَى، يَقُولُ لَكَ عِبَادِي: يَا مُوسَى، يَا مُوسَى، فَلَا تَرْحَمُهُمْ؟ أَمَا لَوْ إِيَّايَ دَعَوْا، لَوَجَدُونِي قَرِيبًا مُجِيبًا؛ قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79] وَكَانَتْ زِينَتُهُ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى دَوَابٍّ شُقْرٍ عَلَيْهَا سُرُوجٌ حُمْرٌ، عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ مُصَبَّغَةٌ بِالْبَهْرَمَانِ.
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: 79] . . إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: 117] يَا مُحَمَّدُ ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83] "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عِيسَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ مُوسَى بِالزَّكَاةِ، قَالَ: رَمَوْهُ بِالزِّنَا، فَجَزَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى امْرَأَةٍ كَانَتْ قَدْ أَعْطَوْهَا حُكْمَهَا عَلَى أَنْ تَرْمِيَهُ بِنَفْسِهَا؛ فَلَمَّا جَاءَتْ عَظَّمَ عَلَيْهَا وَسَأَلَهَا بِالَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى إِلَّا صَدَقَتْ.
قَالَتْ: إِذْ قَدِ اسْتَحْلَفْتَنِي، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ بَرِيءٌ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَخَرَّ سَاجِدًا يَبْكِي، فَأَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: مَا يُبْكِيكَ؟ قَدْ سَلَّطْنَاكَ عَلَى الْأَرْضِ، فَمُرْهَا بِمَا شِئْتَ، فَقَالَ: خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَقَالُوا: يَا مُوسَى، يَا مُوسَى , فَقَالَ: خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَقَالُوا: يَا مُوسَى، يَا مُوسَى , فَخَسَفَتْهُمْ.
قَالَ: وَأَصَابَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ ذَلِكَ شِدَّةٌ وَجُوعٌ شَدِيدٌ، فَأَتَوْا مُوسَى، فَقَالُوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ؛ قَالَ: فَدَعَا لَهُمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا مُوسَى، أَتُكَلِّمُنِي فِي قَوْمٍ قَدْ
أَظْلَمَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَقَدْ دَعَوْكَ فَلَمْ تُجِبْهُمْ، أَمَا إِيَّايَ لَوْ دَعَوْا لَأَجَبْتُهُمْ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: 81] قَالَ: قِيلَ لِلْأَرْضِ خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَعْقَابِهِمْ؛ ثُمَّ قِيلَ لَهَا: خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى رُكَبِهِمْ؛ ثُمَّ قِيلَ لَهَا: خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَحْقَائِهِمْ؛ ثُمَّ قِيلَ لَهَا: خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ؛ ثُمَّ قِيلَ لَهَا: خُذِيهِمْ، فَخُسِفَ بِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: 81] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص: 76] قَالَ: كَانَ ابْنَ عَمِّهِ، وَكَانَ مُوسَى يَقْضِي فِي نَاحِيَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَارُونُ فِي نَاحِيَةٍ، قَالَ: فَدَعَا بَغِيَّةً كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَجَعَلَ لَهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ تَرْمِيَ مُوسَى بِنَفْسِهَا، فَتَرَكَتْهُ إِذَا كَانَ يَوْمٌ تَجْتَمِعُ فِيهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، أَتَاهُ قَارُونُ فَقَالَ: يَا مُوسَى مَا حَدُّ مَنْ سَرَقَ؟ قَالَ: أَنْ تَنْقَطِعَ يَدَهُ، قَالَ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ.
فَمَا حَدُّ مَنْ زَنَى؟ قَالَ: أَنْ يُرْجَمَ، قَالَ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: فَإِنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ، قَالَ: وَيْلَكَ بِمَنْ؟ قَالَ: بِفُلَانَةَ , فَدَعَاهَا مُوسَى، فَقَالَ: أَنْشُدُكِ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ، أَصَدَقَ قَارُونُ؟ قَالَتِ: اللَّهُمَّ إِذْ نَشَدْتَنِي، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ بَرِيءٌ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قَارُونَ جَعَلَ
لِي جُعْلًا عَلَى أَنْ أَرْمِيَكَ بِنَفْسِي؛ قَالَ: فَوَثَبَ مُوسَى، فَخَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ ارْفَعْ رَأْسَكَ، فَقَدْ أَمَرْتُ الْأَرْضَ أَنْ تُطِيعَكَ، فَقَالَ مُوسَى: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ حَتَّى بَلَغُوا الْحُقْوَ، قَالَ: يَا مُوسَى؛ قَالَ: خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ حَتَّى بَلَغُوا الصُّدُورَ، قَالَ: يَا مُوسَى، قَالَ: خُذِيهِمْ، قَالَ: فَذَهَبُوا.
قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ يَا مُوسَى: اسْتَغَاثَ بِكَ فَلَمْ تُغِثْهُ، أَمَا لَوِ اسْتَغَاثَ بِي لَأَجَبْتُهُ وَلَأَغَثْتُهُ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ مِنَ الدَّارِ، وَدَخَلَ الْمَقْصُورَةَ؛ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهَا، جَلَسَ وَتَسَانَدَ عَلَيْهَا، وَجَلَسْنَا إِلَيْهِ، فَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 38] . . إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ ثُمَّ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ سُلَيْمَانَ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: 76] وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ مِنَ الْكُنُوزِ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أَوْلِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: 76] ، ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: 78] قَالَ: وَعَادَى مُوسَى، وَكَانَ مُؤْذِيًا لَهُ، وَكَانَ مُوسَى يَصْفَحُ عَنْهُ وَيَعْفُو لِلْقَرَابَةِ، حَتَّى بَنَى دَارًا، وَجَعَلَ بَابَ دَارِهِ مِنْ ذَهَبٍ، وَضَرَبَ عَلَى جُدْرَانِهِ صَفَائِحَ الذَّهَبِ، وَكَانَ الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَغْدُونَ عَلَيْهِ وَيَرُوحُونَ، فَيُطْعِمُهُمُ الطَّعَامَ، وَيُحَدِّثُونَهُ وَيُضْحِكُونَهُ، فَلَمْ تَدَعْهُ شِقْوَتُهُ وَالْبَلَاءُ، حَتَّى أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَشْهُورَةٍ بِالْخَنَا، مَشْهُورَةٍ بِالسَّبِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَجَاءَتْهُ، فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ أَنْ أُمَوِّلَكِ وَأُعْطِيَكِ، وَأَخْلِطَكِ فِي نِسَائِي، عَلَى أَنْ تَأْتِيَنِي وَالْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدِي،
فَتَقُولِي: يَا قَارُونُ أَلَا تَنْهَى عَنِّي مُوسَى؟ قَالَتْ: بَلَى.
فَلَمَّا جَلَسَ قَارُونُ، وَجَاءَ الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجَاءَتْ فَقَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَلَّبَ اللَّهُ قَلْبَهَا، وَأَحْدَثَ لَهَا تَوْبَةً، فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: لِأَنَّ أُحْدِثَ الْيَوْمَ تَوْبَةً أَفْضَلُ مِنْ أَنْ أُوذِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأُكَذِّبَ عَدُوَّ اللَّهِ لَهُ.
فَقَالَتْ: إِنَّ قَارُونَ قَالَ لِي: هَلْ لَكِ أَنْ أُمَوِّلَكِ وَأُعْطِيَكِ وَأَخْلِطَكِ بِنِسَائِي عَلَى أَنْ تَأْتِيَنِي وَالْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدِي فَتَقُولِي: يَا قَارُونُ أَلَا تَنْهَى عَنِّي مُوسَى، فَلَمْ أَجِدْ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ لَا أُوذِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأُكَذِّبَ عَدُوَّ اللَّهِ؛ فَلَمَّا تَكَلَّمَتْ بِهَذَا الْكَلَامِ، سُقِطَ فِي يَدَيْ قَارُونَ، وَنَكَّسَ رَأْسَهُ، وَسَكَتَ الْمَلَأُ، وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ، وَشَاعَ كَلَامُهَا فِي النَّاسِ، حَتَّى بَلَغَ مُوسَى؛ فَلَمَّا بَلَغَ مُوسَى اشْتَدَّ غَضَبُهُ، فَتَوَضَّأَ مِنَ الْمَاءِ، وَصَلَّى وَبَكَى، وَقَالَ: يَا رَبِّ، عَدُوُّكَ لِي مُؤْذٍ، أَرَادَ فَضِيحَتِي وَشَيْنِي، يَا رَبِّ سَلِّطْنِي عَلَيْهِ.
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ مُرِ الْأَرْضَ بِمَا شِئْتَ تُطِعْكَ.
فَجَاءَ مُوسَى إِلَى قَارُونَ؛ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ، عَرَفَ الشَّرَّ فِي وَجْهِ مُوسَى لَهُ، فَقَالَ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي؛ قَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، قَالَ: فَاضْطَرَبَتْ دَارُهُ، وَسَاخَتْ بِقَارُونَ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا مُوسَى، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى رُكَبِهِمْ، وَهُوَ يَتَضَرَّعُ إِلَى مُوسَى: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي؛ قَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، قَالَ: فَاضْطَرَبَتْ دَارُهُ وَسَاخَتْ وَخُسِفَ بِقَارُونَ وَأَصْحَابِهِ إِلَى سُرَرِهِمْ، وَهُوَ يَتَضَرَّعُ إِلَى مُوسَى: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي؛ قَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، فَخُسِفَ بِهِ وَبِدَارِهِ وَأَصْحَابِهِ.
قَالَ: وَقِيلَ لِمُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُوسَى مَا أَفَظَّكَ، أَمَا وَعِزَّتِي، لَوْ إِيَّايَ نَادَى لَأَجَبْتُهُ "
حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ قِيلَ لِمُوسَى: لَا أُعَبِّدُ الْأَرْضَ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ أَبَدًا "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَغَرِّ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ، عَنْ أَبِي نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ مَهْدِيٍّ أَبَا نَصْرٍ: " ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: 81] قَالَ: الْأَرْضَ السَّابِعَةَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ قَامَةٍ، وَلَا يَبْلُغُ أَسْفَلَ الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ حِبَّانٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ قَارُونَ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ قَامَةٍ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: 81] ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ قَامَةً، وَأَنَّهُ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا، لَا يَبْلُغُ قَعْرَهَا
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [القصص: 81] يَقُولُ: فَلَمْ يَكُنْ لَهُ جُنْدٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ، وَلَا فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ لِمَا نَزَلَ بِهِ مِنْ سَخَطِهِ، بَلْ تَبَرَّءُوا مِنْهُ , ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: 81] يَقُولُ: وَلَا كَانَ هُوَ مِمَّنْ يَنْتَصِرُ مِنَ اللَّهِ إِذَا أَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ، فَيَمْتَنِعُ لِقُوَّتِهِ مِنْهَا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ،
قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ﴾ [القصص: 81] أَيْ جُنْدٌ يَنْصُرُونَهُ، وَمَا عِنْدَهُ مَنَعَةٌ يَمْتَنِعُ بِهَا مِنَ اللَّهِ ". وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْفِئَةِ فِيمَا مَضَى وَأَنَّهَا الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ، وَأَصْلُهَا الْجَمَاعَةُ الَّتِي يُفِيءُ إِلَيْهَا الرَّجُلُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِمْ، لِلْعَوْنِ عَلَى الْعَدُوِّ، ثُمَّ تَسْتَعْمِلَ ذَلِكَ الْعَرَبُ فِي كُلِّ جَمَاعَةٍ كَانَتْ عَوْنًا لِلرَّجُلِ، وَظَهْرًا لَهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ خُفَافٍ: [البحر الوافر] فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُمْ حَيًّا لَقَاحًا ... وَجَدِّكَ بَيْنَ نَاضِحَةٍ وَحَجْرِ