وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: 54] يَقُولُ: وَرَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ ذُو قُدْرَةٍ عَلَى خَلْقِ مَا يَشَاءُ مِنَ الْخَلْقِ، وَتَصْرِيفِهِمْ فِيمَا شَاءَ وَأَرَادَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ، وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَعْبُدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا تَنْفَعُهُمْ
فَتَجْلِبُ إِلَيْهِمْ نَفْعًا إِذَا هُمْ عَبَدُوهَا، وَلَا تَضُرُّهُمْ إِنْ تَرَكُوا عِبَادَتَهَا، وَيَتْرُكُونَ عِبَادَةَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ النَّعَمَ الَّتِي لَا كَفَاءَ لِأَدْنَاهَا، وَهِيَ مَا عَدَّدَّ عَلَيْنَا جَلَّ جَلَالُهُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: 45] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدِيرًا﴾ [النساء: 133] . وَمِنْ قُدْرَتِهِ الْقُدْرَةُ الَّتِي لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَعَهَا شَيْءٌ أَرَادَهُ، وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِعْلَ شَيْءٍ أَرَادَ فِعْلَهُ، وَمِنْ قُدْرَتِهِ إِذَا أَرَادَ عِقَابَ بَعْضَ مَنْ عَصَاهُ مِنْ عِبَادِهِ أَحَلَّ بِهِ مَا أَحَلَّ بِالَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَأَصْحَابِ الرَّسِّ، وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا، فَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ مِنْهُ نَاصِرٌ، وَلَا لَهُ عَنْهُ دَافِعٌ
﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَانَ الْكَافِرُ مُعِينًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى رَبِّهِ، مُظَاهِرًا لَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55] قَالَ: «يُظَاهِرُ الشَّيْطَانَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ بِعَيْنِهِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55] قَالَ: مَعِينًا ".
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «أَبُو جَهْلٍ مَعِينًا، ظَاهَرَ الشَّيْطَانَ عَلَى رَبِّهِ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55] قَالَ: عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى رَبِّهِ عَلَى الْمَعَاصِي "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55] قَالَ: عَلَى رَبِّهِ عَوِينًا.
وَالظَّهِيرُ: الْعَوِينُ.
وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: 86] قَالَ: لَا تَكُونَنَّ لَهُمْ عَوِينًا.
وَقَرَأَ أَيْضًا قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: 26] قَالَ: ظَاهَرُوهُمْ: أَعَانُوهُمْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55] يَعْنِي: أَبَا الْحَكَمِ الَّذِي سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ ". وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُوَجَّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55] أَيْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ هَيِّنًا مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: ظَهَرْتُ بِهِ، فَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، إِذَا جَعَلَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَكَأَنَّ الظَّهِيرَ كَانَ عِنْدَهُ فَعِيلٌ صُرِفَ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَيْهِ مِنْ مَظْهُورٍ بِهِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَكَانَ الْكَافِرُ مَظْهُورًا بِهِ.
وَالْقَوْلُ الَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ وَالْمَعْنَى الصَّحِيحُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ عِبَادَةِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ مَنْ دُونَهُ، فَأَوْلَى الْكَلَامِ أَنْ يَتْبَعَ ذَلِكَ ذَمَّهُ إِيَّاهُمْ، وَذَمَّ فِعْلِهِمْ دُونَ الْخَبَرِ عَنْ هَوَانِهِمٍ عَلَى رَبِّهِمْ، وَلِمَا يَجْرِ لِاسْتِكْبَارِهِمْ عَلَيْهِ ذَكَرَ؛ فَيُتْبِعُ بِالْخَبَرِ عَنْ هَوَانِهِمْ عَلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 57] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [الإسراء: 54] يَا مُحَمَّدُ إِلَى مَنْ أَرْسَلْنَاكَ إِلَيْهِ ﴿إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ [الإسراء: 105] بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ مَنْ آمَنَ بِكَ وَصَدَّقَكَ، وَآمَنَ
بِالَّذِي جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي، وَعَمِلُوا بِهِ ﴿وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: 119] مَنْ كَذَّبَكَ وَكَذَّبَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي، فَلَمْ يَصَّدَّقُوا بِهِ، وَلَمْ يَعْمَلُوا
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان: 57] يَقُولُ لَهُ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرْسَلْتُكَ إِلَيْهِمْ، مَا أَسْأَلُكُمْ يَا قَوْمُ عَلَى مَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّي أَجْرًا، فَتَقُولُونَ: إِنَّمَا يَطْلُبُ مُحَمَّدٌ أَمْوَالَنَا بِمَا يَدْعُونَا إِلَيْهِ، فَلَا نَتَّبِعُهُ فِيهِ، وَلَا نُعْطِيهِ مِنْ أَمْوَالِنَا شَيْئًا
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يتَّخِذَ إِلَى ربِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 57] يَقُولُ: لَكِنْ مَنْ شَاءَ مِنْكُمُ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا، طَرِيقًا بِإِنْفَاقِهِ مِنْ مَالِهِ فِي سَبِيلِهِ، وَفِيمَا يُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالنَّفَقَةِ فِي جِهَادِ عَدُوِّهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 58] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَتَوَكَّلْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى الَّذِي لَهُ الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ الَّتِي لَا مَوْتَ مَعَهَا.
فَثِقْ بِهِ فِي أَمَرِ رَبِّكَ، وَفَوِّضْ إِلَيْهِ، وَاسْتَسْلِمْ لَهُ، وَاصْبِرْ عَلَى مَا نَابَكَ فِيهِ