تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 213-220

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: 125] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا بِحُجَّتِي

صفحات 213-220
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131] . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَا جَعَلْنَا لِضُرَبَاءِ هَؤُلَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ مُتْعَةً فِي حَيَاتِهِمُ

الدُّنْيَا، يَتَمَتَّعُونَ بِهَا، مِنْ زَهْرَةِ عَاجِلِ الدُّنْيَا وَنَضْرَتِهَا ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: 131] يَقُولُ: لِنَخْتَبِرَهُمْ فِيمَا مَتَّعْنَاهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنَبْتَلِيهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ فَانٍ زَائِلٌ، وَغُرُورٌ وَخِدَعٌ تَضْمَحِلُّ ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ [طه: 131] الَّذِي وَعَدَكَ أَنْ يَرْزُقُكَهُ فِي الْآخِرَةِ حَتَّى تَرْضَى، وَهُوَ ثَوَابُهُ إِيَّاهُ ﴿خَيْرٌ﴾ [البقرة: 54] لَكَ مِمَّا مَتَّعْنَاهُمْ بِهِ مِنْ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴿وَأَبْقَى﴾ [طه: 71] يَقُولُ: وَأَدْوَمُ، لِأَنَّهُ لَا انْقِطَاعَ لَهُ وَلَا نَفَاذَ.

وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَى يَهُودِيٍّ يَسْتَسْلِفُ مِنْهُ طَعَامًا، فَأَبَى أَنْ يُسْلِّفَهُ إِلَّا بِرَهْنٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَهُودِيٍّ يَسْتَسْلِفُهُ، فَأَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ إِلَّا بِرَهْنٍ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: 131]

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَيْفٌ: فَأَرْسَلَنِي إِلَى يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ يَسْتَسْلِفُهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: لَا أُسْلِفُهُ إِلَّا بِرَهْنٍ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنِّي لَأَمِينٌ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَفِي أَهْلِ الْأَرْضِ، فَاحْمِلْ دِرْعِي إِلَيْهِ» فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: 131] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132]

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: 88] رِجَالًا مِنْهُمْ أَشْكَالًا، وَبِزَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا: زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: 131] أَيْ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَنَصَبَ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ بِهِ مَنْ ﴿مَتَّعْنَا بِهِ﴾ [طه: 131] كَمَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِهِ الشَّرِيفَ الْكَرِيمَ، فَنُصِبَ الشَّرِيفُ الْكَرِيمُ عَلَى فِعْلِ مَرَرْتَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: 131] تُنْصَبُ عَلَى الْفِعْلِ بِمَعْنَى: مَتَّعْنَاهُمْ بِهِ زَهْرَةً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَةً لَهُمْ فِيهَا، وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ بَعْضَ بَنِي فَقْعَسٍ أَنْشَدَهُ: [البحر الطويل] أَبَعْدَ الَّذِي بِالسَّفْحِ سَفْحِ كَوَاكِبٍ ... رَهِينَةَ رَمْسٍ مِنْ تُرَابٍ وَجَنْدَلِ فَنَصَبَ رَهِينَةَ عَلَى الْفِعْلِ مِنْ قَوْلِهِ: «أَبَعْدَ الَّذِي بِالسَّفْحِ» ، وَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ أَضْعَفُ فِي الْعَمَلِ نَصْبًا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: 88] لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الِاسْمِ وَهُوَ رَهِينَةَ، حَرْفٌ خَافِضٌ لَا نَاصِبٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: 131] قَالَ: لِنَبْتَلِيَهُمْ فِيهِ ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131] مِمَّا مَتَّعْنَا بِهِ هَؤُلَاءِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132] . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَأْمُرْ﴾ [الأعراف: 145] يَا مُحَمَّدُ ﴿أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132] يَقُولُ: وَاصْطَبِرْ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا، وَأَدَائِهَا بِحُدُودِهَا أَنْتَ.
﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾

[طه: 132] يَقُولُ: لَا نَسْأَلُكُ مَالًا، بَلْ نُكَلِّفُكَ عَمَلًا بِبَدَنِكَ، نُؤْتِيكَ عَلَيْهِ أَجْرًا عَظِيمًا وَثَوَابًا جَزِيلًا ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: 132] . يَقُولُ: نَحْنُ نُعْطِيكَ الْمَالَ وَنُكْسِبُكَهُ، وَلَا نَسْأَلُكَهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132] يَقُولُ: وَالْعَاقِبَةُ الصَّالِحَةُ مِنْ عَمِلِ كُلِّ عَامِلٍ لِأَهْلِ التَّقْوَى وَالْخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ دُونَ مَنْ لَا يَخَافُ لَهُ عِقَابًا، وَلَا يَرْجُو لَهُ ثَوَابًا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: 132] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: كَانَ عُرْوَةَ إِذَا رَأَى مَا عِنْدَ السَّلَاطِينِ دَخَلَ دَارَهُ، فَقَالَ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132] ثُمَّ يُنَادِي: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ.

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ، ثنا عَثَّامٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا جَاءَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ: الصَّلَاةَ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكُ رِزْقًا﴾ [طه: 132]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: 133] . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي الْآيَاتِ قَبْلُ: هَلَّا يَأْتِينَا مُحَمَّدٌ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، كَمَا أَتَى قَوْمَهُ صَالِحٌ بِالنَّاقَةِ وَعِيسَى بِإِحَيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ

الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ.
يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَوَلَمْ يَأْتِهِمْ بَيَانُ مَا فِي الْكُتُبِ الَّتِي قَبْلَ هَذَا الْكِتَابِ مِنْ أَنْبَاءِ الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِهِمُ الَّتِي أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا سَأَلُوا الْآيَاتِ فَكَفَرُوا بِهَا لَمَّا أَتَتْهُمْ كَيْفَ عَجَّلْنَا لَهُمُ الْعَذَابَ، وَأَنْزَلْنَا بَأْسَنَا بِكُفْرِهِمْ بِهَا، يَقُولُ: فَمَاذَا يُؤَمِّنُهُمْ إِنْ أَتَتْهُمُ الْآيَةُ أَنْ يَكُونَ حَالُهُمْ حَالَ أُولَئِكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: 133] قَالَ: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: 133] الْكُتُبُ الَّتِي خَلَتْ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: 134] . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِهَذَا الْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ نُنَزِّلَهُ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْعَثَ دَاعِيًا يَدْعُوهُمْ

إِلَى مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيهِ بِعَذَابٍ نُنَزِّلُهُ بِهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، لَقَالُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذْ وَرَدُوا عَلَيْنَا، فَأَرَدْنَا عِقَابَهُمْ: رَبَّنَا هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا يَدْعُونَا إِلَى طَاعَتِكَ ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [طه: 134] يَقُولُ: فَنَتَّبِعَ حُجَّتَكَ وَأَدِلَّتَكَ وَمَا تُنَزِّلُهُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِكَ وَنَهْيِكَ مِنْ قَبْلُ أَنْ نَذِلَّ بِتَعْذِيبِكَ إِيَّانَا وَنَخْزَى بِهِ،

كَمَا: حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمَ بْنَ قُتَيْبَةَ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَحْتَجُّ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ، وَالْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ، وَالصَّبِيُّ الصَّغِيرُ، فَيَقُولُ الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ: لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا أَنْتَفِعُ بِهِ، وَيَقُولُ الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ: لَمْ يَأْتِنِي رَسُولٌ وَلَا نَبِيُّ، وَلَوْ أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ أَوْ نَبِيُّ لَكُنْتُ أَطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ.
وَقَرَأَ: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [طه: 134] وَيَقُولُ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ: كُنْتُ صَغِيرًا لَا أَعْقِلُ " قَالَ: " فَتُرْفَعُ لَهُمْ نَارٌ وَيُقَالُ لَهُمْ: رِدُوهَا " قَالَ: " فَيَرِدُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ سَعِيدٌ، وَيَتَلَكَّأُ عَنْهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ شَقِيُّ، فَيَقُولُ: إِيَّايَ عَصَيْتُمْ، فَكَيْفَ بِرُسُلِي لَوْ أَتَتْكُمْ؟ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه: 135] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: كُلُّكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مُتَرَبِّصٌ يَقُولُ: مُنْتَظِرٌ لِمَنْ يَكُونُ الْفَلَاحُ، وَإِلَى مَا يَئُولُ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ مُتَوَقِّفٌ يَنْتَظِرُ دَوَائِرَ

الزَّمَانِ ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة: 24] يَقُولُ: فَتَرَقَّبُوا وَانْتَظِرُوا، فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَهْلُ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُعْتَدِلِ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ إِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَقَامَتِ الْقِيَامَةُ، أَنَحْنُ أَمْ أَنْتُمْ؟ ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه: 135] يَقُولُ: وَسَتَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ مَنِ الْمُهْتَدِي الَّذِي هُوَ عَلَى سَنَنِ الطَّرِيقِ الْقَاصِدُ غَيْرُ الْجَائِرِ عَنْ قَصْدِهِ مِنَّا وَمِنْكُمْ.
وَفِي «مَنْ» مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ [طه: 135] وَالثَّانِيَةُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه: 135] وَجْهَانِ: الرَّفْعُ، وَتَرْكُ أَعْمَالِ تَعْلَمُونَ فِيهِمَا، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: 12] وَالنَّصْبُ عَلَى أَعْمَالِ تَعْلَمُونَ فِيهِمَا، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220]

جارٍ التحميل