وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33] يَقُولُ: وَقَالَ: إِنَّنِي مِمَّنْ خَضَعَ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ، وذَلَّ لَهُ بِالْعُبُودَةِ، وَخَشَعَ لَهُ بِالْإِيمَانِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَسْتَوِي حَسَنَةُ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا، فَأَحْسَنُوا فِي قَوْلِهِمْ، وَإِجَابَتِهِمْ رَبَهُمْ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ، وَدَعَوْا عِبَادَ اللَّهِ إِلَى مِثْلِ الَّذِي أَجَابُوا رَبَّهُمْ إِلَيْهِ، وَسَيِّئَةُ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلُبُونَ﴾ [فصلت: 26] فَكَذَلِكَ لَا تَسْتَوِي عِنْدَ اللَّهِ أَحْوَالُهُمْ وَمَنَازِلُهُمْ، وَلَكِنَّهَا تَخْتَلِفُ كَمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ خَالَفَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: 34] فَكَرَّرَ لَا، وَالْمَعْنَى: لَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ، لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ غَيْرَ مُسَاوٍ شَيْئًا، فَالشَّيْءُ الَّذِي هُوَ لَهُ غَيْرُ مُسَاوٍ غَيْرَ مُسَاوِيهِ، كَمَا أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُسَاوِيًا لِشَيْءٍ فَالْآخِرُ الَّذِي هُوَ لَهُ مُسَاوٍ، مُسَاوٍ لَهُ، فَيُقَالُ: فُلَانٌ مُسَاوٍ فُلَانًا، وَفُلَانٌ لَهُ مُسَاوٍ، فَكَذَلِكَ فُلَانٌ لَيْسَ مُسَاوِيًا لِفُلَانٍ، وَلَا فُلَانٌ مُسَاوِيًا لَهُ، فَلِذَلِكَ كُرِّرَتْ لَا مَعَ السَّيِّئَةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مُكَرَّرَةً مَعَهَا كَانَ الْكَلَامُ صَحِيحًا وَقَدْ كَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الثَّانِيَةُ زَائِدَةٌ؛ يُرِيدُ: لَا يَسْتَوِي عَبْدُ اللَّهِ وَزَيْدٌ، فَزِيدَتْ لَا تَوْكِيدًا، كَمَا قَالَ ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ [الحديد: 29] أَيْ لِأَنْ يَعْلَمَ، وَكَمَا قَالَ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2] وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُنْكِرُ قَوْلَهُ هَذَا فِي: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: 29] ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: 1] فَيَقُولُ: لَا الثَّانِيَةُ فِي قَوْلِهِ
: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: 29] أَنْ لَا يَقْدِرُونَ رُدَّتْ إِلَى مَوْضِعِهَا، لِأَنَّ النَّفْيَ إِنَّمَا لَحِقَ يَقْدِرُونَ لَا الْعِلْمُ، كَمَا يُقَالُ: لَا أَظُنُّ زَيْدًا لَا يَقُومُ، بِمَعْنَى: أَظُنُّ زَيْدًا لَا يَقُومُ؛ قَالَ: وَرُبَّمَا اسْتَوْثَقُوا فَجَاءُوا بِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَرُبَّمَا اكْتَفَوْا بِالْأَوَّلِ مِنَ الثَّانِي وَحُكِيَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ: مَا كَأَنِّي أَعْرِفُهَا: أَيْ كَأَنِّي لَا أَعْرِفُهَا.
قَالَ: وَأَمَّا «لَا» فِي قَوْلِهِ ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: 1] فَإِنَّمَا هُوَ جَوَابٌ، وَالْقَسَمُ بَعْدَهَا مُسْتَأْنَفٌ، وَلَا يَكُونُ حَرْفُ الْجَحْدِ مُبْتَدَأً صِلَةٍ وَإِنَّمَا عَنَى بقَولِهِ: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةَ﴾ [فصلت: 34] وَلَا يَسْتَوِي الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ وَالشِّرْكُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِمَعْصِيَتِهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: 96] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ادْفَعْ يَا مُحَمَّدُ بِحِلْمِكَ جَهْلَ مَنْ جَهِلَ عَلَيْكَ، وَبِعَفْوِكَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ إِسَاءَةَ الْمُسِيءِ، وَبِصَبْرِكَ عَلَيْهِمْ مَكْرُوهَ مَا تَجِدُ مِنْهُمْ، وَيَلْقَاكَ مِنْ قِبَلِهِمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ فِي
تَأْوِيلِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34] قَالَ: «أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَالْحِلْمِ وَالْعَفْوِ عِنْدَ الْإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ، كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ»
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: ادْفَعْ بِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ إِسَاءَتَهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34] قَالَ: «بِالسَّلَامِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34] قَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكَ إِذَا لَقِيتَهُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: افْعَلْ هَذَا الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ دِفْعِ سَيِّئَةِ الْمُسِيءِ إِلَيْكَ بِإِحْسَانِكَ الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ إِلَيْهِ، فَيَصِيرُ الْمُسِيءُ إِلَيْكَ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ، كَأَنَّهُ مِنْ مُلَاطَفَتِهِ إِيَّاكَ وَبِرِّهِ لَكَ، وَلِيٌّ لَكَ مِنْ بَنِي أَعْمَامِكَ، قَرِيبُ
النَّسَبِ بِكَ، وَالْحَمِيمُ: هُوَ الْقَرِيبُ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ،.
قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34] «أَيْ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ قَرِيبٌ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا يُعْطَى دَفْعَ السَّيِّئَةِ بِالْحَسَنَةِ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا لِلَّهِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَالْأُمُورِ الشَّاقَةِ؛ وَقَالَ: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ [فصلت: 35] وَلَمْ يَقُلْ: وَمَا يَلْقَاهُ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا يَلْقَى هَذِهِ الْفِعْلَةَ إِلَّا مَنْ دَفَعَ السَّيِّئَةَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ