تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ يَقُولُ: وَعَلِمَ دَاوُدُ أَنَّمَا ابْتَلَيْنَاهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ يَقُولُ: وَعَلِمَ دَاوُدُ أَنَّمَا ابْتَلَيْنَاهُ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ﴾ «عَلِمَ دَاوُدُ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قَالَ: «ظَنَّ أَنَّمَا ابْتُلِيَ بِذَاكَ»

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ قَالَ: «ظَنَّ أَنَّمَا ابْتُلِيَ بِذَاكَ»

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ «اخْتَبَرْنَاهُ»

وَالْعَرَبُ تَوَجِّهُ الظَّنَّ إِذَا أَدْخَلَتْهُ عَلَى الْإِخْبَارِ كَثِيرًا إِلَى الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِ الْعِيَانِ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ [ص: 24] يَقُولُ: فَسَأَلَ دَاوُدُ رَبَّهُ غُفْرَانَ ذَنْبِهِ ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: 24] يَقُولُ: وَخَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ ﴿وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] يَقُولُ: وَرَجَعَ إِلَى رِضَا رَبِّهِ، وَتَابَ مِنْ خَطِيئَتِهِ وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ الْبَلَاءِ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَذَكَّرَ مَا أَعْطَى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ

وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ الْبَاقِي لَهُمْ فِي النَّاسِ، فَتَمَنَّى مِثْلَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمُ امْتَحَنُوا فَصَبَرُوا، فَسَأَلَ أَنْ يُبْتَلَى كَالَّذِي ابْتُلُوا، وَيُعْطَى كَالَّذِي أُعْطُوا إِنْ هُوَ صَبَرَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: 21] قَالَ: " إِنَّ دَاوُدَ قَالَ: يَا رَبِّ قَدْ أَعْطَيْتَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مِنَ الذِّكْرِ مَا لَوَدِدْتُ أَنَّكَ أَعْطَيْتَنِي مِثْلَهُ، قَالَ اللَّهُ: إِنِّي ابْتَلَيْتُهُمْ بِمَا لَمْ أَبْتَلِكَ بِهِ، فَإِنْ شِئْتَ ابْتَلَيْتُكَ بِمِثْلِ مَا ابْتَلَيْتُهُمْ بِهِ، وَأَعْطَيْتُكَ كَمَا أَعْطَيْتُهُمْ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ لَهُ: فَاعْمَلْ حَتَّى أَرَى بَلَاءَكَ؛ فَكَانَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، وَطَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَكَادَ أَنْ يَنْسَاهُ؛ فَبَيْنَا هُوَ فِي مِحْرَابِهِ، إِذْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ حَمَامَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا، فَطَارَ إِلَى كَوَّةِ الْمِحْرَابِ،

فَذَهَبَ لِيَأْخُذَهَا، فَطَارَتْ، فَاطَّلَعَ مِنَ الْكُوَّةِ، فَرَأَى امْرَأَةً تَغْتَسِلُ، فَنَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمِحْرَابِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَجَاءَتْهُ، فَسَأَلَهَا عَنْ زَوْجِهَا وَعَنْ شَأْنِهَا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ زَوْجَهَا غَائِبٌ، فَكَتَبَ إِلَى أَمِيرِ تِلْكَ السَّرِيَّةِ أَنْ يُؤَمِّرَهُ عَلَى السَّرَايَا لِيُهْلِكَ زَوْجَهَا، فَفَعَلَ، فَكَانَ يُصَابُ أَصْحَابُهُ وَيَنْجُو، وَرُبَّمَا نُصِرُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا رَأَى الَّذِي وَقَعَ فِيهِ دَاوُدُ، أَرَادَ أَنْ يَسْتَنْقِذَهُ؛ فَبَيْنَمَا دَاوُدُ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مِحْرَابِهِ، إِذْ تَسَوَّرَ عَلَيْهِ الْخَصْمَانِ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ؛ فَلَمَّا رَآهُمَا وَهُوَ يَقْرَأُ فَزِعَ وَسَكَتَ، وَقَالَ: لَقَدِ اسْتُضْعِفْتُ فِي مُلْكِي حَتَّى إِنَّ النَّاسَ يَتَسَوَّرُونَ عَلَيَّ مِحْرَابِي، قَالَا لَهُ: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: 22] وَلَمْ يَكُنْ لَنَا بُدٌّ مِنْ أَنْ نَأْتِيَكَ، فَاسْمَعْ مِنَّا؛ قَالَ أَحَدُهُمَا: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: 23] «أُنْثَى» ﴿وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا 00﴾ [ص: 23] يُرِيدُ أَنْ يُتَمِّمَ بِهَا مِائَةً، وَيَتْرُكَنِي لَيْسَ لِي شَيْءٌ ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: 23] قَالَ: إِنْ دَعَوْتُ وَدَعَا كَانَ أَكْثَرَ، وَإِنْ بَطَشْتُ وَبَطَشَ كَانَ أَشَدَّ مِنِّي، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: 23] قَالَ لَهُ دَاوُدُ: أَنْتَ كُنْتَ أَحْوَجَ إِلَى نَعْجَتِكَ مِنْهُ ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: 24] . . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: 24] وَنَسِيَ نَفْسَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظَرَ الْمَلَكَانِ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ حِينَ قَالَ ذَلِكَ، فَتَبَسَّمَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ، فَرَآهُ دَاوُدُ وَظَنَّ أَنَّمَا فُتِنَ ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، حَتَّى نَبَتَتِ الْخُضْرَةُ مِنْ دُمُوعِ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ

شَدَّدَ اللَّهُ لَهُ مُلْكَهُ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: 21] قَالَ: " كَانَ دَاوُدُ قَدْ قَسَمَ الدَّهْرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: يَوْمٌ يَقْضِي فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَوْمٌ يَخْلُو فِيهِ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ، وَيَوْمٌ يَخْلُو فِيهِ لِنِسَائِهِ؛ وَكَانَ لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً، وَكَانَ فِيمَا يَقْرَأُ مِنَ الْكُتُبِ أَنَّهُ كَانَ يَجِدْ فِيهِ فَضْلَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ؛ فَلَمَّا وَجَدَ ذَلِكَ فِيمَا يَقْرَأُ مِنَ الْكُتُبِ قَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ قَدْ ذَهَبَ بِهِ آبَائِي الَّذِينَ كَانُوا قَبْلِي، فَأَعْطِنِي مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُمْ، وَافْعَلْ بِي مِثْلَ مَا فَعَلْتَ بِهِمْ، قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّ آبَاءَكَ ابْتُلُوا بِبَلَايَا لَمْ تُبْتَلَ بِهَا؛ ابْتُلِيَ إِبْرَاهِيمُ بِذَبْحِ ابْنِهِ، وَابْتُلِيَ إِسْحَاقُ بِذِهَابِ بَصَرِهِ، وَابْتُلِيَ يَعْقُوبُ بِحُزْنِهِ عَلَى يُوسُفَ، وَإِنَّكَ لَمْ تُبْتَلَ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، قَالَ: يَا رَبِّ ابْتَلِنِي بِمِثْلِ مَا ابْتَلَيْتَهُمْ بِهِ، وَأَعْطِنِي مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُمْ؛ قَالَ: فَأُوحِيَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ مُبْتَلًى فَاحْتَرِسْ؛ قَالَ: فَمَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، إِذْ جَاءَهُ الشَّيْطَانُ قَدْ تَمَثَّلَ فِي صُورَةِ حَمَامَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، حَتَّى وَقَعَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَمَدَّ يَدَهُ لِيَأْخُذَهُ،

فَتَنَحَّى فَتَبِعَهُ، فَتَبَاعَدَ حَتَّى وَقَعَ فِي كَوَّةٍ، فَذَهَبَ لِيَأْخُذَهُ، فَطَارَ مِنَ الْكُوَّةِ، فَنَظَرَ أَيْنَ يَقَعُ، فَيَبْعَثُ فِي أَثْرِهِ قَالَ: فَأَبْصَرَ امْرَأَةً تَغْتَسِلُ عَلَى سَطْحٍ لَهَا، فَرَأَى امْرَأَةً مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ خَلْقًا، فَحَانَتْ مِنْهَا الْتِفَاتَةٌ فَأَبْصَرَتْهُ، فَأَلْقَتْ شَعَرَهَا فَاسْتَتَرْتُ بِهِ، قَالَ: فَزَادَهُ ذَلِكَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَسَأَلَ عَنْهَا، فَأُخْبِرَ أَنَّ لَهَا زَوْجًا، وَأَنَّ زَوْجَهَا غَائِبٌ بِمُسَلَّحَةِ كَذَا وَكَذَا؛ قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى صَاحِبِ الْمُسَلَّحَةِ أَنْ يَبْعَثَ أُهْرِيَا إِلَى عَدُوِّ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَبَعَثَهُ، فَفَتَحَ لَهُ.
قَالَ: وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا: أَنِ ابْعَثْهُ إِلَى عَدُوِّ كَذَا وَكَذَا، أَشَدُّ مِنْهُمْ بَأْسًا، قَالَ: فَبَعَثَهُ فَفَتَحَ لَهُ أَيْضًا قَالَ: فَكَتَبَ إِلَى دَاوُدَ بِذَلِكَ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنِ ابْعَثْهُ إِلَى عَدُوِّ كَذَا وَكَذَا، فَبَعَثَهُ فَقُتِلَ الْمَرَّةَ الثَّالِثَةَ، قَالَ: وَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، قَالَ: لَمْ تَلْبَثْ عِنْدَهُ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مَلَكَيْنِ فِي صُورَةِ إِنْسِيَّيْنِ، فَطَلَبَا أَنْ يَدْخُلَا عَلَيْهِ، فَوَجَدَاهُ فِي يَوْمِ عِبَادَتِهِ، فَمَنَعَهُمَا الْحَرَسُ أَنْ يَدْخُلَا، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِ الْمِحْرَابَ، قَالَا: فَمَا شَعَرَ وَهُوَ يُصَلِّي إِذْ هُوَ بِهِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ جَالِسَيْنِ، قَالَ: فَفَزِعَ مِنْهُمَا، فَقَالَا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ [ص: 22] إِنَّمَا نَحْنُ ﴿خَصْمَانِ بَغَى بُعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: 22] يَقُولُ: لَا تَحِفْ ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: 22] إِلَى عَدْلِ الْقَضَاءِ.
قَالَ: فَقَالَ: قُصَا عَلَيَّ قِصَّتَكُمَا، قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: 23] فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ نَعْجَتِي، فَيُكَمِّلَ بِهَا نِعَاجَهُ مِائَةً قَالَ: فَقَالَ لِلْآخَرِ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: إِنَّ لِي تِسْعًا وَتِسْعِينَ نَعْجَةً، وَلِأَخِي هَذَا نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ آخُذَهَا مِنْهُ، فَأُكْمِلَ بِهَا نِعَاجِي مِائَةً، قَالَ:

وَهُوَ كَارِهٌ؟ قَالَ: وَهُوَ كَارِهٌ، قَالَ: وَهُوَ كَارِهٌ؟ قَالَ: إِذَنْ لَا نَدَعُكَ وَذَاكَ، قَالَ: مَا أَنْتَ عَلَى ذَلِكَ بِقَادِرٍ، قَالَ: فَإِنْ ذَهَبْتَ تَرُومُ ذَلِكَ أَوْ تُرِيدُ، ضَرَبْنَا مِنْكَ هَذَا وَهَذَا وَهَذَا، وَفَسَّرَ أَسْبَاطٌ طَرَفَ الْأَنْفِ، وَأَصْلَ الْأَنْفِ وَالْجَبْهَةَ؛ قَالَ: يَا دَاوُدُ أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يُضْرَبَ مِنْكَ هَذَا وَهَذَا وَهَذَا، حَيْثُ لَكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً امْرَأَةً، وَلَمْ يَكُنْ لِأَهْرِيَا إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ تُعَرِّضُهُ لِلْقَتْلِ حَتَّى قَتَلْتَهُ، وَتَزَوَّجْتَ امْرَأَتَهُ قَالَ: فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَعَرَفَ مَا قَدْ وَقَعَ فِيهِ، وَمَا قَدِ ابْتُلِيَ بِهِ.
قَالَ: فَخْرَ سَاجِدًا، قَالَ: فَبَكَى.
قَالَ: فَمَكَثَ يَبْكِي سَاجِدًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ مِنْهَا، ثُمَّ يَقَعُ سَاجِدًا يَبْكِي، ثُمَّ يَدْعُو حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ مِنْ دُمُوعِ عَيْنَيْهِ قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا: يَا دَاوُدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ غَفَرْتَ لِي وَأَنْتَ حَكَمٌ عَدْلٌ لَا تَحِيفُ فِي الْقَضَاءِ، إِذَا جَاءَكَ أُهْرِيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخِذًا رَأْسَهُ بِيَمِينِهِ أَوْ بِشِمَالِهِ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا فِي قِبَلِ عَرْشِكَ يَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَوْحَى إِلَيْهِ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ دَعَوْتُ أُهْرِيَا فَأَسْتَوْهِبُكَ مِنْهُ، فَيَهِبُكَ لِي، فَأُثِيبُهُ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: رَبِّ الْآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ قَدْ غَفَرْتَ لِي، قَالَ: فَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَمْلَأَ عَيْنَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ حَيَاءً مِنْ رَبِّهِ حَتَّى قُبِضَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: ثني عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، قَالَ: " نَقْشَ دَاوُدُ خَطِيئَتَهُ فِي كَفِّهِ لِكَيْلَا يَنْسَاهَا، قَالَ: فَكَانَ إِذَا رَآهَا خُفِقَتْ يَدَهُ وَاضْطَرَبَتْ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ لِعَارِضٍ كَانَ عَرَضَ فِي نَفْسِهِ مِنْ ظَنٍّ أَنَّهُ يَطِيقُ أَنْ يَتِمَّ يَوْمًا لَا يُصِيبُ فِيهِ حُوبَةً، فَابْتُلِيَ بِالْفِتْنَةِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا فِي الْيَوْمِ الَّذِي طَمَعَ فِي نَفْسِهِ بِإِتْمَامِهِ بِغَيْرِ إِصَابَةِ ذَنْبٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ مَطَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ: " إِنَّ دَاوُدَ جَزَّأَ الدَّهْرَ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ: يَوْمًا لِنِسَائِهِ، وَيَوْمًا لِعِبَادَتِهِ، وَيَوْمًا لِقَضَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَيَوْمًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ يُذَاكِرُهُمْ وَيُذَاكِرُونَهُ، وَيُبْكِيهُمْ وَيُبْكُونَهُ؛ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: ذَكَرُوا فَقَالُوا: هَلْ يَأْتِي عَلَى الْإِنْسَانِ يَوْمٌ لَا يُصِيبُ فِيهِ ذَنْبًا؟ فَأَضْمَرَ دَاوُدُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ سَيَطِيقُ ذَلِكَ؛ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عِبَادَتِهِ، أَغْلَقَ أَبْوَابَهُ، وَأَمَرَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَأَكَبَّ عَلَى التَّوْرَاةِ؛ فَبَيْنَمَا هُوَ يَقْرَؤُهَا، فَإِذَا حَمَامَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ حَسَنٍ، قَدْ وَقَعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا لِيَأْخُذَهَا، قَالَ: فَطَارَتْ، فَوَقَعَتْ غَيْرَ بَعِيدٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تُؤْيِسَهُ مِنْ نَفْسِهَا، قَالَ: فَمَا زَالَ يَتْبَعُهَا حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى امْرَأَةٍ

تَغْتَسِلُ، فَأَعْجَبَهُ خَلْقُهَا وَحُسْنُهَا؛ قَالَ: فَلَمَّا رَأَتْ ظِلَّهُ فِي الْأَرْضِ، جَلَّلَتْ نَفْسَهَا بِشَعْرِهَا، فَزَادَهُ ذَلِكَ أَيْضًا إِعْجَابًا بِهَا، وَكَانَ قَدْ بَعَثَ زَوْجَهَا عَلَى بَعْضِ جُيُوشِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَسِيرَ إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، مَكَانٍ إِذَا سَارَ إِلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ، قَالَ: فَفَعَلَ، فَأُصِيبَ فَخَطَبَهَا فَتَزَوَّجَهَا قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنَا إِنَّهَا أُمُّ سُلَيْمَانَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الْمِحْرَابِ، إِذْ تَسَوَّرَ الْمَلَكَانِ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْخَصْمَانِ إِذَا أَتَوْهُ يَأْتُونَهُ مِنْ بَابِ الْمِحْرَابِ، فَفَزِعَ مِنْهُمْ حِينَ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، فَقَالُوا: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: 22] . . حَتَّى بَلَغَ ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: 22] أَيْ لَا تَمَلَّ ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: 22] أَيْ أَعْدَلِهِ وَخَيْرِهِ ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: 23] وَكَانَ لِدَاوُدَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً ﴿وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: 23] قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ لِلرَّجُلِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: 23] أَيْ: ظَلَمَنِي وَقَهَرَنِي، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: 24] . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ﴾ فَعَلِمَ دَاوُدُ أَنَّمَا صَمَدَ لَهُ: أَيْ عَنَى بِهِ ذَلِكَ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ قَالَ: وَكَانَ فِي حَدِيثِ مَطَرِ، أَنَّهُ سَجَدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، حَتَّى أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكَ، قَالَ: رَبِّ وَكَيْفَ تَغْفِرُ لِي وَأَنْتَ حَكَمٌ عَدْلٌ، لَا تَظْلِمُ أَحَدًا؟ قَالَ: إِنِّي أَقْضِيكَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَوْهِبُهُ دَمَكَ أَوْ ذَنْبَكَ، ثُمَّ أُثِيبُهُ حَتَّى يَرْضَى، قَالَ: الْآنَ طَابَتْ نَفْسِي، وَعَلِمْتُ أَنَّكَ قَدْ غَفَرْتَ لِي "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ الْيَمَانِيِّ، قَالَ: «لَمَّا اجْتَمَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى دَاوُدَ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الزَّبُورَ، وَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ الْحَدِيدِ، فَأَلَانَهُ لَهُ، وَأَمَرَ الْجِبَالَ وَالطَّيْرَ أَنْ يُسَبِّحْنَ مَعَهُ إِذَا سَبَّحَ، وَلَمْ يُعْطِ اللَّهُ فِيمَا يَذْكُرُونَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ مِثْلَ صَوْتِهِ، كَانَ إِذَا قَرَأَ الزَّبُورَ فِيمَا يَذْكُرُونَ تَدْنُو لَهُ الْوحُوشُ حَتَّى يَأْخُذَ بِأَعْنَاقِهَا، وَإِنَّهَا لَمُصِيخَةٌ تَسْمَعُ لِصَوْتِهِ، وَمَا صَنَعَتِ الشَّيَاطِينُ الْمَزَامِيرَ وَالْبَرَابِطَ وَالصُّنُوجَ، إِلَّا عَلَى أَصْنَافِ صَوْتِهِ، وَكَانَ شَدِيدَ الِاجْتِهَادِ دَائِبَ الْعِبَادَةِ، فَأَقَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يَحْكُمُ فِيهِمْ بِأَمْرِ اللَّهِ نَبِيًّا مُسْتَخْلِفًا، وَكَانَ شَدِيدَ الِاجْتِهَادِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَثِيرَ الْبُكَاءِ، ثُمَّ عَرَضَ مِنْ فِتْنَةِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ مَا عَرَضَ لَهُ، وَكَانَ لَهُ مِحْرَابٌ يَتَوَحَّدُ فِيهِ لِتِلَاوَةِ الزَّبُورِ، وَلِصَلَاتِهِ إِذَا صَلَّى، وَكَانَ أَسْفَلَ مِنْهُ جُنَيْنَةٌ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَ عِنْدَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْمَرْأَةٌ الَّتِي أَصَابَ دَاوُدُ فِيهَا مَا أَصَابَهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ " أَنَّ دَاوُدَ، حِينَ دَخَلَ مِحْرَابَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، قَالَ: لَا يَدْخُلَنَّ

عَلَيَّ مِحْرَابِيَ الْيَوْمَ أَحَدٌ حَتَّى اللَّيْلِ، وَلَا يَشْغَلُنِي شَيْءٌ عَمَّا خَلَوْتُ لَهُ حَتَّى أُمْسِي؛ وَدَخَلَ مِحْرَابَهُ، وَنَشَرَ زَبُورَهُ يَقْرَؤُهُ وَفِي الْمِحْرَابِ كَوَّةٌ تُطْلِعُهُ عَلَى تِلْكَ الْجُنَيْنَةِ، فَبَيْنَا هُوَ جَالِسٌ يَقْرَأُ زَبُورَهُ، إِذْ أَقْبَلَتْ حَمَامَةٌ مِنْ ذَهَبٍ حَتَّى وَقَعَتْ فِي الْكُوَّةِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَرَآهَا، فَأَعْجَبَتْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا كَانَ قَالَ: لَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَمَّا دَخَلَ لَهُ، فَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَقْبَلَ عَلَى زَبُورِهِ، فَتَصَوَّبَتِ الْحَمَامَةُ لِلْبَلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ مِنَ الْكُوَّةِ، فَوَقَعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَتَنَاوَلَهَا بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخَرَتْ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَاتَّبَعَهَا، فَنَهَضَتْ إِلَى الْكُوَّةِ، فَتَنَاوَلَهَا فِي الْكُوَّةِ، فَتَصَوَّبَتْ إِلَى الْجُنَيْنَةِ، فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ أَيْنَ تَقَعُ، فَإِذَا الْمَرْأَةُ جَالِسَةٌ تَغْتَسِلُ بِهَيْئَةٍ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا فِي الْجَمَالِ وَالْحُسْنِ وَالْخَلْقِ؛ فَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا لَمَّا رَأَتْهُ نَقَضَتْ رَأْسَهَا فَوَارَتْ بِهِ جَسَدَهَا مِنْهُ، وَاخْتَطَفَتْ قَلْبَهُ، وَرَجَعَ إِلَى زَبُورِهِ وَمَجْلِسِهِ، وَهِيَ مِنْ شَأْنِهِ لَا يُفَارِقُ قَلْبَهُ ذِكْرُهَا وَتَمَادَى بِهِ الْبَلَاءُ حَتَّى أَغْزَى زَوْجَهَا، ثُمَّ أَمَرَ صَاحِبَ جَيْشِهِ فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ يُقَدِّمَ زَوْجَهَا لِلْمَهَالِكِ حَتَّى أَصَابَهُ بَعْضُ مَا أَرَادَ بِهِ مِنَ الْهَلَاكِ، وَلِدَاوُدَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً؛ فَلَمَّا أُصِيبَ زَوْجُهَا خَطَبَهَا دَاوُدُ، فَنَكَحَهَا، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي مِحْرَابِهِ مَلَكَيْنِ يَخْتَصِمَانِ إِلَيْهِ، مَثَلًا يَضْرِبُهُ لَهُ وَلِصَاحِبِهِ، فَلَمْ يُرَعْ دَاوُدُ إِلَّا بِهِمَا وَاقِفَيْنِ عَلَى رَأْسِهِ فِي مِحْرَابِهِ، فَقَالَ: مَا أَدْخَلَكُمَا عَلَيَّ؟ قَالَا: لَا تَخَفْ لَمْ نَدْخُلْ لِبَأْسٍ وَلَا لِرِيبَةٍ ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: 22] فَجِئْنَاكَ لِتَقْضِيَ بَيْنَنَا ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: 22] أَيِ احْمِلْنَا عَلَى الْحَقِّ، وَلَا تُخَالِفْ بِنَا إِلَى غَيْرِهِ؛ قَالَ الْمَلَكُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ عَنْ أُورِيَا بْنِ حَنَانِيَا زَوْجِ الْمَرْأَةِ: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ [ص: 23] أَيْ عَلَى دِينِي ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ [ص: 23] أَيِ احْمِلْنِي عَلَيْهَا، ثُمَّ عَزَّنِي فِي الْخِطَابِ: أَيْ قَهَرَنِي فِي الْخِطَابِ، وَكَانَ أَقْوَى مِنِّي هُوَ وَأَعَزَّ، فَحَازَ نَعْجَتِي إِلَى نِعَاجِهِ

وَتَرَكَنِي لَا شَيْءَ لِي؛ فَغَضِبَ دَاوُدُ، فَنَظَرَ إِلَى خَصْمِهِ الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ، فَقَالَ: لَئِنْ كَانَ صَدَقَنِي مَا يَقُولُ، لَأَضْرِبَنَّ بَيْنَ عَيْنَيْكَ بِالْفَأْسِ ثُمَّ ارْعَوَى دَاوُدُ، فَعَرَفَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُرَادُ بِمَا صَنَعَ فِي امْرَأَةِ أُورِيَا، فَوَقَعَ سَاجِدًا تَائِبًا مُنِيبًا بَاكِيًا، فَسَجَدَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا صَائِمًا لَا يَأْكُلُ فِيهَا وَلَا يَشْرَبُ، حَتَّى أَنَبَتْ دَمْعُهُ الْخُضَرَ تَحْتَ وَجْهِهِ، وَحَتَّى أَنْدَبَ السُّجُودُ فِي لَحْمِ وَجْهِهِ، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَقَبِلَ مِنْهُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ قَالَ: أَيْ رَبَّ هَذَا غَفَرْتَ مَا جَنَيْتُ فِي شَأْنِ الْمَرْأَةِ، فَكَيْفَ بِدَمِ الْقَتِيلِ الْمَظْلُومِ؟ قِيلَ لَهُ: يَا دَاوُدُ، فِيمَا زَعَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ، أَمَا إِنَّ رَبَّكَ لَمْ يَظْلِمْهُ بِدَمِهِ، وَلَكِنَّهُ سَيَسْأَلُهُ إِيَّاكَ فَيُعْطِيهِ، فَيَضَعُهُ عَنْكَ؛ فَلَمَّا فَرَّجَ عَنْ دَاوُدَ مَا كَانَ فِيهِ، رَسَمَ خَطِيئَتَهُ فِي كَفِّهِ الْيُمْنَى بَطْنَ رَاحَتِهِ، فَمَا رَفَعَ إِلَى فِيهِ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا قَطُّ إِلَّا بَكَى إِذَا رَآهَا، وَمَا قَامَ خَطِيبًا فِي النَّاسِ قَطُّ إِلَّا نَشَرَ رَاحَتَهُ، فَاسْتَقْبَلَ بِهَا النَّاسَ لِيَرَوْا رَسْمَ خَطِيئَتِهِ فِي يَدِهِ

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ لَيْثًا، يَذْكُرُ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " لَمَّا أَصَابَ دَاوُدُ الْخَطِيئَةَ خَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى نَبَتَ مِنْ دُمُوعِ عَيْنَيْهِ مِنَ الْبَقْلِ مَا غَطَّى رَأْسَهُ؛ ثُمَّ نَادَى: رَبِّ قَرُحَ الْجَبِينُ، وَجَمَدَتِ الْعَيْنُ، وَدَاوُدُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ فِي خَطِيئَتِهِ شَيْءٌ، فَنُودِيَ: أَجَائِعٌ فَتُطْعَمُ، أَمْ مَرِيضٌ فَتُشْفَى، أَمْ مَظْلُومٌ فَيُنْتَصَرُ لَكَ؟ قَالَ: فَنَحَبَ نَحْبَةً هَاجَ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ نَبَتَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ غُفِرَ لَهُ وَكَانَتْ خَطِيئَتُهُ مَكْتُوبَةً بِكَفِّهِ يَقْرَءُوهَا، وَكَانَ يُؤْتَى بِالْإِنَاءِ لِيَشْرَبَ فَلَا يَشْرَبُ إِلَّا ثُلُثَهُ أَوْ نِصْفَهُ، وَكَانَ يَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ، فَيَنْحَبُ النَّحْبَةَ تَكَادُ مَفَاصِلُهُ تَزُولُ بَعْضُهَا مِنْ

بَعْضٍ، ثُمَّ مَا يُتِمُّ شَرَابَهُ حَتَّى يَمْلَأَهُ مِنْ دُمُوعِهِ " وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّ دَمْعَةَ دَاوُدَ تَعْدِلُ دَمْعَةَ الْخَلَائِقِ، وَدَمْعَةَ آدَمَ تَعْدِلُ دَمْعَةَ دَاوُدَ وَدَمْعَةَ الْخَلَائِقِ، قَالَ: فَهُوَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، خَطِيئَتُهُ مَكْتُوبَةٌ بِكَفِّهِ، فَيَقُولُ: رَبِّ ذَنْبِي ذَنْبِي قَدِّمْنِي، قَالَ: فَيُقَدَّمُ فَلَا يَأْمَنُ فَيَقُولُ: رَبِّ أَخِّرْنِي فَيُؤَخَّرُ فَلَا يَأْمَنُ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي صَخْرٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ سَمِعَهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَظَرَ إِلَى الْمَرْأَةِ فَأَهَمَّ، قَطَعَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَوْصَى صَاحِبَ الْبَعْثِ، فَقَالَ: إِذَا حَضَرَ الْعَدُوُّ فَقَرِّبْ فُلَانًا بَيْنَ يَدَيِ التَّابُوتِ، وَكَانَ التَّابُوتُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يُسْتَنْصَرُ بِهِ، مَنْ قُدِّمَ بَيْنَ يَدَيِ التَّابُوتِ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَنْهَزِمَ عَنْهُ الْجَيْشُ، فَقُتِلَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ وَنَزَلَ الْمَلَكَانِ عَلَى دَاوُدَ يَقُصَانِ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ، فَفَطِنَ دَاوُدُ فَسَجَدَ، فَمَكَثَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً سَاجِدًا حَتَّى نَبَتَ الزَّرْعُ مِنْ دُمُوعِهِ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَكَلَتِ الْأَرْضُ جَبِينَهُ وَهُوَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ " فَلَمْ أَحْصِ مِنَ الرَّقَاشِيِّ إِلَّا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: " رَبِّ زَلَّ دَاوُدُ زَلَّةً أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، إِنْ لَمْ تَرْحَمْ ضَعْفَ دَاوُدَ وَتَغْفِرْ ذَنْبَهُ، جَعَلْتَ ذَنْبَهُ حَدِيثًا فِي

الْخُلُوفِ مِنْ بَعْدِهِ، فَجَاءَهُ جَبْرَائِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعْدِ الْأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَقَالَ: يَا دَاوُدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ الْهَمَّ الَّذِي هُمِمْتَ بِهِ، فَقَالَ دَاوُدُ: عَلِمْتُ أَنَّ الرَّبَّ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَغْفِرَ لِي الْهَمَّ الَّذِي هَمَمْتُ بِهِ، وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ اللَّهَ عَدْلٌ لَا يَمِيلُ فَكَيْفَ بِفُلَانٍ إِذَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: يَا رَبِّ دَمِي الَّذِي عِنْدَ دَاوُدَ؟ فَقَالَ جَبْرَائِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا سَأَلْتُ رَبَّكَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَئِنْ شِئْتَ لَأَفْعَلَنَّ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَعَرَجَ جِبْرِيلُ وَسَجَدَ دَاوُدُ، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ: قَدْ سَأَلْتُ رَبَّكَ عَزَّ وَجَلَّ يَا دَاوُدَ عَنِ الَّذِي أَرْسَلَتْنِي فِيهِ، فَقَالَ: قُلْ لِدَاوُدَ: إِنَّ اللَّهَ يَجْمَعُكُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: هَبْ لِي دَمَكَ الَّذِي عِنْدَ دَاوُدَ، فَيَقُولُ: هُوَ لَكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنَّ لَكَ فِي الْجَنَّةِ مَا شِئْتَ وَمَا اشْتَهَيْتَ عِوَضًا "

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ جَابِرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: " أَنَّ كِتَابَ صَاحِبِ الْبَعْثِ جَاءَ يَنْعِي مَنْ قَتَلَ، فَلَمَّا قَرَأَ دَاوُدُ نَعْيَ رَجُلٍ مِنْهُمْ رَجَعَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى اسْمِ الرَّجُلِ قَالَ: كَتَبَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ الْمَوْتَ، قَالَ: فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا خَطَبَهَا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: 25] فَعَفَوْنَا عَنْهُ، وَصفَحْنَا لَهُ عَنْ أَنْ نُؤَاخِذَهُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ ذَلِكَ ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ [ص: 25] يَقُولُ: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَلْقُرْبَةَ مِنَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: 25] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: 25] «الذَّنْبَ»

جارٍ التحميل