وَقَوْلُهُ: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: 20] يَقُولُ: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَبِصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ، يَصْطَبِغُ بِالزَّيْتِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَهُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: 20] قَالَ: «هَذَا الزَّيْتُونُ صِبْغٌ لِلْآكِلِينَ، يَأْتُدِمُونَ بِهِ وَيَصْطَبِغُونَ بِهِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَالصِّبْغُ عَطْفٌ عَلَى الدُّهْنِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ [النحل: 66] أَيُّهَا النَّاسُ , ﴿فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: 66] تَعْتَبِرُونَ بِهَا، فَتَعْرِفُونَ بِهَا أَيَادِيَ اللَّهِ عِنْدَكُمْ , وَقُدْرَتَهُ عَلَى مَا يَشَاءُ،
وَأَنَّهُ الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ وَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ شَاءَهُ ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ [المؤمنون: 21] مِنَ اللَّبَنِ الْخَارِجِ مِنْ بَيْنِ الْفَرْثِ وَالدَّمِ.
﴿وَلَكُمْ﴾ [البقرة: 36] مَعَ ذَلِكَ ﴿فِيهَا﴾ [البقرة: 25] يَعْنِي: فِي الْأَنْعَامِ، ﴿مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ [المؤمنون: 21] وَذَلِكَ كَالْإِبِلِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا , وَيُرْكَبُ ظَهْرُهَا , وَيُشْرَبُ دَرُّهَا.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: 5] يَعْنِي: مِنْ لُحُومِهَا تَأْكُلُونَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: 22] يَقُولُ: وَعَلَى الْأَنْعَامِ وَعَلَى السُّفُنِ
تُحْمَلُونَ، عَلَى هَذِهِ فِي الْبَرِّ , وَعَلَى هَذِهِ فِي الْبَحْرِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: 23] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: 25] دَاعِيهِمْ إِلَى طَاعَتِنَا وَتَوْحِيدِنَا وَالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَانَا ﴿فَقَالَ﴾ [البقرة: 31] لَهُمْ نُوحٌ: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [الأعراف: 59] يَقُولُ: قَالَ لَهُمْ:
ذِلُّوا يَا قَوْمِ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59] يَقُولُ: مَا لَكُمْ مِنْ مَعْبُودٍ يَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ غَيْرُهُ.
﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 65] يَقُولُ: أَفَلَا تَخْشَوْنَ بِعِبَادَتِكُمْ غَيْرَهُ عِقَابَهُ أَنْ يَحِلَّ بِكُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: 24] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَقَالَتْ جَمَاعَةُ أَشْرَافِ قَوْمِ نُوحٍ، الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ وَكَذَّبُوهُ، لِقَوْمِهِمْ: مَا نُوحُ
أَيُّهَا الْقَوْمُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، إِنَّمَا هُوَ إِنْسَانٌ مِثْلُكُمْ وَكَبَعْضِكُمْ، ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: 24] يَقُولُ: يُرِيدُ أَنْ يَصِيرَ لَهُ الْفَضْلُ عَلَيْكُمْ، فَيَكُونَ مَتْبُوعًا وَأَنْتُمْ لَهُ تَبَعٌ.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [المؤمنون: 24] يَقُولُ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ لَا نَعْبُدَ شَيْئًا سِوَاهُ لِأَنْزِلَ مَلَائِكَةً، يَقُولُ: لَأَرْسَلَ بِالدُّعَاءِ إِلَى مَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ نُوحٌ مَلَائِكَةً تُؤَدِّي إِلَيْكُمْ رِسَالَتَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ [المؤمنون: 24] الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهٌِ نُوحٌ مِنْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ لَنَا
غَيْرُ اللَّهِ فِي الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، وَهِيَ آبَاؤُهُمُ الْأَوَّلُونَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: 26] يَعْنِي ذَكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الْمَلَأِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِ نُوحٍ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: 25] مَا نُوحٌ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جُنُونٌ.
وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا لِلْجِنِّ جِنَّةٌ، فَيَتَّفِقُ الِاسْمُ وَالْمَصْدَرُ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ هُوَ﴾ [الأنعام: 90] كِنَايَةُ اسْمِ نُوحٍ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: 25] يَقُولُ: فَتَلَبَّثُوا بِهِ، وَتَنَظَّرُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ؛ يَقُولُ: إِلَى وَقْتٍ مَا.
وَلَمْ يَعْنُوا بِذَلِكَ وَقْتًا مَعْلُومًا، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: دَعْهُ إِلَى يَوْمٍ مَا، أَوْ إِلَى وَقْتٍ مَا
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: 26] يَقُولُ: قَالَ نُوحٌ دَاعِيًا رَبَّهُ مُسْتَنْصِرًا بِهِ عَلَى قَوْمِهِ، لَمَّا طَالَ أَمْرُهُ وَأَمْرُهُمْ , وَتَمَادَوْا فِي غَيِّهِمْ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ [المؤمنون: 26] عَلَى قَوْمِي ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: 26] يَعْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّايَ، فِيمَا بَلَّغْتُهُمْ مِنْ رِسَالَتِكَ , وَدَعَوْتُهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِكَ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: 27] يَقُولُ: فَقُلْنَا لَهُ حِينَ اسْتَنْصَرَنَا عَلَى كَفَرَةِ قَوْمِهِ: اصْنَعِ الْفُلْكَ، وَهِيَ السَّفِينَةُ ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: 37] يَقُولُ: بِمَرْأًى مِنَّا وَمَنْظَرٍ، ﴿وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37] يَقُولُ: وَبِتَعْلِيمِنَا إِيَّاكَ صَنْعَتَهَا.
{فَإِذَا
جَاءَ أَمْرُنَا} [المؤمنون: 27] يَقُولُ: فَإِذَا جَاءَ قَضَاؤُنَا فِي قَوْمِكَ، بِعَذَابِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ؛ وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: 40] وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي صِفَةِ التَّنُّورِ وَالصَّوَابَ عِنْدَنَا مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ بِشَوَاهِدِهِ , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: 27] يَقُولُ: فَأَدْخِلْ فِي الْفُلْكِ وَاحْمِلْ.
وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ ﴿فِيهَا﴾ [البقرة: 25] مِنْ ذِكْرِ الْفُلْكِ ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: 40] . يُقَالُ: سَلَكْتُهُ فِي كَذَا , وَأَسْلَكْتُهُ فِيهِ؛ وَمِنْ سَلَكْتُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الوافر]
وَكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيبِ
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَسْلَكْتُ بِالْأَلْفِ؛ وَمِنْهُ قُولُ الْهُذَلِيِّ.
[البحر البسيط]
حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قَتَائِدَةٍ شَلًّا ... كَمَا تَطْرُدِ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: 27] يَقُولُ لِنُوحٍ: اجْعَلْ فِي السَّفِينَةِ مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
. ﴿وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون: 27] وَهُمْ وَلَدُهُ وَنِسَاؤُهُمْ.
﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: 40] مِنَ اللَّهِ بِأَنَّهُ هَالِكٌ فِيمَنْ يَهْلِكُ مِنْ قَوْمِكَ , فَلَا تَحْمِلْهُ مَعَكَ، وَهُوَ يَامُ الَّذِي غَرِقَ " ويعني بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون: 27] مِنْ أَهْلِكَ، وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي قَوْلِهِ ﴿مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون: 27] مِنْ ذِكْرِ الْأَهْلِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾ [هود: 37] الْآيَةُ، يَقُولُ: وَلَا تَسْأَلْنِي فِي الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ أَنْ أُنَجِّيَهُمْ.
﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: 37] يَقُولُ: فَإِنِّي قَدْ حَتَّمْتُ عَلَيْهِمْ أَنْ أُغْرِقَ جَمِيعَهُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: 28] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: 28] فَإِذَا اعْتَدَلَتْ فِي السَّفِينَةِ أَنْتَ وَمَعَكَ مِمَّنْ حَمَلْتَهُ مَعَكَ مِنْ أَهْلِكَ، رَاكِبًا فِيهَا عَالِيًا فَوْقَهَا؛ ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: 28] يَعْنِي مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزَلَنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: 30] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَقُلْ إِذَا سَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَخْرَجَكَ مِنَ الْفُلْكِ فَنَزَلَتْ عَنْهَا: ﴿رَبِّ أَنْزَلَنِي مُنْزَلًا﴾ [المؤمنون: 29] مِنَ الْأَرْضِ ﴿مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ﴾ [المؤمنون: 29] مَنْ أَنْزَلَ عِبَادَهُ
الْمَنَازِلَوَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: 29] قَالَ: «لِنُوحٍ حِينَ نَزَلَ مِنَ السَّفِينَةِ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ.
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿رَبِّ أَنْزَلَنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: 29] بِضَمِّ الْمِيمِ , وَفَتْحِ الزَّايِ.
بِمَعْنَى: أَنْزِلْنِي إِنْزَالًا مُبَارَكًا.
وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ: (مَنْزِلًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ , وَكَسْرِ الزَّايِ.
بِمَعْنَى: أَنْزَلَنِي مَكَانًا مُبَارَكًا وَمَوْضِعًا
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ [يونس: 67] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِيمَا فَعَلْنَا بِقَوْمِ نُوحٍ يَا مُحَمَّدُ مِنْ إِهْلَاكِنَاهُمْ إِذْ كَذَّبُوا رُسُلَنَا , وَجَحَدُوا وَحْدَانِيَّتَنَا , وعَبَدُوا الْآلِهَةَ وَالْأَصْنَامَ، لِعِبَرًا لِقَوْمِكَ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وَعِظَاتٍ , وَحُجَجًا لَنَا، يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى سُنَّتِنَا فِي أَمْثَالِهِمْ، فَيَنْزَجِرُوا عَنْ كُفْرِهِمْ
, وَيَرْتَدِعُوا عَنْ تَكْذِيبِكَ، حَذَرًا أَنْ يُصِيبَهُمْ مِثْلُ الَّذِي أَصَابَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [المؤمنون: 30] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكُنَّا مُخْتَبِرِيهِمْ بِتَذْكِيرِنَا إِيَّاهُمْ بِآيَاتِنَا، لَنَنْظُرَ مَا هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ نُزُولِ عُقُوبَتِنَا بِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: 32] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ أَحْدَثْنَا مِنْ بَعْدِ مَهْلِكِ قَوْمِ نُوحٍ قَرْنًا آخَرِينَ فَأَوْجَدْنَاهُمْ.
﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون: 32] دَاعِيًا لَهُمْ، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: 117] يَا
قَوْمِ، وَأَطِيعُوهُ دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ، فَإِنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لَهُ.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59] يَقُولُ: مَا لَكُمْ مِنْ مَعْبُودٍ يَصْلُحُ أَنْ تَعْبُدُوا سِوَاهُ.
﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 65] أَفَلَا تَخَافُونَ عِقَابَ اللَّهِ بِعِبَادَتِكُمْ شَيْئًا دُونَهُ، وَهُوَ الْإِلَهُ الَّذِي لَا إِلَهَ لَكُمْ سِوَاهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: 33] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَتِ الْأَشْرَافُ مِنْ قَوْمِ الرَّسُولِ الَّذِي أَرْسَلْنَا بَعْدَ نُوحٍ.
وَعُنِيَ بِالرَّسُولِ فِي هَذَا
الْمَوْضِعِ: صَالِحًا، وَبِقَوْمِهِ: ثَمُودَ.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ [المؤمنون: 33] يَقُولُ: الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ.
﴿وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ [المؤمنون: 33] يَعْنِي: كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ
وَقَوْلُهُ: وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يَقُولُ: وَنَعَّمْنَاهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا
بِمَا وَسَّعَنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَعَاشِ وَبَسَطْنَا لَهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، حَتَّى بَطِرُوا وَعَتَوْا عَلَى رَبِّهِمْ وَكَفَرُوا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ: وَقَدْ أُرَانِي بِالدِّيَارِ مُتْرَفَا
وَقَوْلُهُ: مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلَكُمْ يَقُولُ: قَالُوا: بَعَثَ اللَّهُ صَالِحًا إِلَيْنَا رَسُولًا مِنْ بَيْنِنَا، وَخَصَّهُ بِالرِّسَالَةِ دُونَنَا، وَهُوَ إِنْسَانٌ مِثْلُنَا يَأْكُلُ مِمَّا نَأْكُلُ مِنْهُ مِنَ الطَّعَامِ وَيَشْرَبُ مِمَّا نَشْرَبُ، وَكَيْفَ لَمْ يُرْسِلْ مَلَكًا مِنْ عِنْدِهِ يُبَلِّغُنَا رِسَالَتَهُ؟ قَالَ: وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ مَعْنَاهُ: مِمَّا تَشْرَبُونَ مِنْهُ،
فَحَذَفَ مِنَ الْكَلَامِ (مِنْهُ) ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَيَشْرَبُ مِنْ شَرَابِكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: شَرِبْتُ مِنْ شَرَابِكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: 35] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الْمَلَأِ مِنْ قَوْمِ صَالِحٍ لِقَوْمِهِمْ: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ [المؤمنون: 34] فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَقَبِلْتُمْ مَا يَقُولُ وَصَدَّقْتُمُوهُ.
﴿إِنَّكُمْ﴾ [البقرة: 54] أَيُّهَا الْقَوْمُ
﴿إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 90] يَقُولُ: قَالُوا: إِنَّكُمْ إِذَنْ لَمَغْبُونُونَ حُظُوظَكُمْ مِنَ الشَّرَفِ وَالرِّفْعَةِ فِي الدُّنْيَا، بِاتِّبَاعِكُمْ إِيَّاهُ
قَوْلُهُ: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا الْآيَةُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالُوا لَهُمْ: أَيَعِدُكُمْ صَالِحٌ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا فِي قُبُورِكُمْ وَعِظَامًا قَدْ ذَهَبَتْ لُحُومُ أَجْسَادِكُمْ , وَبَقِيَتْ عِظَامُهَا، أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ مِنْ قُبُورِكُمْ أَحْيَاءً كَمَا كُنْتُمْ قَبْلَ مَمَاتِكُمْ؟ وَأُعِيدَتْ (أَنَّكُمْ) مَرَّتَيْنِ،
وَالْمَعْنَى: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا مُخْرَجُونَ مَرَّةً وَاحِدَةً، لَمَّا فَرَّقَ بَيْنَ (أَنَّكُمُ) الْأُولَى وَبَيْنَ خَبَرِهَا بِـ (إِذَا) ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ بِكُلِّ اسْمٍ أَوْقَعَتْ عَلَيْهِ الظَّنَّ وَأَخَوَاتِهِ، ثُمَّ اعْتَرَضَتْ بِالْجَزَاءِ دُونَ خَبَرِهِ، فَتُكَرِّرُ اسْمَهُ مَرَّةً , وَتَحْذِفُهُ أُخْرَى، فَتَقُولُ: أَظُنُّ أَنَّكَ إِنْ جَالَسْتَنَا أَنَّكَ مُحْسِنٌ، فَإِنْ حَذَفْتَ (أَنَّكَ) الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةَ صَلُحَ، وَإِنْ أَثْبَتَّهُمَا صَلُحَ، وَإِنْ لَمْ تَعْتَرِضْ بَيْنَهُمَا بِشَيْءٍ لَمْ يَجُزْ، خَطَأٌ أَنْ يُقَالَ: أَظُنُّ أَنَّكَ أَنَّكَ جَالِسٌ.
وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَيَعِدُكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعَظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: 37]
وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ قَوْلِ الْمَلَأِ مِنْ ثَمُودَ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ [المؤمنون: 36] أَيْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ، مِنْ أَنَّكُمْ بَعْدَ مَوْتِكُمْ وَمَصِيرِكُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا مُخْرَجُونَ أَحْيَاءً مِنْ قُبُورِكُمْ، يَقُولُونَ: ذَلِكَ غَيْرُ كَائِنٍوَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يَقُولُ: «بَعِيدٌ بَعِيدٌ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: 36] قَالَ: «يَعْنِي الْبَعْثَ» وَالْعَرَبُ تُدْخِلُ اللَّامَ مَعَ (هَيْهَاتَ) فِي الِاسْمِ الَّذِي يَصْحَبُهَا، وَتَنْزَعُهَا مِنْهُ، تَقُولُ: هَيْهَاتَ لَكَ هَيْهَاتَ، وَهَيْهَاتَ مَا تَبْتَغِي هَيْهَاتَ؛ وَإِذَا أَسْقَطَتِ اللَّامُ رَفَعَتِ الِاسْمَ , بِمَعْنَى هَيْهَاتَ، كَأَنَّهُ قَالَ: بَعِيدٌ مَا يَنْبَغِي لَكَ؛ كَمَا قَالَ جَرِيرٌ: [البحر الطويل]
فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ الْعَقِيقُ وَمَنْ بِهِ ... وَهَيْهَاتَ خِلٌّ بِالْعَقِيقِ نُوَاصِلُهْ
كَأَنَّهُ قَالَ: الْعَقِيقُ وَأَهْلُهُ.
وَإِنَّمَا دَخَلَتِ اللَّامُ مَعَ هَيْهَاتَ فِي الِاسْمِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: (هَيْهَاتَ) أَدَاةٌ غَيْرُ مَأْخُوذَةٍ مِنْ فِعْلٍ، فَأَدْخَلُوا مَعَهَا فِي الِاسْمِ اللَّامَ.
كَمَا أَدْخَلُوهَا مَعَ هَلُمَّ لَكَ.
إِذْ لَمْ تَكُنْ مَأْخُوذَةً مِنْ فِعْلٍ.
فَإِذَا قَالُوا أَقْبِلْ.
لَمْ يَقُولُوا لَكَ.
لِاحْتِمَالِ الْفِعْلِ ضَمِيرَ الِاسْمِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي كَيْفِيَّةِ الْوَقْفِ عَلَى هَيْهَاتَ، فَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَخْتَارُ الْوقُوفَ فِيهَا بِالْهَاءِ.
لِأَنَّهَا مَنْصُوبَةٌ، وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَخْتَارُ الْوقُوفَ عَلَيْهَا بِالتَّاءِ.
وَيَقُولُ: مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَخْفِضُ التَّاءَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِهَاءِ التَّأْنِيثِ.
فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ: دَرَاكِ , وَنَظَارِ؛ وَأَمَّا نَصْبُ التَّاءِ فِيهِمَا.
فَلِأَنَّهُمَا أَدَاتَانِ.
فَصَارَتَا بِمَنْزِلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ.
وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ: إِنْ قِيلَ: إِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مُسْتَغْنِيَةٌ بِنَفْسِهَا يَجُوزُ الْوقُوفُ عَلَيْهَا.
وَإِنَّ نَصْبَهَا كَنَصْبِ قَوْلِهِ: ثُمَّتَ جَلَسْتُ؛ وَبِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر السريع]
مَاوِيَّ يَا رُبَّتَمَا غَارَةٍ ... شَعْوَاءَ كَاللَّذْعَةِ بِالْمَيْسَمِ
قَالَ: فَنَصْبُ (هَيْهَاتَ) بِمَنْزِلَةِ هَذِهِ الْهَاءِ الَّتِي فِي (رُبَّتَ) لِأَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى حَرْفٍ، عَلَى (رُبَّ) وَعَلَى (ثُمَّ) ، وَكَانَا أَدَاتَيْنِ، فَلَمْ تُغَيِّرْهَا عَنْ أَدَاتِهِمَا فَنُصِبَا.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ.
فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ غَيْرَ أَبِي جَعْفَرٍ: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ [المؤمنون: 36] بِفَتْحِ التَّاءِ فِيهِمَا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ: (هَيْهَاتِ هَيْهَاتِ) بِكَسْرِ التَّاءِ فِيهِمَا.
وَالْفَتْحُ فِيهِمَا هُوَ الْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا , لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: 29] يَقُولُ: مَا حَيَاةٌ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا الَّتِي نَحْنُ فِيهَا ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [المؤمنون: 37] يَقُولُ: تَمُوتُ الْأَحْيَاءُ مِنَّا , فَلَا تَحْيَا , وَيُحْدَثُ آخَرُونَ مِنَّا فَيُولَدُونَ أَحْيَاءً.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: 29] يَقُولُ: قَالُوا: وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَ الْمَمَاتِ
كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَحْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ قَالَ: " يَقُولُ: لَيْسَ آخِرَةٌ وَلَا بَعْثٌ، يَكْفُرُونَ بِالْبَعْثِ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا هِيَ حَيَاتُنَا هَذِهِ , ثُمَّ نَمُوتُ وَلَا نَحْيَا، يَمُوتُ هَؤُلَاءِ , وَيَحْيَا هَؤُلَاءِ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا النَّاسُ كَالزَّرْعِ , يُحْصَدُ هَذَا , وَيَنْبُتُ هَذَا: يَقُولُونَ: يَمُوتُ هَؤُلَاءِ , وَيَأْتِي آخَرُونَ.
وَقَرَأَ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلًٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ , وَقَرَأَ: لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالُوا مَا صَالِحٌ إلَّا رَجُلٌ اخْتَلَقَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فِي قَوْلِهِ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُ اللَّهِ , وَفِي وَعْدِهِ إِيَّاكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ
وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ﴾ [البقرة: 29] مِنْ ذِكْرِ الرَّسُولِ، وَهُوَ صَالِحٌ ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: 38] فِيمَا يَقُولُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُ اللَّهِ، وَفِيمَا يَعِدُنَا مِنَ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ
وَقَوْلُهُ: قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ يَقُولُ: قَالَ صَالِحٌ لَمَّا أَيسَ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِ بِاللَّهِ وَمِنْ تَصْدِيقِهِمْ إِيَّاهُ بِقَوْلِهِمْ وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى هَؤُلَاءِ بِمَا كَذَّبُونِ يَقُولُ: بِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّايَ فِيمَا دَعَوْتُهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ.
فَاسْتَغَاثَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِرَبِّهِ مِنْ أَذَاهُمْ إِيَّاهُ , وَتَكْذِيبِهِمْ لَهُ،
فَقَالَ اللَّهُ لَهُ مُجِيبًا فِي مَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ مَا سَأَلَ: عَنْ قَلِيلٍ يَا صَالِحُ لَيُصْبِحَنَّ مُكَذِّبُوكَ مِنْ قَوْمِكَ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاكَ نَادِمِينَ، وَذَلِكَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمْ نِقْمَتُنَا فَلَا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ