تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 85-95

وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [طه: 53] يَقُولُ: وَأَنْهَجَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ طُرُقًا. وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ فِيهَا: مِنْ ذِكْرِ الْأَرْضِ،

صفحات 85-95
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [طه: 53] أَيْ طُرُقًا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة: 22] يَقُولُ: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ [طه: 53] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ إِنْعَامِهِ عَلَى خَلْقِهِ بِمَا يُحْدِثُ لَهُمْ مِنَ الْغَيْثِ الَّذِي يُنْزِلُهُ مِنْ سَمَائِهِ إِلَى أَرْضِهِ، بَعْدَ تَنَاهِي خَبَرِهِ عَنْ جَوَابِ مُوسَى فِرْعَوْنَ عَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ وَثَنَائِهِ عَلَى رَبِّهِ بِمَا هُوَ

أَهْلُهُ.
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَأَخْرَجْنَا

نَحْنُ أَيُّهَا النَّاسُ بِمَا نُنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ أَزْوَاجًا، يَعْنِي أَلْوَانًا مِنْ نَبَاتِ شَتَّى، يَعْنِي مُخْتَلِفَةَ الطُّعُومِ، وَالْأَرَايِيحِ وَالْمَنْظَرِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ [طه: 53] يَقُولُ: مُخْتَلِفٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: 54] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كُلُوا أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ طَيِّبِ مَا أَخْرَجْنَا لَكُمْ بِالْغَيْثِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ ثِمَارِ ذَلِكَ وَطَعَامِهِ، وَمَا هُوَ مِنْ أَقْوَاتِكُمْ وَغِذَائِكُمْ، وَارْعَوْا فِيمَا هُوَ أَرْزَاقُ بِهَائِمِكُمْ مِنْهُ

وَأَقْوَاتُهَا أَنْعَامَكُمْ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ [يونس: 67] يَقُولُ: إِنَّ فِيمَا وَصَفْتُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ قُدْرَةِ رَبِّكُمْ، وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ لَآيَاتٌ: يَعْنِي لَدَلَالَاتٌ وَعَلَامَاتٌ تَدُلُّ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ رَبِّكُمْ، وَأَنْ لَا إِلَهَ لَكُمْ غَيْرُهُ ﴿أُولِي النُّهَى﴾ يَعْنِي: أَهْلَ الْحِجَى وَالْعُقُولِ.
وَالنُّهَى: جَمْعُ نُهْيَةٍ، كَمَا الْكُشَى: جَمْعُ كُشْيَةٍ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْكُشَى: شَحْمَةٌ تَكُونُ فِي جَوْفِ الضَّبِّ، شَبِيهَةٌ بِالسُّرَّةِ، وَخَصَّ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ آيَاتٌ لِأُولِي النُّهَى، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، وَأَهْلُ التَّدَبُّرِ وَالِاتِّعَاظِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مِنَ الْأَرْضِ خَلَقْنَاكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، فَأَنْشَأْنَاكُمْ أَجْسَامًا نَاطِقَةً.
﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: 55] يَقُولُ: وَفِي الْأَرْضِ نُعِيدُكُمْ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ، فَنُصَيِّرُكُمْ تُرَابًا، كَمَا كُنْتُمْ قَبْلَ إِنْشَائِنَا لَكُمْ بَشَرًا سَوِيًّا.
﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾ [طه: 55] يَقُولُ: وَمِنَ الْأَرْضِ نُخْرِجُكُمْ كَمَا كُنْتُمْ قَبْلَ مَمَاتِكُمْ أَحْيَاءً، فَنُنْشِئُكُمْ مِنْهَا، كَمَا أَنْشَأْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ [الإسراء: 69] يَقُولُ: مَرَّةً أُخْرَى،

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55] يَقُولُ: مَرَّةً أُخْرَى

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55] قَالَ: مَرَّةً أُخْرَى الْخَلْقُ الْآخَرُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: مِنَ الْأَرْضِ أَخْرَجْنَاكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا خَلْقًا سَوِيًّا، وَسُنُخْرِجُكُمْ مِنْهَا بَعْدَ مَمَاتِكُمْ مَرَّةً أُخْرَى، كَمَا أَخْرَجْنَاكُمْ مِنْهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ [طه: 56] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ أَرَيْنَا فِرْعَوْنَ آيَاتِنَا، يَعْنِي أَدِلَّتَنَا وَحُجَجَنَا

عَلَى حَقِيقَةِ مَا أَرْسَلْنَا بِهِ رَسُولَيْنَا، مُوسَى وَهَارُونَ إِلَيْهِ كُلَّهَا ﴿فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ [طه: 56] أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُوسَى وَهَارُونَ مَا جَاءَا بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهُمَا مِنَ الْحَقِّ اسْتِكْبَارًا وَعُتُوًّا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: 58] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ فِرْعَوْنُ لَمَّا أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا لِرَسُولِنَا مُوسَى: أَجِئْتَنَا يَا مُوسَى لِتُخْرِجَنَا مِنْ مَنَازِلِنَا وَدُورِنَا

بِسِحْرِكَ هَذَا الَّذِي جِئْتَنَا بِهِ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ [طه: 58] لَا نَتَعَدَّاهُ، لِنَجِيءَ بِسَحْرٍ مِثْلِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، فَنَنْظُرَ أَيُّنَا يَغْلِبَ صَاحِبَهُ، لَا نُخْلِفُ ذَلِكَ الْمَوْعِدَ ﴿نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: 58] يَقُولُ: بِمَكَانٍ عَدْلٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ وَنِصْفٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: (مَكَانًا سِوًى) بِكَسْرِ السِّينِ، وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: 58] بِضَمِّهَا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، أَنَّهُمَا لُغَتَانِ، أَعْنِي

الْكِسَرَ وَالضَّمَّ فِي السِّينِ مِنْ «سِوَى» مَشْهُورَتَانِ فِي الْعَرَبِ.
وَقَدْ قَرَأَتْ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ، مَعَ اتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
وَلِلْعَرَبِ فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْعَدْلِ وَالنُّصْبُ لُغَةٌ هِيَ أَشْهَرُ مِنَ الْكَسْرِ وَالضَّمِّ وَهُوَ الْفَتْحُ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64] وَإِذَا فَتَحَ السِّينَ مِنْهُ مَدَّ.
وَإِذَا كُسِرَتْ أَوْ ضُمَّتْ قُصِرَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] فَإِنَّ أَبَانَا كَانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ ... سُوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلَانَ وَالْفِزْرِ وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ: طُوَى، وَطَوَى، وَثنى وَثنى، وَعَدَى، وَعُدَى.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: 58] قَالَ: مُنْصِفًا بَيْنَهُمْ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِنَحْوِهِ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: 58] أَيْ عَادِلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: 58] قَالَ: نِصْفًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ

حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: 58] قَالَ: يَقُولُ: عَدْلًا

وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ، يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه: 58] قَالَ: مَكَانًا مُسْتَوِيًا يَتَبَيَّنُ لِلنَّاسِ مَا فِيهِ، لَا يَكُونُ صَوْبٌ وَلَا شَيْءٌ فَيَغِيبُ بَعْضُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضٍ مُسْتَوْ حِينَ يُرَى

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾ [طه: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ، حِينَ سَأَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَوْعِدًا

لِلِاجْتِمَاعِ: مَوْعِدُكُمْ لِلِاجْتِمَاعِ ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: 59] يَعْنِي يَوْمَ عِيدٍ كَانَ لَهُمْ، أَوْ سُوقٍ كَانُوا يَتَزَيَّنُونَ فِيهِ ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾ [طه: 59] يَقُولُ: وَأَنْ يُسَاقَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ وَنَاحِيَةٍ ﴿ضُحًى﴾ [الأعراف: 98] فَذَلِكَ مَوْعِدٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ لِلِاجْتِمَاعِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: 59] فَإِنَّهُ يَوْمُ زِينَةٍ يَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَيُحْشَرُ النَّاسُ لَهُ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: 59] قَالَ: يَوْمُ زِينَةٍ لَهُمْ، وَيَوْمُ عِيدٍ لَهُمْ ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: 59] إِلَى عِيدٍ لَهُمْ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: 59] قَالَ: يَوْمُ السُّوقِ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: 59] مَوْعِدُهُمْ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ مُوسَى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: 59] وَذَلِكَ يَوْمُ عِيدٍ لَهُمْ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: 59] يَوْمُ عِيدٍ كَانَ لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: 59] يَجْتَمِعُونَ لِذَلِكَ الْمِيعَادِ الَّذِي وَعَدُوهُ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: 59] قَالَ: يَوْمُ الْعِيدِ، يَوْمُ يَتَفَرَّغُ النَّاسُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَيَشْهَدُونَ وَيَحْضُرُونَ وَيَرَوْنَ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: 59] يَوْمُ عِيدٍ كَانَ فِرْعَوْنُ يَخْرُجُ لَهُ ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: 59] حَتَّى يَحْضُرُوا أَمْرِي وَأَمْرَكَ وَأَنْ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: 59] رُفِعَ بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه: 59]

وَذُكِرَ عَنْ أَبِي نَهِيكٍ فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَهِيكٍ، يَقُولُ: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: 59] يَعْنِي فِرْعَوْنُ يَحْشُرُ قَوْمَهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ [طه: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَدْبَرَ فِرْعَوْنُ مُعْرِضًا عَمَّا أَتَاهُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: 60] يَقُولُ: فَجَمَعَ مَكْرَهُ، وَذَلِكَ جَمْعُهُ سَحَرَتَهُ بَعْدَ أَخْذِهِ إِيَّاهُمْ بِتَعَلُّمِهِ ﴿ثُمَّ أَتَى﴾ [طه: 60] يَقُولُ: ثُمَّ جَاءَ لِلْمَوْعِدِ الَّذِي وَعَدَهُ مُوسَى، وَجَاءَ بِسَحَرَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: 61] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ مُوسَى لِلسَّحَرَةِ لَمَّا جَاءَ بِهِمْ فِرْعَوْنُ: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه: 61] يَقُولُ: لَا تَخْتَلِفُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، وَلَا تَتَقَوَّلُوهُ.
﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾

[طه: 61] فَيَسْتَأْصِلَكُمْ بِهَلَاكٍ فَيُبِيدَكُمْ.
وَلِلْعَرَبِ فِيهِ لُغَتَانِ: سَحَتَ، وَأَسْحَتَ، وَسَحَتَ أَكْثَرُ مِنْ أَسْحَتَ، يُقَالُ مِنْهُ: سَحَتَ الدَّهْرُ، وَأَسْحَتَ مَالُ فُلَانٍ: إِذَا أَهْلَكَهُ فَهُوَ يَسْحَتُهُ سَحْتًا، وَأَسْحَتَهُ يُسْحِتُهُ إِسْحَاتًا.
وَمِنَ الْإِسْحَاتِ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ: [البحر الطويل]

وَعَضُّ زَمَانٍ يَا ابْنَ مَرْوَنَ لَمْ يَدَعْ ... مِنَ الْمَالِ إِلَّا مُسْحَتًا أَوْ مُجَلَّفُ وَيُرْوَى: إِلَّا مُسْحَتٌ أَوْ مُجَلَّفُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: 61] يَقُولُ: فَيُهْلِكَكُمْ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: 61] يَقُولُ: يَسْتَأْصِلَكُمْ بِعَذَابٍ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: 61] قَالَ: فَيَسْتَأْصِلَكُمْ بِعَذَابٍ فَيُهْلِكَكُمْ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: 61] قَالَ: يُهْلِكُكُمْ هَلَاكًا لَيْسَ فِيهِ بَقِيَّةٌ، قَالَ: وَالَّذِي يُسْحَتُ لَيْسَ فِيهِ بَقِيَّةٌ

حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: 61] يَقُولُ يُهْلِكُكُمْ بِعَذَابٍ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (فَيَسْحَتَكُمْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ سَحَتَ يَسْحَتُ.
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ [طه: 61] بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَسْحَتَ يُسْحِتُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَلُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، غَيْرَ أَنَّ الْفَتْحَ فِيهَا أَعْجَبُ إِلَيَّ لِأَنَّهَا لُغَةُ أَهْلِ الْعَالِيَةِ، وَهِيَ أَفْصَحُ، وَالْأُخْرَى وَهِيَ الضَّمُّ فِي نَجْدٍ

جارٍ التحميل