وَقَوْلُهُ: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 8] يَقُولُ: وَتَنْزِيهًا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، مِمَّا يَصِفُهُ بِهِ الظَّالِمُونَ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ، يَا مُوسَى لَا تَخَفْ، إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ.
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِهِ لِمُوسَى: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ [النمل: 9] فِي نِقْمَتِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 32] فِي تَدْبِيرِهِ فِي خَلْقِهِ.
وَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ﴾ [البقرة: 37] هَاءَ عِمَادٍ، وَهُوَ اسْمٌ لَا يَظْهَرُ فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: يَقُولُ هِيَ الْهَاءُ الْمَجْهُولَةُ، وَمَعْنَاهَا: أَنَّ الْأَمْرَ وَالشَّأْنَ: أَنَا اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ، فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ [النمل: 10] فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ تُرِكَ ذِكْرُهُ اسْتِغْنَاءً بِمَا ذُكِرَ عَمَّا حُذِفَ، وَهُوَ: فَأَلْقَاهَا فَصَارَتْ حَيَّةً تَهْتَزُّ.
﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [النمل: 10] يَقُولُ: كَأَنَّهَا حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَالْجَانُّ: جِنْسٌ مِنَ الْحَيَّاتِ مَعْرُوفٌ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [النمل: 10] قَالَ: حِينَ تَحَوَّلَتْ حَيَّةً تَسْعَى ". وَهَذَا الْجِنْسُ مِنَ الْحَيَّاتِ عَنَى الرَّاجِزُ بِقَوْلِهِ: [البحر الرجز] يَرْفَعْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا مَا أَسْدَفَا أَعْنَاقَ جِنَّانٍ وَهَامًا رُجَّفَا وَعَنَقًا بَعْدَ الرَّسِيمِ خَيْطَفَا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ [النمل: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَّى مُوسَى هَارِبًا خَوْفًا مِنْهَا.
﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: 10] يَقُولُ: وَلَمْ يَرْجِعْ؛ مِنْ قَوْلِهِمْ: عَقَّبَ فُلَانٌ: إِذَا رَجَعَ عَلَى عَقِبِهِ إِلَى حَيْثُ بَدَأَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: 10] قَالَ: لَمْ يَرْجِعْ ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «لَمْ يَلْتَفِتْ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: 10] قَالَ: لَمْ يَرْجِعْ، ﴿يَا مُوسَى﴾ [النمل: 9] قَالَ: لَمَّا أَلْقَى الْعَصَا صَارَتْ حَيَّةً، فَرُعِبَ مِنْهَا وَجَزَعَ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 10] قَالَ: فَلَمْ يَرْعَوِ لِذَلِكَ، قَالَ: فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ، إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: 31] قَالَ: فَلَمْ يَقِفْ أَيْضًا عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا حَتَّى قَالَ: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: 21] قَالَ: فَالْتَفَتَ فَإِذَا هِيَ عَصًا كَمَا كَانَتْ، فَرَجَعَ فَأَخَذَهَا، ثُمَّ قَوِيَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ يُرْسِلُهَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَيَأْخُذُهَا "
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مِنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا مُوسَى لَا تَخَفْ مِنْ هَذِهِ الْحَيَّةِ، إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ: يَقُولُ: إِنِّي لَا يَخَافُ عِنْدِي رُسُلِي وَأَنْبِيَائِي الَّذِينَ أَخْتَصُّهُمْ بِالنُّبُوَّةِ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ، فَعَمِلَ بِغَيْرِ الَّذِي أُذِنَ لَهُ فِي
الْعَمَلِ بِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَوْلُهُ: " ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ، إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 10] قَالَ: لَا يُخِيفُ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ إِلَّا بِذَنْبٍ يُصِيبُهُ أَحَدُهُمْ، فَإِنْ أَصَابَهُ أَخَافَهُ حَتَّى يَأْخُذَهُ مِنْهُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ الْفَزَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَوْلُهُ: " ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ.
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: 11] قَالَ: إِنِّي إِنَّمَا أَخَفْتُكَ لِقَتْلِكَ النَّفْسَ، قَالَ: وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تُذْنِبُ فَتُعَاقَبُ ". وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مَعَ وَعْدِ اللَّهِ الْغُفْرَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 10] بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: 11] . وَحُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ بِخِلَافِ مَعْنَى مَا قَبْلَهُ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ إِنْ كَانَ مَا قَبْلَهُ مَنْفِيًّا مُثْبَتًا كَقَوْلِهِ: مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ،
فَزِيدٌ مُثْبَتٌ لَهُ الْقِيَامُ، لِأَنَّهُ مُسْتَثْنَى مِمَّا قَبْلَ إِلَّا، وَمَا قَبْلَ إِلَّا مَنْفِيُّ عَنْهُ الْقِيَامُ، وَأَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهُ إِنْ كَانَ مَا قَبْلَهُ مُثْبَتًا مَنْفِيًّا كَقَوْلِهِمْ: قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا؛ فَزَيْدٌ مَنِفِيُّ عَنْهُ الْقِيَامُ؛ وَمَعْنَاهُ: إِنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُمْ، وَالْقَوْمُ مُثْبَتٌ لَهُمُ الْقِيَامُ، ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ، ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ [النمل: 11] ، فَقَدْ أَمَّنَهُ اللَّهُ بِوَعْدِهِ الْغُفْرَانَ وَالرَّحْمَةَ، وَأَدْخِلَهُ فِي عِدَادِ مَنْ لَا يَخَافُ لَدَيْهِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: أُدْخِلَتْ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّ إِلَّا تَدْخُلُ فِي مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ، كَمَثَلِ قَوْلِ الْعَرَبِ: مَا أَشْتَكِي إِلَّا خَيْرًا؛ فَلَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهُ: إِلَّا خَيْرًا عَلَى الشَّكْوَى، وَلَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: مَا أَشْتَكِي شَيْئًا أَنْ يَذْكُرَ عَنْ نَفْسِهِ خَيْرًا، كَأَنَّهُ قَالَ: مَا أَذْكُرُ إِلَّا خَيْرًا.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: يَقُولُ الْقَائِلُ: كَيْفَ صَيَّرَ خَائِفًا مَنْ ظَلَمَ، ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ، وَهُوَ مَغْفُورٌ لَهُ؟ فَأَقُولُ لَكَ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الرُّسُلَ مَعْصُومَةٌ مَغْفُورٌ لَهَا آمِنَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا فَهُوَ يَخَافُ وَيَرْجُو، فَهَذَا وَجْهٌ.
وَالْآخَرُ: أَنْ يَجْعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الَّذِينَ تُرِكُوا فِي الْكَلِمَةِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، إِنَّمَا الْخَوْفُ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾ [النمل: 11] يَقُولُ: كَانَ مُشْرِكًا، فَتَابَ مِنَ الشِّرْكِ، وَعَمِلَ حَسَنًا، فَذَلِكَ مَغْفُورٌ لَهُ، وَلَيْسَ يَخَافُ.
قَالَ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إِنَّ إِلَّا فِي اللُّغَةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ: لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، وَلَا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا، قَالَ:
وَجَعَلُوا مِثْلَهُ كَقَوْلِ اللَّهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حَجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] قَالَ: وَلَمْ أَجِدِ الْعَرَبِيَّةَ تَحْتَمِلُ مَا قَالُوا، لِأَنِّي لَا أُجِيزُ: قَامَ النَّاسُ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ قَائِمٌ؛ إِنَّمَا مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءُ أَنْ يَخْرُجَ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ إِلَّا مِنْ مَعْنَى الْأَسْمَاءِ الَّتِي قَبْلَ إِلَّا.
وَقَدْ أُرَاهُ جَائِزًا أَنْ يَقُولَ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ سِوَى أَلْفٍ آخَرَ؛ فَإِنْ وَضَعْتَ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ صَلَحَتْ، وَكَانَتْ إِلَّا فِي تَأْوِيلِ مَا قَالُوا، فَأَمَّا مُجَرَّدَةً قَدِ اسْتَثْنَى قَلِيلَهَا مِنْ كَثِيرِهَا فَلَا، وَلَكِنْ مِثْلُهُ مِمَّا يَكُونُ مَعْنَى إِلَّا كَمَعْنَى الْوَاوِ، وَلَيْسَتْ بِهَا قَوْلُهُ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ هُوَ فِي الْمَعْنَى.
وَالَّذِي شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الزِّيَادَةِ، فَلَا تُجْعَلْ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ، وَلَكِنْ بِمَنْزِلَةِ سِوَى؛ فَإِذَا كَانَتْ «سِوَى» فِي مَوْضِعِ «إِلَّا» صَلَحَتْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، لِأَنَّكَ تَقُولُ: عِنْدِي مَالٌ كَثِيرٌ سِوَى هَذَا: أَيْ وَهَذَا عِنْدِي، كَأَنَّكَ قُلْتَ: عِنْدِي مَالٌ كَثِيرٌ وَهَذَا أَيْضًا عِنْدِي، وَهُوَ فِي سِوَى أَبْعَدُ مِنْهُ فِي إِلَّا، لِأَنَّكَ تَقُولُ: عِنْدِي سِوَى هَذَا، وَلَا تَقُولُ: عِنْدِي إِلَّا هَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ﴾ [النمل: 11] عِنْدِي غَيْرُ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، بَلْ هُوَ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَمَنْ قَالَ قَوْلَهُمَا، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النساء: 148] اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ مِنْ قَوْلِهِ ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: 10] مِنْهُمْ فَأَتَى ذَنْبًا، فَإِنَّهُ خَائِفٌ لَدَيْهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَعْنَى قِيلِ اللَّهِ لِمُوسَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ قَالَ: «إِنِّي إِنَّمَا أَخَفْتُكَ لِقَتْلِكَ النَّفْسَ» .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا وَجْهُ قِيلِهِ إِنْ كَانَ قَوْلُهُ ﴿إِلَّا مِنْ ظَلَمَ﴾ [النساء: 148] اسْتِثْنَاءً صَحِيحًا، وَخَارِجًا مِنْ عِدَادِ مَنْ لَا يَخَافُ لَدَيْهِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَكَيْفَ يَكُونُ خَائِفًا مَنْ كَانَ قَدْ وُعِدَ الْغُفْرَانَ وَالرَّحْمَةَ؟ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ [النمل: 11] كَلَامٌ آخَرُ بَعْدَ الْأَوَّلِ، وَقَدْ تَنَاهَى الْخَبَرُ عَنِ الرُّسُلِ مَنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يَظْلِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النساء: 148] ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَمَّنْ ظَلَمَ مِنَ الرُّسُلِ وَسَائِرِ النَّاسِ غَيْرِهِمْ.
وَقِيلَ: فَمَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي لَهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَعَلَامَ تَعْطِفُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتَ بِثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿ظَلَمَ﴾ [النمل: 11] قِيلَ: عَلَى مَتْرُوكٍ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ [النمل: 11] عَلَيْهِ عَنْ إِظْهَارِهِ، إِذْ كَانَ قَدْ جَرَى قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ نَظِيرُهُ، وَهُوَ: فَمَنْ ظَلَمَ مِنَ الْخَلْقِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، فَقَدْ قَالُوا عَلَى مَذْهِبِ الْعَرَبِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ أَغْفَلُوا مَعْنَى الْكَلِمَةِ وَحَمَلُوهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا مِنَ التَّأْوِيلِ.
وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْكَلَامُ عَلَى وَجْهِهِ مِنَ التَّأْوِيلَ، وَيَلْتَمِسُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ لِلْإِعْرَابِ فِي الصِّحَّةِ مَخْرَجٌ، لَا عَلَى إِحَالَةِ الْكَلِمَةِ عَنْ مَعْنَاهَا وَوَجْهِهَا الصَّحِيحِ مِنَ التَّأْوِيلِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ [النمل: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَنْ أَتَى ظُلْمًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، وَرَكِبَ مَأْثَمًا، ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا، يَقُولُ: ثُمَّ تَابَ مِنْ ظُلْمِهِ ذَلِكَ وَرُكُوبِهِ الْمَأْثَمَ، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ﴾ [النمل: 11] يَقُولُ: فَإِنِّي سَاتِرٌ عَلَى ذَنْبِهِ وَظُلْمِهِ ذَلِكَ
بِعَفْوِي عَنْهُ، وَتَرْكِ عُقُوبَتِهِ عَلَيْهِ ﴿رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 143] بِهِ أَنْ أُعَاقِبَهُ بَعْدَ تَبْدِيلِهِ الْحَسَنَ بِضِدِّهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ [النمل: 11] ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِ إِسَاءَتِهِ ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: 11] "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِهِ لِنَبِيِّهِ مُوسَى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل: 12] ذَكَرَ أَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَرَهُ أَنْ يُدْخِلَ كَفَّهُ فِي جَيْبِهِ؛ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِإِدْخَالِهِ فِي جَيْبِهِ،
لِأَنَّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَكُنْ لَهَا كُمٌّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ كُمُّهَا إِلَى بَعْضِ يَدِهِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل: 12] قَالَ:
الْكَفُّ فَقَطْ فِي جَيْبِكَ.
قَالَ: كَانَتْ مِدْرَعَةٌ إِلَى بَعْضِ يَدِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهَا كُمٌّ أَمَرَهُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي كُمِّهِ "
قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «إِنَّ مُوسَى أَتَى فِرْعَوْنَ حِينَ أَتَاهُ فِي ذُرْمَانِقَةٍ، يَعْنِي جُبَّةَ صُوفٍ»
وَقَوْلُهُ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ [طه: 22] يَقُولُ: تَخْرُجُ الْيَدُ بَيْضَاءَ بِغَيْرِ لَوْنِ مُوسَى مِنْ ﴿غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: 22] يَقُولُ: مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: 12] ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، فَهِيَ آيَةٌ فِي تِسْعِ آيَاتٍ مُرْسَلٌ أَنْتَ بِهِنَّ إِلَى فِرْعَوْنَ؛ وَتَرَكَ ذِكْرَ مُرْسَلٍ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل: 12] عَلَى أَنَّ
ذَلِكَ مَعْنَاهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
رَأَتْنِي بِحَبْلَيْهَا فَصَدَّتْ مَخَافَةً ... وَفِي الْحَبْلِ رَوْعَاءُ الْفُؤَادِ فَرُوقُ
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: رَأَتْنِي مُقْبِلًا بِحَبْلَيْهَا، فَتَرَكَ ذِكْرَ مُقْبِلٍ اسْتِغْنَاءً بِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ، إِذْ قَالَ: رَأَتْنِي بِحَبْلَيْهَا؛ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرَةٌ.
وَالْآيَاتُ التِّسْعُ: هُنَّ الْآيَاتُ الَّتِي بَيَّنَّاهُنَّ فِيمَا مَضَى.
وَقَدْ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل: 12] قَالَ: هِيَ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ: الْعَصَا، وَالْيَدُ، وَالْجَرَادُ، وَالْقُمَّلُ، وَالضَّفَادِعُ، وَالطُّوفَانُ، وَالدَّمُ، وَالْحَجَرُ، وَالطَّمْسُ الَّذِي أَصَابَ
آلَ فِرْعَوْنَ فِي أَمْوَالِهِمْ "
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: 12] يَقُولُ: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مِنَ الْقِبْطِ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، يَعْنِي كَافِرِينَ بِاللَّهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْفِسْقِ فِيمَا مَضَى.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ.
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا، فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا جَاءَتْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ آيَاتُنَا، يَعْنِي أَدِلَّتَنَا وَحُجَجَنَا، عَلَى حَقِيقَةِ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مُوسَى وَصِحَّتِهِ،
وَهِيَ الْآيَاتُ التِّسْعُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا قَبْلُ.