تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 491-500

وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: 8] يَقُولُ: ذَهَبَ ضَوْءُ الْقَمَرِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

صفحات 491-500
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: 13] قَالَ: مَا أَخَّرَ مَا تَرَكَ مِنَ الْعَمَلِ لَمْ يَعْمَلْهُ، مَا تَرَكَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وَمَا قَدَّمَ: مَا عَمِلَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُنَبَّأُ بِكُلِّ مَا قَدَّمَ أَمَامَهُ مِمَّا عَمِلَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فِي حَيَاتِهِ، وَأَخَّرَ بَعْدَهُ مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ مِمَّا قَدَّمَ وَأَخَّرَ، كَذَلِكَ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ عَمِلَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَأَخَّرَ بَعْدَهُ مِنْ عَمَلٍ كَانَ عَلَيْهِ فَضَيَّعَهُ، فَلَمْ يَعْمَلْهُ مِمَّا قَدَّمَ وَأَخَّرَ، وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُنَبَّأُ بِهِ الْإِنْسَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: بَلْ لِلْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ رُقَبَاءُ يَرْقُبُونَهُ بِعَمَلِهِ، وَيَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14] يَقُولُ: سَمُعُهُ وَبَصَرُهُ وَيَدَاهُ وَرِجْلَاهُ

وَجَوَارِحُهُ وَالْبَصِيرَةُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ جَوَارِحِ ابْنِ آدَمَ وَهِيَ مَرْفُوعَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ [القيامة: 14] وَالْإِنْسَانُ مَرْفُوعٌ بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْرِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿نَفْسِهِ﴾ [القيامة: 14] . وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: بَلِ الْإِنْسَانُ شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ وَحْدَهُ؛ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ جَعَلَ الْبُصَيْرَةَ خَبَرًا لِلْإِنْسَانِ، وَرَفَعَ الْإِنْسَانَ بِهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14] يَقُولُ: الْإِنْسَانُ شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ وَحْدَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14] قَالَ: شَاهِدٌ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14] إِذَا شِئْتُ وَاللَّهِ رَأَيْتُهُ بَصِيرًا بِعُيُوبِ النَّاسِ وَذُنُوبِهِمْ، غَافِلًا عَنْ ذُنُوبِهِ؛ قَالَ: وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّ فِي الْإِنْجِيلِ مَكْتُوبًا: يَا ابْنَ آدَمَ تُبْصِرُ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيكَ،

وَلَا تُبْصِرُ الْجِذْعَ الْمُعْتَرِضَ فِي عَيْنِكَ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14] قَالَ: هُوَ شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَرَأَ: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14] وَمَنْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ يَقُولُ: أُدْخِلَتِ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَصِيرَةٌ﴾ [يوسف: 108] وَهِيَ خَبَرٌ لِلْإِنْسَانٍ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: أَنْتَ حُجَّةٌ عَلَى نَفْسِكَ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ نَحْوِيِّ الْبَصْرَةِ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: أُدْخِلَتْ هَذِهِ الْهَاءُ فِي بَصِيرَةً وَهِيَ صِفَةٌ لِلذَّكَرِ، كَمَا أُدْخِلَتْ فِي رَاوِيَةٍ وَعَلَّامَةٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 15] اخْتَلَفَ أَهْلُ الرِّوَايَةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: بَلْ لِلْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ شُهُودٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَوِ اعْتَذَرَ بِالْقَوْلِ مِمَّا قَدْ أَتَى مِنَ الْمَآثِمِ، وَرَكِبَ مِنَ الْمَعَاصِي، وَجَادَلَ بِالْبَاطِلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 15] يَعْنِي الِاعْتِذَارَ، أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: 52] وَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ وَقَوْلُهُمْ: ﴿وَاللَّهِ رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23]

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14] قَالَ: شَاهِدٌ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوِ اعْتَذَرَ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 15] وَلَوْ جَادَلَ عَنْهَا، فَهُوَ بَصِيرَةٌ عَلَيْهَا

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عِكْرِمَةَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 15] قَالَ: فَسَكَتَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ الْحَسَنَ يَقُولُ: ابْنُ آدَمَ عَمَلُكَ أَوْلَى بِكَ.
قَالَ: صَدَقَ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 15] قَالَ: مَعَاذِيرُهُمُ الَّتِي يَعْتَذِرُونَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، قَالَ: يَوْمَ لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ وَيَوْمَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُوَنَ فَلَا تَنْفَعُهُمْ، وَيَعْتَذِرُونَ بِالْكَذِبِ

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: بَلْ لِلْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ تَجَرَّدَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوَفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 15] قَالَ: لَوْ تَجَرَّدَ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَوْ أَرْخَى السُّتُورَ وَأَغْلَقَ الْأَبْوَابَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، قَالَ: ثنا رَوَّادٌ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 15] وَلَوْ أَرْخَى السُّتُورَ، وَأَغْلَقَ الْأَبْوَابَ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 15] لَمْ تُقْبَلْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ خَالِدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 15] لَمْ تُقْبَلْ مَعَاذِيرُهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 15] قَالَ: وَلَوِ اعْتَذَرَ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: وَلَوِ اعْتَذَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ أَشْبَهُ الْمَعَانِي بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنِ الْإِنْسَانِ أَنَّ عَلَيْهِ شَاهِدًا مِنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14] فَكَانَ الَّذِي هُوَ أَوْلَى أَنْ يُتْبَعَ ذَلِكَ، وَلَوْ جَادَلَ عَنْهَا بِالْبَاطِلِ، وَاعْتَذَرَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَشَهَادَةُ نَفْسِهِ عَلَيْهِ بِهِ أَحَقُّ وَأَوْلَى مِنَ اعْتِذَارِهِ بِالْبَاطِلِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تُحَرِّكْ يَا مُحَمَّدُ بِالْقُرْآنِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ لَهُ:

﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ عَجِلَ بِهِ، يُرِيدُ حِفْظَهُ مِنْ حُبِّهِ إِيَّاهُ، فَقِيلَ لَهُ: لَا تَعْجَلْ بِهِ فَإِنَّا سَنَحْفَظُهُ عَلَيْكَ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ تَعَجَّلَ يُرِيدُ حِفْظَهُ

فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 17] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَكَذَا، وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ

حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْهَبَّارِيُّ وَيُونُسُ قَالَا: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ تَعَجَّلَ بِهِ يُرِيدُ حِفْظَهُ؛ وَقَالَ يُونُسُ: يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ لِيَحْفَظَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 17] . حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْهَبَّارِيُّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَائِشَةَ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: 16] قَالَ: هَكَذَا، وَحَرَّكَ سُفْيَانُ فَاهُ

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16] قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ، كَانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ، فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ، فَكَانَ يُعْرَفُ ذَلِكَ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: 17] وَقُرْآنَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، حَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَيُعْرَفُ بِذَلِكَ، فَحَاكَاهُ سَعِيدٌ، فَقَالَ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16] قَالَ: لِتَعْجَلَ بِأَخْذِهِ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16] . قَالَ: كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَنْزِلُ بِالْقُرْآنِ، فَيُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ، يَسْتَعْجِلُ بِهِ، فَقَالَ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16]

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا رِبْعِيُّ ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16] قَالَ: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ عَجِلَ يَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ حُبِّهِ إِيَّاهُ، فَنَزَلَ ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 17]

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16] قَالَ: لَا تَكَلَّمْ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ حَتَّى يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، فَإِذَا قَضَيْنَا إِلَيْكَ وَحْيَهُ، فَتَكَلَّمْ بِهِ

حُدِّثْتُ، عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمَعْتُ

الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: 16] قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ مِنَ الْقُرْآنِ حَرَّكَ بِهِ لِسَانَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَنْسَاهُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ، أَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ مَخَافَةَ نِسْيَانِهِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16] إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ لَكَ، وَنُقْرِئَكَهُ فَلَا تَنْسَى

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16] قَالَ: كَانَ لَا يَفْتُرُ مِنَ الْقُرْآنِ مَخَافَةَ أَنْ يَنْسَاهُ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16] إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ لَكَ ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 17] أَنْ نُقْرِئَكَ فَلَا تَنْسَى

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: 16] قَالَ: كَانَ يَسْتَذْكِرُ الْقُرْآنَ مَخَافَةَ النِّسْيَانِ، فَقَالَ لَهُ: كَفَيْنَاكَهُ يَا مُحَمَّدُ

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا أَبُو رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ لِيَسْتَذْكِرَهُ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16] إِنَّا

سَنَحْفَظُهُ عَلَيْكَ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16] كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ مَخَافَةَ النِّسْيَانِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ مَا تَسْمَعُ

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: 16] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيُكْثِرُ مَخَافَةَ أَنْ يَنْسَى وَأَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ، الْقَوْلُ الَّذِي ذُكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 17] يُنْبِئُ أَنَّهُ إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ تَحْرِيكِ اللِّسَانِ بِهِ مُتَعَجِّلًا فِيهِ قَبْلَ جَمِعِهِ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ دِرَاسَتَهُ لِلتَّذَكُّرِ إِنَّمَا كَانَتْ تَكُونُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعْدِ جَمْعِ اللَّهِ لَهُ مَا يَدْرُسُ مِنْ ذَلِكَ

جارٍ التحميل