تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 416-425

وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [فصلت: 25] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَوَجَبَ لَهُمُ الْعَذَابُ بِرُكُوبِهِمْ مَا رَكِبُوا مِمَّا زَيَّنَ لَهُمْ قُرَنَاؤُهُمْ وَهُمْ مِنَ الشَّيَاطِينِ

صفحات 416-425
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [فصلت: 25] قَالَ: «الْعَذَابُ» ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت: 25] ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَحَقَّ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ مِنَ الشَّيَاطِينِ، فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمُ الْعَذَابَ فِي أُمَمٍ قَدْ مَضَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ ضُرَبَائِهِمْ، حَقَّ عَلَيْهِمْ مِنْ عَذَابِنَا مِثْلُ الَّذِي حَقَّ عَلَى هَؤُلَاءِ، بَعْضُهُمْ مِنَ الْجِنِّ وَبَعْضُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت: 25] يَقُولُ: إِنَّ تِلْكَ الْأُمَمَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ عَذَابُنَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، كَانُوا مَغْبُونِينَ بِبَيْعِهِمْ رِضَا اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِسَخْطِهِ وَعَذَابِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [إبراهيم: 13] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾

[فصلت: 26] يَقُولُ: قَالُوا لِلَّذِينَ يُطِيعُونَهُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: لَا تَسْمَعُوا لِقَارِئِ هَذَا الْقُرْآنِ إِذَا قَرَأَهُ، وَلَا تُصْغُوا لَهُ، وَلَا تَتَّبِعُوا مَا فِيهِ فَتَعْمَلُوا بِهِ

كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26] قَالَ: " هَذَا قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا: لَا تَتَّبِعُوا هَذَا الْقُرْآنَ وَالْهُوا عَنْهُ "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: 26] يَقُولُ: الْغَطُوا بِالْبَاطِلِ مِنَ الْقَوْلِ إِذَا سَمِعْتُمْ قَارِئَهُ يَقْرَؤُهُ كَيْمَا لَا تَسْمَعُوهُ، وَلَا تَفْهَمُوا مَا فِيهِ

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: 26] قَالَ: «الْمُكَاءُ وَالتَّصْفِيرِ، وَتَخْلِيطٌ مِنَ الْقَوْلِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ، قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: 26] قَالَ: «بِالْمُكَاءِ وَالتَّصْفِيرِ وَالتَّخْلِيطِ فِي الْمَنْطِقِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ، قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: 26] " أَيِ اجْحَدُوا بِهِ وَانْكُرُوهُ وَعَادُوهُ، قَالَ: هَذَا قَوْلُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: " قَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: 26] قَالَ: «تَحَدَّثُوا وَصِيحُوا كَيْمَا لَا تَسْمَعُوهُ»

وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26] يَقُولُ: لَعَلَّكُمْ بِفِعْلِكُمْ ذَلِكَ تَصُدُّونَ مَنْ أَرَادَ اسْتِمَاعَهُ عَنِ اسْتِمَاعِهِ، فَلَا يَسْمَعُهُ، وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْهُ وَلَمْ يَفْهَمْهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ، فَتَغْلِبُونَ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِكُمْ مُحَمَّدًا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فصلت: 27] بِاللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي

الْآخِرَةِ ﴿وَلَنُجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: 27] يَقُولُ: وَلَنُثِيبَنَّهُمْ عَلَى فِعْلِهِمْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَفْعَالِهِمْ بِأَقْبَحِ جَزَاءِ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: 28] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الْجَزَاءُ الَّذِي يُجْزَى بِهِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ؛ ثُمَّ ابْتَدَأَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَرَ عَنْ صِفَةِ ذَلِكَ الْجَزَاءِ، وَمَا هُوَ فَقَالَ:

هُوَ النَّارُ، فَالنَّارُ بَيَانٌ عَنِ الْجَزَاءِ، وَتَرْجَمَةٌ عَنْهُ، وَهِيَ مَرْفُوعَةٌ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ قَالَ: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت: 28] يَعْنِي لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ فِي النَّارِ دَارُ الْخُلْدِ يَعْنِي دَارُ الْمَكْثِ وَالْلَبْثِ، إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ وَلَا أَمَدٍ؛ وَالدَّارُ الَّتِي أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهَا لَهُمْ فِي النَّارِ هِيَ النَّارُ، وَحَسُنَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، كَمَا يُقَالُ: لَكَ مِنْ بَلْدَتِكَ دَارٌ صَالِحَةٌ، وَمِنَ الْكُوفَةِ دَارٌ كَرِيمَةٌ، وَالدَّارُ: هِيَ الْكُوفَةُ وَالْبَلْدَةُ، فَيَحْسُنُ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ، وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارَ دَارَ الْخُلْدِ» فَفِي ذَلِكَ تَصْحِيحُ مَا قُلْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَرْجَمَ بِالدَّارِ عَنِ النَّارِ

وَقَوْلُهُ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: 28] يَقُولُ: فَعَلْنَا هَذَا الَّذِي فَعَلْنَا

بِهَؤُلَاءِ مِنْ مُجَازَاتِنَا إِيَّاهُمُ النَّارَ عَلَى فِعْلِهِمْ جَزَاءً مِنَّا بِجُحُودِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِآيَاتِنَا الَّتِي احْتَجَجْنَا بِهَا عَلَيْهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: 29] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَمَا أُدْخِلُوا جَهَنَّمَ: يَا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنْ خَلْقِكَ مِنْ جِنِّهِمْ وَإِنْسِهِمْ.

وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي هُوَ مِنَ الْجِنِّ إِبْلِيسُ، وَالَّذِي هُوَ مِنَ الْإِنْسِ ابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ ثَابِتٍ الْحَدَّادِ، عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قَالَ: «إِبْلِيسَ الْأَبَالِسَةِ وَابْنَ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت: 29] قَالَ: «إِبْلِيسُ وَابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثني وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ

كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَابْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قَالَ: «ابْنَ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ، وَإِبْلِيسَ الْأَبَالِسَةِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الْآيَةَ ففَإِنَّهُمَا ابْنُ آدَمَ الْقَاتِلُ، وَإِبْلِيسُ الْأَبَالِسَةِ.
فَأَمَّا ابْنُ آدَمَ فَيَدْعُو بِهِ كُلُّ صَاحِبِ كَبِيرَةٍ دَخَلَ النَّارَ مِنْ أَجْلِ الدَّعْوَةِ وَأَمَّا إِبْلِيسُ فَيَدْعُو بِهِ كُلُّ صَاحِبِ شِرْكٍ، يَدْعُوَانِهِمَا فِي النَّارِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ «هُوَ الشَّيْطَانُ، وَابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ»

وَقَوْلُهُ ﴿نَجْعَلُهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: 29] يَقُولُ: نَجْعَلُ هَذَيْنِ اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا، لِأَنَّ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ بَعْضُهَا أَسْفَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَكُلُّ مَا سَفَلَ مِنْهَا فَهُوَ أَشَدُّ عَلَى أَهْلِهِ، وَعَذَابُ أَهْلِهِ أَغْلَظُ، وَلِذَلِكَ سَأَلَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ رَبَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّذَيْنِ أَضَلَّاهُمْ لِيَجْعَلُوهُمَا أَسْفَلَ مِنْهُمْ

لِيَكُونَا فِي أَشَدِّ الْعَذَابِ فِي الدَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ اِلَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت: 30] وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبَرِئُوا مِنَ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادِ، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَخْلِطُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ بِشِرْكِ غَيْرِهِ بِهِ، وَانْتَهَوْا إِلَى طَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ عَلَى اخْتِلَافٍ مِنْهُمْ، فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30]

ذِكْرُ الْخَبَرِ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا سَالِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ أَبُو قُتَيْبَةَ، قَالَ: ثنا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ الْقُطَعِيُّ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] قَالَ: «قَدْ قَالَهَا النَّاسُ، ثُمَّ كَفَرَ أَكْثَرُهُمْ، فَمَنْ مَاتَ عَلَيْهَا فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَقَامَ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ تَمُّوا عَلَى التَّوْحِيدِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،

عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ: قَدْ قُرِئَتْ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِثْلُهُ

قَالَ: ثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] قَالَ: " قَالُوا: رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ عَمِلُوا بِهَا، قَالَ: لَقَدْ حَمَلْتُمُوهَا عَلَى غَيْرِ الْمَحْمَلِ " ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] «الَّذِينَ لَمْ يَعْدِلُوهَا بِشِرْكٍ وَلَا غَيْرِهِ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ الْمُحَارِبِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: " مَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] قَالَ: فَقَالُوا " رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا مِنْ ذَنْبٍ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: " لَقَدْ حُمَلْتُمْ عَلَى غَيْرِ الْمَحْمَلِ، قَالُوا: رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى إِلَهٍ غَيْرِهِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] قَالَ: " أَيْ عَلَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "

قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] قَالَ: «أَسْلَمُوا ثُمَّ لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ حَتَّى لَحِقُوا بِهِ»

قَالَ ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ حَتَّى لَقُوهُ» قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، مِثْلُ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] قَالَ: «تَمُّوا عَلَى ذَلِكَ»

حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] قَالَ: «اسْتَقَامُوا عَلَى شَهَادَةِ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: ثُمَّ اسْتَقَامُوا عَلَى طَاعَتِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: تَلَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] قَالَ: «اسْتَقَامُوا وَلِلَّهِ بِطَاعَتِهِ، وَلَمْ يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثَّعْلَبِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثَمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] قَالَ «اسْتَقَامُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ» وَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا تَلَاهَا قَالَ: اللَّهُمَّ فَأَنْتَ رَبُّنَا فَارْزُقْنَا الِاسْتِقَامَةَ

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] يَقُولُ: «عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِهِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] قَالَ: «عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَعَلَى طَاعَتِهِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت: 30] يَقُولُ: تَتَهَبَّطُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ نُزُولِ الْمَوْتِ بِهِمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

جارٍ التحميل