تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 73] يَقُولُ: وَاللَّهُ خَيْرٌ مِنْكَ يَا فِرْعَوْنُ جَزَاءً لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَأَبْقَى عَذَابًا لِمَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 73] يَقُولُ: وَاللَّهُ خَيْرٌ مِنْكَ يَا فِرْعَوْنُ جَزَاءً لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَأَبْقَى عَذَابًا لِمَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 73] خَيْرٌ مِنْكَ ثَوَابًا، وَأَبْقَى عَذَابًا

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ

مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 73] قَالَا: خَيْرًا مِنْكَ إِنْ أُطِيعَ، وَأَبْقَى مِنْكَ عَذَابًا إِنْ عُصِيَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: 75] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ السَّحَرَةِ لِفِرْعَوْنَ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ [طه: 74] مِنْ خَلْقِهِ ﴿مُجْرِمًا﴾ [طه: 74] يَقُولُ: مُكْتَسِبًا الْكُفْرَ بِهِ ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ [طه: 74] يَقُولُ:

فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ مَأْوًى وَمْسَكَنًا، جَزَاءً لَهُ عَلَى كُفْرِهِ ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ [طه: 74] فَتَخْرُجُ نَفْسُهُ ﴿وَلَا يَحْيَا﴾ فَتَسْتَقِرَّ نَفْسُهُ فِي مَقَرِّهَا فَتَطْمَئِنَّ، وَلَكِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْحَنَاجِرِ مِنْهُمْ ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ [طه: 75] مُوَحِّدًا لَا يُشْرِكُ بِهِ ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [طه: 75] يَقُولُ: قَدْ عَمِلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ، وَانْتَهَى عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: 75] يَقُولُ: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ دَرَجَاتُ الْجَنَّةِ الْعُلَى

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: 76] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: 75] ثُمَّ بَيَّنَ تِلْكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى مَا هِيَ، فَقَالَ: هُنَّ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] يَعْنِي: جَنَّاتُ إِقَامَةٍ لَا ظَعْنَ عَنْهَا وَلَا نَفَادَ لَهَا وَلَا فَنَاءَ ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ: تَجْرِي مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162] يَقُولُ: مَاكِثِينَ فِيهَا إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ مَحْدُودَةٍ، فَالْجَنَّاتُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] مَرْفُوعَةٌ بِالرَّدِّ عَلَى الدَّرَجَاتِ

كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: 75] قَالَ: عَدْنٌ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: 76] يَقُولُ: وَهَذِهِ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى الَّتِي هِيَ جَنَّاتُ عَدْنٍ عَلَى مَا وَصَفَ جَلَّ جَلَالُهُ ثَوَابُ مَنْ تَزَكَّى، يَعْنِي: مَنْ تَطَهَّرَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَأَطَاعَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُ، وَلَمْ يُدَنِّسْ نَفْسَهُ بِمَعْصِيَتِهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: 77] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى﴾ [طه: 77] نَبِيِّنَا مُوسَى إِذْ تَابَعْنَا لَهُ الْحُجَجَ عَلَى فِرْعَوْنَ، فَأَبَى أَنْ يَسْتَجِيبَ لِأَمْرِ رَبِّهِ، وَطَغَى وَتَمَادَى فِي طُغْيَانِهِ ﴿أَنْ أَسْرِ﴾ [طه: 77] لَيْلًا

﴿بِعِبَادِي﴾ [طه: 77] يَعْنِي بِعِبَادِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: 77] . يَقُولُ: فَاتَّخَذَ لَهُمْ فِي الْبَحْرِ طَرِيقًا يَابِسًا.
وَالْيَبَسُ وَالْيَبْسُ: يُجْمَعُ أَيْبَاسٌ، تَقُولُ: وَقَفُوا فِي أَيْبَاسٍ مِنَ الْأَرْضِ.
وَالْيَبْسُ الْمُخَفَّفُ: يُجْمَعُ يُبُوسٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ ﴿يَبَسًا﴾ [طه: 77] قَالَ: يَابِسًا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: 77] فَإِنَّهُ يَعْنِي: لَا تَخَافُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ أَنْ يُدْرِكُوكَ مِنْ وَرَائِكَ، وَلَا تَخْشَى غَرَقًا مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَوَحَلًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: 77] يَقُولُ: ﴿لَا تَخَافُ﴾ [طه: 77] مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: 77] مِنَ الْبَحْرِ غَرَقًا

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: 77] يَقُولُ: لَا تَخَافُ أَنْ يُدْرِكَكَ فِرْعَوْنُ مِنْ بَعْدِكَ وَلَا تَخْشَى الْغَرَقَ أَمَامَكَ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى: هَذَا فِرْعَوْنُ قَدْ أَدْرَكَنَا، وَهَذَا الْبَحْرُ قَدْ غَشِينَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ [طه: 77] أَصْحَابَ فِرْعَوْنَ ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: 77] مِنَ الْبَحْرِ وَحَلًا

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّمْلِيُّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ بَعْضٍ أَصْحَابِهِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: 77] قَالَ: الْوَحَلُ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ [طه: 77] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ غَيْرَ الْأَعْمَشِ وَحَمْزَةَ: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ [طه: 77] عَلَى الِاسْتِئْنَافِ بِلَا، كَمَا قَالَ: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: 132] فَرُفِعَ، وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْجَوَابُ مَعَ «لَا» . وَقَرَأَ ذَلِكَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ (لَا تَخَفْ دَرَكًا) فَجَزَمَا لَا تَخَافُ عَلَى الْجَزَاءِ، وَرَفَعَا ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: 77] عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: 111] فَاسْتَأْنَفَ بِثُمَّ، وَلَوْ نَوَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: 77] الْجَزْمَ، وَفِيهِ الْيَاءُ، كَانَ جَائِزًا، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: [البحر الرجز] هُزِّي إِلَيْكِ الْجِذْعَ يَجْنِيكِ الْجَنَى

وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا: ﴿لَا تَخَافُ﴾ [طه: 77] عَلَى وَجْهِ الرَّفْعِ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى جَائِزَةً.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ [طه: 77] اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا لَا تَخَافُ فِيهِ دَرَكًا، قَالَ: وَحُذِفَ فِيهِ، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ أَكْرَمْتُ، وَأَنْتَ تُرِيدُ: أَكْرَمْتُهُ، وَكَمَا تَقُولُ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48] أَيْ لَا تُجْزَى فِيهِ.
وَأَمَّا نَحْوِيُّو الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ حَذْفَ فِيهِ إِلَّا فِي الْمَوَاقِيتِ، لِأَنَّهُ يَصْلُحُ فِيهَا أَنْ يُقَالَ: قُمْتُ الْيَوْمَ وَفِي الْيَوْمِ، وَلَا يُجِيزُونَ ذَلِكَ فِي الْأَسْمَاءِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: 79] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَسَرَى مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ أَسْرِ بِهِمْ، فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ حِينَ قَطَعُوا الْبَحْرَ، فَغِشِيَ فِرْعَوْنَ وَجُنْدَهُ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ، فَغَرِقُوا جَمِيعًا

﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: 79] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَجَاوَزَ فِرْعَوْنُ بِقَوْمِهِ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَأَخَذَ بِهِمْ عَلَى غَيْرِ اسْتِقَامَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَلَكَ بِهِمْ طَرِيقَ أَهْلِ النَّارِ، بِأَمْرِهِمْ بِالْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَتَكْذِيبِ

رُسُلِهِ ﴿وَمَا هَدَى﴾ [طه: 79] يَقُولُ: وَمَا سَلَكَ بِهِمُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ مُوسَى، وَالتَّصْدِيقِ بِهِ، فَأَطَاعُوهُ، فَلَمْ يَهْدِهِمْ بِأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَهْتَدُوا بِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: 81] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا نَجَا مُوسَى بِقَوْمِهِ مِنَ الْبَحْرِ، وَغَشِيَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ مِنَ الْيَمِّ مَا

غَشِيَهُمْ، قُلْنَا لِقَوْمِ مُوسَى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ [طه: 80] فِرْعَوْنَ ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [طه: 80] وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفَ كَانَتْ مُوَاعَدَةُ اللَّهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَنَّ وَالسَّلْوَى بَاخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِمَا، وَذَكَرْنَا الشَّوَاهِدَ عَلَى الصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ [طه: 80] فَكَانَتْ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ يَقْرَءُونَهُ: ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ [طه: 80] بِالنُّونِ وَالْأَلِفِ وَسَائِرِ الْحُرُوفِ الْأُخَرِ مَعَهُ كَذَلِكَ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (قَدْ أَنْجَيْتُكُمْ) بِالتَّاءِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحُرُوفِ

الْأُخَرِ، إِلَّا قَوْلُهُ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [طه: 80] فَإِنَّهُمْ وَافَقُوا الْآخَرِينَ فِي ذَلِكَ وَقَرَءُوهُ بِالنُّونِ وَالْأَلِفِ.
وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ بِاتِّفَاقِ الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ ذَلِكَ فَمُصِيبٌ

وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 57] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُمْ: كُلُوا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ شَهِيَّاتِ رِزْقِنَا الَّذِي رَزَقْنَاكُمْ، وَحَلَالِهِ الَّذِي طَيَّبْنَاهُ لَكُمْ ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: 81] يَقُولُ: وَلَا تَعْتَدُوا فِيهِ، وَلَا يَظْلِمْ فِيهِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا

كَمَا: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُ: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: 81] يَقُولُ: وَلَا تَظْلِمُوا

جارٍ التحميل