وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ [الرعد: 1] وَهُوَ الْقُرْآنُ، فَاعْمَلْ بِمَا فِيهِ وَاعْتَصِمْ بِهِ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ [الرعد: 1] قَالَ: «الْقُرْآنُ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ [الرعد: 1] «أَيْ هَذَا الْقُرْآنُ» . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الرعد: 1] وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ: أَحَدُهُمَا الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا بِ «الْحَقُّ» وَ «الْحَقُّ بِهِ» وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَأْوِيلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةُ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ عَنْهُمَا، وَالْآخَرُ: الْخَفْضُ عَلَى الْعَطْفِ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: تِلْكَ آيَاتُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْحَقُّ بِمَعْنَى: ذَلِكَ الْحَقِّ، فَيَكُونُ رَفْعُهُ بِمُضْمَرٍ مِنَ الْكَلَامِ قَدِ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَلَوْ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَتِ الْوَاوُ فِي «وَالَّذِي» ، وَهُوَ نَعْتٌ لِلْكِتَابِ، كَمَا أَدْخَلَهَا الشَّاعِرُ فِي قَوْلِهِ: [البحر المتقارب] إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمِ فَعَطَفَ بِالْوَاوِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ صِفَةِ وَاحِدٍ، كَانَ مَذْهَبًا مِنَ التَّأْوِيلِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ إِذَا تُؤَوَّلُ كَذَلِكَ فَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي «الْحَقُّ» الْخَفْضُ، عَلَى أَنَّهُ
نَعْتٌ لِـ «الَّذِي»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 243] مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ لَا يُصَدِّقُونَ بِالْحَقِّ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَلَا يُقِرُّونَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنْ مُحْكَمِ آيِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، يُفَصِّلُ الْآيَاتِ، لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ هُوَ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا،
فَجَعَلَهَا لِلْأَرْضِ سَقْفًا مَسْمُوكًا، وَالْعَمَدُ جَمْعُ عَمُودٍ، وَهِيَ السَّوَارِي، وَمَا يُعْمَدُ بِهِ الْبِنَاءُ، كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:
[البحر البسيط]
وَخَيَّسَ الْجِنَّ أَنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَهُمْ ... يَبْنُونَ تَدْمُرَ بِالصُّفَّاحِ وَالْعَمَدِ
وَجَمْعُ الْعَمُودِ: عَمَدٌ، كَمَا جَمْعُ الْأَدِيمِ: أَدَمٌ، وَلَوْ جُمِعَ بِالضَّمِّ فَقِيلَ: عُمُدٌ جَازَ، كَمَا يُجْمَعُ الرَّسُولُ: رُسُلٌ، وَالشَّكُورُ: شُكُرٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِعَمَدٍ لَا تَرَوْنَهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: ثنا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: " إِنَّ فُلَانًا يَقُولُ: إِنَّهَا عَلَى عَمَدٍ، يَعْنِي السَّمَاءَ؟ قَالَ: فَقَالَ: اقْرَأْهَا ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: 2] : أَيْ لَا تَرَوْنَهَا.
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ قَالَ: ثنا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا عَفَّانُ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، قَالَ: ثنا حُمَيْدٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: 2] قَالَ: «بِعَمَدٍ لَا تَرَوْنَهَا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: 2] قَالَ: «هِيَ لَا تَرَوْنَهَا»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا شَبَابَةُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " بِغَيْرِ عَمَدٍ يَقُولُ: " عَمَدٌ لَا تَرَوْنَهَا.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، قَوْلُهُ
: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «بِعَمَدٍ وَلَكِنْ لَا تَرَوْنَهَا»
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ قَالَ: «مَا يُدْرِيكَ، لَعَلَّهَا بِعَمَدٍ لَا تَرَوْنَهَا؟» . وَمَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، قَصَدَ مَذْهَبَ تَقْدِيمِ الْعَرَبِ الْجَحْدَ مِنْ آخِرِ الْكَلَامِ إِلَى أَوَّلِهِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر المنسرح] وَلَا أُرَاهَا تَزَالُ ظَالِمَةً ... تُحْدِثُ لِي نَكْبَةً وَتَنْكَؤُهَا يُرِيدُ: أُرَاهَا لَا تَزَالُ ظَالِمَةً، فَقَدَّمَ الْجَحْدَ عَنْ مَوْضِعِهِ مِنْ تَزَالُ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ: [البحر الطويل] إِذَا أَعْجَبَتْكَ الدَّهْرَ حَالٌ مِنِ امْرِئٍ ... فَدَعْهُ وَوَاكِلْ حَالَهُ وَاللَّيَالِيَا يَجِئْنَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ صَالِحٍ بِهِ ... وَإِنْ كَانَ فِيمَا لَا تَرَى النَّاسُ آلِيَا يَعْنِي: وَإِنْ كَانَ فِيمَا يَرَى النَّاسُ لَا يَأْلُو وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ مَرْفُوعَةٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا آدَمُ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ قَالَ: «السَّمَاءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلُ الْقُبَّةِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: 2] قَالَ: «رَفَعَهَا بِغَيْرِ عَمَدٍ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصِّحَّةِ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ فَهِيَ مَرْفُوعَةٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ نَرَاهَا، كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَلَا خَبَرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا حُجَّةَ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا بِقَوْلٍ سِوَاهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54] فَإِنَّهُ يَعْنِي: عَلَا عَلَيْهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ وَاخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ، وَالصَّحِيحَ مِنَ الْقَوْلِ فِيمَا قَالُوا فِيهِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الرعد: 2] يَقُولُ: وَأَجْرَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فِي السَّمَاءِ فَسَخَّرَهُمَا فِيهَا لِمَصَالِحِ خَلْقِهِ، وَذَلَّلَهُمَا لِمَنَافِعِهِمْ، لِيَعْلَمُوا بِجَرْيِهِمَا فِيهَا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابِ، وَيَفْصِلُوا بِهِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: 2] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: كُلُّ ذَلِكَ يَجْرِي فِي السَّمَاءِ لِأَجَلٍ مُسَمًّى: أَيْ لِوَقْتِ مَعْلُومٍ، وَذَلِكَ إِلَى فَنَاءِ الدُّنْيَا وَقِيَامِ
الْقِيَامَةِ الَّتِي عِنْدَهَا تُكَوَّرُ الشَّمْسُ، وَيُخْسَفُ الْقَمَرُ، وَتَنْكَدِرُ النُّجُومُ، وَحُذِفَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ لِفَهْمِ السَّامِعِينَ مِنْ أَهْلِ لِسَانِ مَنْ نَزَلَ بِلِسَانِهِ الْقُرْآنُ مَعْنَاهُ، وَأَنَّ «كُلٌّ» لَا بُدَّ لَهَا مِنْ إِضَافَةٍ إِلَى مَا تُحِيطُ بِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: 2] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: 2] قَالَ: «الدُّنْيَا»
وَقَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَقْضِي اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا أُمُورَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كُلَّهَا، وَيُدَبِّرُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَحْدَهُ، بِغَيْرِ شَرِيكٍ وَلَا ظَهِيرٍ وَلَا مُعِينٍ سُبْحَانَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: 3] يَقْضِيهِ وَحْدَهُ ". قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِنَحْوِهِ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِنَحْوِهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [يونس: 5] يَقُولُ: يُفَصِّلُ لَكُمْ رَبُّكُمْ آيَاتِ كِتَابِهِ، فَيُبَيِّنُهَا لَكُمُ احْتِجَاجًا بِهَا عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: 2] يَقُولُ: لِتُوقِنُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ، وَالْمَعَادِ إِلَيْهِ، فَتُصَدِّقُوا بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَتَنْزَجِرُوا عَنْ عِبَادَةِ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَتُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ إِذَا تَيَقَّنْتُمْ
ذَلِكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: 2] وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنَّمَا أَنْزَلَ كِتَابَهُ، وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ لِنُؤْمِنَ بِوَعْدِهِ، وَنَسْتَيْقِنَ بِلِقَائِهِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَينِ اثْنَيْنِ يَغْشَى اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ فَبَسَطَهَا طُولًا وَعَرْضًا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [الرعد: 3] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَجَعَلَ فِي الْأَرْضِ جِبَالًا ثَابِتَةً،
وَالرَّوَاسِي: جَمْعُ رَاسِيَةٍ وَهِيَ الثَّابِتَةُ، يُقَالُ مِنْهُ: أَرْسَيْتُ الْوَتَدَ فِي الْأَرْضِ: إِذَا أَثْبَتُّهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] بِهِ خَالِدَاتٌ مَا يَرِمْنَ وَهَامِدٌ ... وَأَشْعَثُ أَرْسَتْهُ الْوَلِيدَةُ بِالْفِهْرِ يَعْنِي: أَثْبَتَتْهُ