وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: 37] يَقُولُ: وَإِنِّي لَأَظُنُّ مُوسَى كَاذِبًا فِيمَا يَقُولُ وَيَدَّعِي مِنْ أَنَّ لَهُ فِي السَّمَاءِ رَبًّا أَرْسَلَهُ إِلَيْنَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: 44] يَقُولُ: وَأُسَلِّمُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ، وَأَجْعَلُهُ إِلَيْهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ الْكَافِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: 44] قَالَ: «أَجْعَلُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: 44] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِأُمُورِ عِبَادِهِ، وَمَنِ الْمُطِيعُ مِنْهُمْ، وَالْعَاصِي لَهُ، وَالْمُسْتَحِقُّ جَمِيلَ الثَّوَابِ، وَالْمُسْتَوْجِبُ سَيِّئَ الْعِقَابِ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَدَفَعَ اللَّهُ عَنْ هَذَا الْمُؤْمِنِ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ بِإِيمَانِهِ وَتَصْدِيقِ رَسُولِهِ مُوسَى، مَكْرُوهَ مَا كَانَ فِرْعَوْنُ يَنَالُ بِهِ أَهْلَ الْخِلَافِ عَلَيْهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْبَلَاءِ، فَنَجَّاهُ مِنْهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر: 45] قَالَ: " وَكَانَ قِبْطِيًّا مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، فَنَجَا مَعَ مُوسَى، قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ بَيْنَ يَدَيْ مُوسَى يَوْمَئِذٍ يَسِيرُ وَيَقُولُ: أَيْنَ أُمِرْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: أَمَامَكَ، فَيَقُولُ لَهُ الْمُؤْمِنُ: وَهَلْ أَمَامِي إِلَّا الْبَحْرُ؟ فَيَقُولُ مُوسَى: لَا وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كَذَّبْتُ، ثُمَّ يَسِيرَ سَاعَةً وَيَقُولُ: أَيْنَ أُمِرْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: أَمَامَكَ، فَيَقُولُ: وَهَلْ أَمَامِي إِلَّا الْبَحْرُ، فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ، وَلَا كَذَّبْتُ، حَتَّى أَتَى عَلَى الْبَحْرِ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ، فَانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 45] يَقُولُ: وَحَلَّ بِآلِ فِرْعَوْنَ وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ؛
وَعُنِيَ بِآلِ فِرْعَوْنَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ تَبَاعُهُ وَأَهْلُ طَاعَتِهِ مِنْ قَوْمِهِ
كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 45] قَالَ: «قَوْمُ فِرْعَوْنَ» وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 45] مَا سَاءَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَذَلِكَ نَارُ جَهَنَّمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُبِينًا عَنْ سُوءِ الْعَذَابِ الَّذِي حَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْأَشْقِيَاءِ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ذَلِكَ الَّذِي حَاقَ بِهِمْ مِنْ سُوءِ عَذَابِ اللَّهِ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [غافر: 46] إِنَّهُمْ لَمَّا هَلَكُوا وَغَرَّقَهُمُ اللَّهُ،
جُعِلَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ سُودٍ، فَهِيَ تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: 46] إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، عَنِ الْهُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: «أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو وَتَرُوحُ عَلَى النَّارِ، وَذَلِكَ عَرْضُهَا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّ أَرْوَاحَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ سُودٍ تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، حَتَّى تَقُومُ السَّاعَةُ»
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ وَسَأَلَهُ، رَجُلٌ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، رَأَيْنَا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ تَأْخُذُ نَاحِيَةَ الْغَرْبِ بِيضًا، فَوْجًا فَوْجًا، لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا كَانَ الْعَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُهَا سُودًا، قَالَ: وَفَطِنْتُمْ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: " إِنَّ تِلْكَ الطُّيُورَ فِي حَوَاصِلِهَا أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، فَتَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا وَقَدِ احْتَرَقَتْ رِيَاشُهَا، وَصَارَتْ سَوْدَاءً، فَتُنْبِتُ عَلَيْهَا مِنَ اللَّيْلِ رِيَاشٌ بِيضٌ، وَتَتَنَاثَرُ السُّودُ، ثُمَّ تَغْدُو، وَيُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا، فَذَلِكَ دَأْبُهَا فِي الدُّنْيَا؛ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، قَالَ اللَّهُ ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46] قَالُوا: وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: ثني حَرْمَلَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، يَقُولُ: " لَيْسَ فِي الْآخِرَةِ لَيْلٌ وَلَا نِصْفُ نَهَارٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بَكْرَةٌ وَعَشِيٌّ، وَذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فِي آلِ فِرْعَوْنَ ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: 46] وَكَذَلِكَ قَالَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ ﴿لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 62] " وَقِيلَ: عَنَى بِذَلِكَ: أَنَّهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ فِي النَّارِ تَعْذِيبًا لَهُمْ غُدُوًّا وَعَشِيًّا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: 46] قَالَ: " يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا صَبَاحًا وَمَسَاءً، يُقَالُ لَهُمْ: يَا آلَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ، تَوْبِيخًا وَنَقْمَةً وَصَغَارًا لَهُمْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: 46] قَالَ: «مَا كَانَتِ الدُّنْيَا» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَرْضُ عَلَى النَّارِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ الْهُذَيْلِ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ، وَأَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ، وَلَا خَبَرَ يُوجِبُ الْحُجَّةَ بِأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنِيُّ بِهِ، فَلَا فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ، وَهُمْ أَنَّهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَأَصْلُ الْغُدُوِّ وَالْعَشِيِّ مَصَادِرُ جُعِلَتْ أَوْقَاتًا وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: إِنَّمَا هُوَ مَصْدَرٌ، كَمَا تَقُولُ: أَتَيْتُهُ ظَلَامًا؛ جَعَلَهُ ظَرْفًا وَهُوَ مَصْدَرٌ.
قَالَ: وَلَوْ قُلْتَ: مَوْعِدُكَ غُدْوَةٌ، أَوْ مَوْعِدُكَ
ظَلَامٌ، فَرَفَعْتُهُ، كَمَا تَقُولُ: مَوْعِدُكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، لَمْ يَحْسُنْ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمَصَادِرَ وَمَا أَشْبَهُهَا مِنْ نَحْوِ سَحَرَ لَا تُجْعَلُ إِلَّا ظَرْفًا؛ قَالَ: وَالظَّرْفُ كُلُّهُ لَيْسَ بِمُتَمَكِّنٍ؛ وَقَالَ نَحْوِيُّو الْكُوفَةِ: لَمْ يُسْمَعْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَإِنْ كَانَتْ مَصَادِرَ، إِلَّا التَّعْرِيبُ: مَوْعِدُكَ يَوْمَ مَوْعِدِكَ صَبَاحٌ وَرَوَاحٌ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: 12] فَرُفِعَ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا: إِنَّمَا الطَّيْلَسَانُ، شَهْرَانِ، قَالُوا: وَلَمْ يُسْمَعْ فِي الْأَوْقَاتِ النَّكِرَاتِ إِلَّا الرَّفْعُ إِلَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّمَا سَخَاؤُكَ أَحْيَانًا، وَقَالُوا: إِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى: إِنَّمَا سَخَاؤُكَ الْحِينُ بَعْدَ الْحِينِ، فَلَمَّا كَانَ تَأْوِيلَهُ الْإِضَافَةُ نُصِبَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ سِوَى عَاصِمٍ وَأَبِي عَمْرٍو ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: 46] بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَدْخِلُوا فِي الْوَصْلِ وَالْقَطْعِ بِمَعْنَى: الْأَمْرُ بِإِدْخَالِهِمُ النَّارَ وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ،
كَانَ الْآلُ نَصْبًا بِوُقُوعِ أَدْخِلُوا عَلَيْهِ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَاصِمٌ وَأَبُو عَمْرٍو: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ادْخُلُوا) بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَسُقُوطِهَا فِي الْوَصْلِ مِنَ اللَّفْظِ، وَبِضَمِّهَا إِذَا أَبْتَدِئُ بَعْدَ الْوَقْفِ عَلَى السَّاعَةِ، وَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ الْآلُ عَلَى قِرَاءَتِهِ نَصْبًا بِالنِّدَاءِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى قِرَاءَتِهِ: ادْخُلُوا يَا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذَنْ: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقَالُ لِآلَ فِرْعَوْنَ: ادْخُلُوا يَا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ، فَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ وَصَلَ الْأَلِفَ مِنَ ادْخُلُوا وَلَمْ يَقْطَعْ، وَمَعْنَاهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: 18] ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: 47] يَقُولُ: وَإِذْ يَتَخَاصَمُونَ فِي النَّارِ.
وَعُنِيَ بِذَلِكَ: إِذْ يَتَخَاصَمُ الَّذِينَ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِنْذَارِهِمْ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ فِي النَّارِ، فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ مِنْهُمْ وَهُمُ الْمُتَّبِعُونَ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [إبراهيم: 21] تَقُولُ لِرُؤَسَائِهِمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ فِي الدُّنْيَا تَبَعًا عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ [إبراهيم: 21] الْيَوْمَ ﴿عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر: 47] يَعْنُونَ حَظًّا فَتُخَفِّفُوهُ عَنَّا، فَقَدْ كُنَّا نُسَارِعُ فِي مَحَبَّتِكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْ قِبَلِكُمْ أَتَيْنَا، لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا فِي الدُّنْيَا مُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يُصِبْنَا الْيَوْمَ هَذَا الْبَلَاءُ؛
وَالتَّبَعُ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمَاعَةً فِي قَوْلِ بَعْضِ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ، وَفِي قَوْلِ بَعْضِ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ، لِأَنَّهُ كَالْمَصْدَرِ قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ كَانَ وَاحِدُهُ تَابِعُ، فَيَكُونُ مِثْلَ خَائِلٍ وَخَوْلٍ، وَغَائِبٍ وَغَيْبٍ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ جَمْعُ وَاحِدُهُ تَابِعٌ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا فَيَكُونُ جَمْعُهُ أَتْبَاعُُ فَأَجَابَهُمُ الْمَتْبُوعُونَ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وَهُمُ الرُّؤَسَاءُ الْمَتْبُوعُونَ عَلَى الضَّلَالَةِ فِي الدُّنْيَا: إِنَّا أَيُّهَا الْقَوْمُ وَأَنْتُمْ كُلُّنَا فِي هَذِهِ النَّارِ مُخَلَّدُونَ، لَا خَلَاصَ لَنَا مِنْهَا ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: 48] بِفَصْلِ قَضَائِهِ، فَأَسْكَنَ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ، فَلَا نَحْنُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ خَارِجُونَ، وَلَا هُمْ مِمَّا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ مُنْتَقِلُونَ؛ وَرُفِعَ قَوْلُهُ ﴿كُلٌّ﴾ [البقرة: 20] بِقَوْلِهِ ﴿فِيهَا﴾ [البقرة: 25] وَلَمْ يُنْصَبْ عَلَى النَّعْتِ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ النَّصْبِ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِذَا لَمْ يُضَفْ كُلُّ لَمْ يَجُزِ الِاتِّبَاعُ وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْحَذْفِ وَغَيْرِ الْحَذَفِ، لِأَنَّ أَسْمَاءَهَا إِذَا حُذِفَتِ اكْتُفِيَ بِهَا مِنْهَا وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ أَهْلُ جَهَنَّمَ لِخَزَنَتِهَا وَقُوَّامِهَا اسْتِغَاثَةً بِهِمْ مِنْ عَظِيمِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، وَرَجَاءً أَنْ يَجِدُوا مِنْ عِنْدِهِمْ فَرَجًا ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ [الأعراف: 55] لَنَا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ [غافر: 49] وَاحِدًا، يَعْنِي قَدْرَ يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: 96] الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا: مَعْنَى ذَلِكَ: قَدْرَ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، لِأَنَّ الْآخِرَةَ يَوْمٌ لَا لَيْلَ فِيهِ، فَيُقَالُ: خَفَّفَ عَنْهُمْ يَوْمًا وَاحِدًا
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رِسْلِكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ لَهُمْ: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ فِي الدُّنْيَا رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنَ الْحُجَجِ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، فَتُوَحِّدُوهُ وَتُؤْمِنُوا بِهِ، وَتَتَبَرَّءُوا مِمَّا دُونَهُ مِنَ الْآلِهَةِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَدْ أَتَتْنَا رُسُلُنَا بِذَلِكَ