تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: 146] نَقُولُ لِوَلِيِّهِ: وَإِنَّا لَصَادِقُونَ، أَنَّا مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: 146] نَقُولُ لِوَلِيِّهِ: وَإِنَّا لَصَادِقُونَ، أَنَّا مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ.

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا، وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.
فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: 51] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَغَدَرَ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةُ الرَّهْطُ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بِصَالِحٍ بِمَسِيرِهِمْ إِلَيْهِ لَيْلًا لِيَقْتُلُوهُ وَأَهْلَهُ، وَصَالِحٌ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: 50] يَقُولُ: فَأَخَذْنَاهُمْ بِعُقُوبَتِنَا إِيَّاهُمْ، وَتَعْجِيلِنَا الْعَذَابَ لَهُمْ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: 95] بِمَكْرِنَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى: مَكْرِ اللَّهِ بِمَنْ مَكَرَ بِهِ، وَمَا وَجْهُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَخْذَهُ مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ عَلَى غِرَّةٍ، أَوِ اسْتِدْرَاجُهُ مِنْهُمْ مَنِ اسْتَدْرَجَ عَلَى كُفْرِهِ بِهِ وَمَعْصِيَتِهِ إِيَّاهُ، ثُمَّ إِحْلَالُهُ الْعُقُوبَةَ بِهِ عَلَى غِرَّةٍ وَغَفْلَةٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: «الْمَكْرُ غَدْرٌ، وَالْغَدْرُ كُفْرٌ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: 50] قَالَ: احْتَالُوا لِأَمْرِهِمْ، وَاحْتَالَ اللَّهُ لَهُمْ، مَكَرُوا بِصَالِحٍ مَكْرًا، وَمَكَرْنَا بِهِمْ مَكْرًا ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 50] بِمَكْرِنَا، وَشَعَرْنَا بِمَكْرِهِمْ، قَالُوا: زَعَمَ صَالِحٌ أَنَّهُ يَفْرُغُ مِنَّا إِلَى ثَلَاثٍ فَنَحْنُ نَفْرُغُ مِنْهُ وَأَهْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ مَسْجِدٌ فِي الْحِجْرِ فِي شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَخَرَجُوا إِلَى كَهْفٍ وَقَالُوا: إِذَا جَاءَ يُصَلِّي قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِذَا فَرَغْنَا مِنْهُ إِلَى أَهْلِهِ، فَفَرَغْنَا مِنْهُمْ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل: 49] فَبَعَثَ اللَّهُ صَخْرَةً مِنَ الْهَضْبِ حِيَالَهُمْ، فَخَشَوْا أَنْ تَشْدَخَهُمْ، فَبَادَرُوا الْغَارَ، فَطَبَقَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ فَمَ ذَلِكَ الْغَارِ، فَلَا يَدْرِي قَوْمُهُمْ أَيْنَ هُمْ؟

وَلَا يَدْرُونَ مَا فُعِلَ بِقَوْمِهِمْ؟ فَعَذَّبَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَؤُلَاءِ هَا هُنَا، وَهَؤُلَاءِ هُنَا، وَأَنْجَى اللَّهُ صَالِحًا وَمَنْ مَعَهُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: 50] قَالَ: فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَخْرَةً فَقَتَلَتْهُمْ "

وَقَوْلُهُ: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل: 51] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ بِعَيْنِ قَلْبِكَ إِلَى عَاقِبَةِ غَدْرِ ثَمُودَ بِنَبِيِّهِمْ صَالِحٍ، كَيْفَ كَانَتْ؟ وَمَا الَّذِي أَوْرَثَهَا اعْتِدَاؤُهُمْ وَطُغْيَانُهُمْ وَتَكْذِيبُهُمْ؟ فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّتُنَا فِيمَنْ كَذَّبَ رُسُلَنَا، وَطَغَى عَلَيْنَا مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ، فَحَذِّرْ قَوْمَكَ مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ يَنَالَهُمْ

بِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاكَ مَا نَالَ ثَمُودَ بِتَكْذِيبِهِمْ صَالِحًا مِنَ الْمَثُلَاتِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: 51] يَقُولُ: إِنَّا دَمَّرْنَا التِّسْعَةَ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ مِنْ قَوْمِ صَالِحٍ وَقَوْمَهُمْ مِنْ ثَمُودَ أَجْمَعِينَ، فَلَمْ نُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ (إِنَّا) ، فَقَرَأَ بِكَسْرِهَا عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ

الْكُوفَةِ: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ [النمل: 51] ، بِفَتْحِ الْأَلْفِ.
وَإِذَا فُتِحَتْ كَانَ فِي ﴿أَنَّا﴾ [البقرة: 258] وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ: أَحَدُهُمَا الرَّفْعُ

عَلَى رَدِّهَا عَلَى الْعَاقِبَةِ عَلَى الْإِتْبَاعِ لَهَا، وَالْآخَرُ النَّصْبُ عَلَى الرَّدِّ عَلَى مَوْضِعِ كَيْفَ، لِأَنَّهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ إِنْ شِئْتَ، وَإِنَّ شِئْتَ عَلَى تَكْرِيرِ كَانَ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهٍ، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ؟ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ تَدْمِيرَنَا إِيَّاهُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل: 53] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: 52] فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ خَاوِيَةٌ خَالِيَةٌ مِنْهُمْ، لَيْسَ فِيهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ، قَدْ أَهْلَكُهُمُ اللَّهُ فَأَبَادَهُمْ.
﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: 52] يَقُولُ

تَعَالَى ذِكْرُهُ: بِظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُمْ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: 52] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي فِعْلِنَا بِثَمُودَ مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْقِصَّةِ لَعِظَةً لِمَنْ يَعْلَمُ فِعْلَنَا بِهِمْ مَا فَعَلْنَا مِنْ قَوْمَكِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ وَعِبْرَةً.
﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النمل: 53] يَقُولُ: وَأَنْجَيْنَا مِنْ نِقْمَتِنَا وَعَذَابِنَا الَّذِي أَحْلَلْنَاهُ بِثَمُودَ رَسُولَنَا صَالِحًا وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ.
﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 63] يَقُولُ: وَكَانُوا يَتَّقُونَ بِإِيمَانِهِمْ، وَبِتَصْدِيقِهِمْ صَالِحًا الَّذِي حَلَّ بِقَوْمِهِمْ مِنْ ثَمُودَ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ نُنَجِّيكَ يَا مُحَمَّدُ وَأَتْبَاعَكَ، عِنْدَ إِحْلَالِنَا عُقُوبَتَنَا بِمُشْرِكِي قَوْمِكَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ.
وَذُكِرَ أَنَّ صَالِحًا لَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ بِقَوْمِهِ مَا أَحَلَّ، خَرَجَ هُوَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ إِلَى الشَّامِ،

فَنَزَلَ رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ.
أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ، بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَرْسَلْنَا لُوطًا إِلَى قَوْمِهِ، إِذْ قَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمِ ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: 54] أَنَّهَا فَاحِشَةٌ، لِعِلْمِكُمْ بِأَنَّهُ لَمْ

يَسْبِقْكُمْ إِلَى مَا تَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ.

جارٍ التحميل