وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: 51] يَعْنِي بِالْعَرِيضِ: الْكَثِيرِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: 51] يَقُولُ: " كَثِيرٍ، وَذَلِكَ قَوْلُ النَّاسِ: أَطَالَ فُلَانٌ الدُّعَاءَ: إِذَا أَكْثَرَ، وَكَذَلِكَ أَعْرَضَ دُعَاءَهُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: 52] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لِلْمُكَذِّبِينَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ [الأنعام: 46] أَيُّهَا الْقَوْمُ ﴿إِنْ كَانَ﴾ [النساء: 11] هَذَا الَّذِي تُكَذِّبُونَ بِهِ ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت: 52] أَلَسْتُمْ فِي فِرَاقٍ وَبُعْدٍ مِنَ الصَّوَابِ، فَجَعَلَ مَكَانَ التَّفْرِيقِ الْخَبَرَ، فَقَالَ: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: 52] إِذَا كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: 52] يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ مَنْ أَشَدُّ
ذَهَابًا عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، وَأَسْلَكُ لِغَيْرِ طَرِيقِ الصَّوَابِ، مِمَّنْ هُوَ فِي فِرَاقٍ لِأَمْرِ اللَّهِ وَخَوْفٍ لَهُ، بَعِيدٌ مِنَ الرَّشَادِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: سَنُرِي هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ، مَا أَنْزَلْنَا عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِنَا مِنَ الذِّكْرِ، آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْآيَاتِ الَّتِي
وَعَدَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَنْ يُرِيَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِالْآيَاتِ فِي الْآفَاقِ وَقَائِعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَوَاحِي بَلَدِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَطْرَافِهَا، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53] فَتْحُ مَكَّةَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت: 53] قَالَ: «ظُهُورُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت: 53] يَقُولُ: " مَا نَفْتَحُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْآفَاقِ ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53] فِي أَهْلِ مَكَّةَ، يَقُولُ: نَفْتَحُ لَكَ مَكَّةَ " وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ يُرِيهُمْ نُجُومَ اللَّيْلِ وَقَمَرَهُ، وَشَمْسَ النَّهَارِ،
وَذَلِكَ مَا وَعَدَهُمْ أَنَّهُ يُرِيهُمْ فِي الْآفَاقِ وَقَالُوا: عَنَى بِالْآفَاقِ: آفَاقَ السَّمَاءِ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53] سَبِيلَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53] قَالَ: " آفَاقِ السَّمَاوَاتِ: نُجُومِهَا وَشَمْسِهَا وَقَمَرِهَا اللَّاتِي يَجْرِينَ، وَآيَاتٍ فِي أَنْفُسِهِمْ أَيْضًا " وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِهِ مُكَذَّبَيْنِ آيَاتٍ فِي الْآفَاقِ، وَغَيْرُ مَعْقُولٍ أَنْ يَكُونَ تَهَدَّدَهُمْ بِأَنْ يُرِيَهُمْ مَا هُمْ رَاءُوهُ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَعْدًا مِنْهُ لَهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ مَا لَمْ يَكُونُوا رَأَوْهُ قَبْلُ مِنْ ظُهُورِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَطْرَافِ بَلَدِهِمْ وَعَلَى بَلَدِهِمْ، فَأَمَّا النُّجُومُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، فَقَدْ كَانُوا يَرَوْنَهَا كَثِيرًا قَبْلُ وَبَعْدُ وَلَا وَجْهَ لِتَهَدُّدِهِمْ بِأَنَّهُ يُرِيهُمْ ذَلِكَ
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أُرِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَقَائِعَنَا بِأَطْرَافِهِمْ وَبِهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ مَا أَنْزَلْنَا إِلَى مُحَمَّدٍ، وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ مِنَ الْوَعْدِ لَهُ بِأَنَّا مُظْهِرُو مَا بعثَنَاهُ بِهِ مِنَ الدِّينِ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ أَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يَفْعَلُهُ خَلْقُهُ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، الْمُحْسِنَ بِالْإِحْسَانِ،
وَالْمُسِيءَ جَزَاءَهُ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أَنَّهُ﴾ [البقرة: 26] وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى وَجْهِ تَكْرِيرِ الْبَاءِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ؟ وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ رَفَعَا، بِقَوْلِهِ: يَكْفِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ شَهَادَتُهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ﴾ [فصلت: 54] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَا إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ فِي شَكٍّ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ، يَعْنِي أَنَّهُمْ فِي شَكٍّ مِنَ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ، وَمَعَادِهِمْ إِلَى رَبِّهِمْ
كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ [فصلت: 54] يَقُولُ: «فِي شَكٍّ»
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: 54] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَا إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ مُحِيطٌ عِلْمًا بِجَمِيعِهِ، وَقُدْرَةً عَلَيْهِ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عُلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ أَرَادَهُ فَيَفُوتُهُ، وَلَكِنِ الْمُقْتَدِرُ عَلَيْهِ الْعَالِمُ بِمَكَانِهِ