وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: 19] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ عَلَى دِينِنَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: 19] يَعْنِي عَلَى دِينِنَا هَذَا الَّذِي تَعِيبُ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ نِعْمَتَنَا عَلَيْكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: 19] قَالَ: رَبَّيْنَاكَ فِينَا وَلِيدًا، فَهَذَا الَّذِي كَافَأْتَنَا أَنْ قَتَلْتَ مِنَّا نَفْسًا، وَكَفَرْتَ نِعْمَتَنَا "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: 19] يَقُولُ: كَافِرًا لِلنِّعْمَةِ، لِأَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا الْكُفْرُ ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، لِأَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ
يَكُنْ مُقِرًّا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَإِنَّمَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ هُوَ الرَّبُّ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ لِمُوسَى، إِنْ كَانَ مُوسَى كَانَ عِنْدَهُ عَلَى دِينِهِ يَوْمَ قَتْلِ الْقَتِيلِ عَلَى مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ: فَعَلْتَ الْفَعْلَةَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ، الْإِيمَانُ عِنْدَهُ: هُوَ دِينُهُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مُوسَى عِنْدَهُ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّمَا أَرَادَ: وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ يَوْمَئِذٍ يَا مُوسَى، عَلَى قَوْلِكَ الْيَوْمَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا يَتَوَجَّهُ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: وَقَتَلْتَ الَّذِي قَتَلْتَ مِنَّا وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ نِعْمَتَنَا عَلَيْكَ، وَإِحْسَانَنَا إِلَيْكَ فِي قَتْلِكَ إِيَّاهُ.
وَقَدْ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَنْتَ الْآنَ مِنَ الْكَافِرِينَ لِنِعْمَتِي عَلَيْكَ، وَتَرْبِيَتِي إِيَّاكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ.
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: فَعَلْتُ تِلْكَ الْفَعْلَةَ الَّتِي فَعَلْتُ، أَيْ قَتَلْتُ تِلْكَ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلْتُ إِذَنْ وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ.
يَقُولُ: وَأَنَا مِنَ
الْجَاهِلِينَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَنِي مِنَ اللَّهِ وَحْي بِتَحْرِيمِ قَتْلِهِ عَلِيَّ.
وَالْعَرَبُ تَضَعُ مِنَ الضَّلَالِ مَوْضِعَ الْجَهْلِ، وَالْجَهْلِ مَوْضِعَ الضَّلَالِ، فَتَقُولُ: قَدْ جَهَلَ فُلَانٌ الطَّرِيقَ وَضَلَّ الطَّرِيقَ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي
الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: 20] قَالَ: مِنَ الْجَاهِلِينَ ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (وَأَنَا مِنَ الْجَاهِلِينَ)
قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: 20] قَالَ: مِنَ الْجَاهِلِينَ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: 19] فَقَالَ مُوسَى: لَمْ أَكْفُرْ، وَلَكِنْ فَعَلْتُهَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ.
وَفِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الْجَاهِلِينَ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: 20] قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَنِي مِنَ اللَّهِ شَيْءٌ كَانَ قَتْلِي إِيَّاهُ ضَلَالَةً خَطَأً.
قَالَ: وَالضَّلَالَةُ هَهُنَا الْخَطَأُ، لَمْ يَقُلْ ضَلَالَةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: 20] يَقُولُ: وَأَنَا مِنَ الْجَاهِلِينَ "
وَقَوْلُهُ ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [الشعراء: 21] الْآيَةَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ [الشعراء: 21] مَعْشَرَ الْمَلَأِ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [الشعراء: 21] أَنْ تَقْتُلُونِي بِقَتْلِيَ الْقَتِيلِ مِنْكُمْ.
﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ [الشعراء: 21] يَقُولُ: فَوَهَبَ لِي رَبِّي نُبُوَّةً وَهِيَ الْحُكْمُ
كَمَا: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ [الشعراء: 21] وَالْحُكْمُ: النُّبُوَّةُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 21] يَقُولُ: وَأَلْحِقْنِي بِعِدَادِ مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَى خَلْقِهِ، مُبَلِّغًا عَنْهُ رِسَالَتَهُ إِلَيْهِمْ بِإِرْسَالِهِ إِيَّايَ إِلَيْكَ يَا فِرْعَوْنُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ نَبِيِّهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفِرْعَوْنَ ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: 22] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: وَتِلْكَ تَرْبِيَةُ
فِرْعَوْنَ إِيَّاهُ، يَقُولُ: وُتَرْبِيَتُكَ إِيَّايَ، وَتَرْكُكَ اسْتِعْبَادِي كَمَا اسْتَعْبَدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ نِعْمَةٌ مِنْكَ تَمُنُّهَا عَلَيَّ بِحَقٍّ.
وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ عَنْهُ، وَهُوَ: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَتَرَكْتَنِي، فَلَمْ تَسْتَعْبِدْنِي، فَتَرَكَ ذِكْرَ «وَتَرَكْتَنِي» لِدَلَالَةِ
قَوْلِهِ ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 22] عَلَيْهِ، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ اخْتِصَارًا لِلْكَلَامِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَسْتَحِقَّ رَجُلَانِ مِنْ ذِي سُلْطَانٍ عُقُوبَةً، فَيُعَاقِبُ أَحَدَهُمَا، وَيَعْفُو عَنِ الْآخَرِ، فَيَقُولُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ هَذِهِ نِعْمَةٌ عَلَيَّ مِنَ الْأَمِيرِ أَنْ عَاقَبَ فُلَانًا، وَتَرَكَنِي، ثُمَّ حَذَفَ «وَتَرَكَنِي» لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 22] وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا النَّصَبُ، لِتَعَلُّقِ ﴿تَمُنُّهَا﴾ [الشعراء: 22] بِهَا، وَإِذَا كَانَتْ نَصَبًا كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ لِتَعَبُّدِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَالْآخَرُ: الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهَا رَدٌّ عَلَى النِّعْمَةِ.
وَإِذَا كَانَتْ رَفْعًا كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ تَعْبِيدُكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 22] أَنِ اتَّخَذْتَهُمْ عَبِيدًا لَكَ.
يُقَالُ مِنْهُ: عَبَّدْتَ الْعَبِيدَ وَأَعْبَدْتَهُمْ، قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر البسيط]
عَلَامَ يُعْبِدُنِي قَوْمِي وَقَدْ كَثُرَتْ ... فِيهَا أَبَاعِرُ مَا شَاءُوا وَعُبْدَانُ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 22] قَالَ: قَهَرْتَهُمْ وَاسْتَعْمَلْتَهُمْ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: " ﴿تَمُنُّ عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قَالَ: قَهَرْتَ وَغَلَبْتَ وَاسْتَعْمَلْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ "
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 22] وَرَبَّيْتَنِي قَبْلُ وَلِيدًا ". وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا اسْتِفْهَامٌ كَانَ مِنْ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَتَمُنُّ عَلَيَّ أَنِ اتَّخَذْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَبِيدًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: 22] قَالَ: يَقُولُ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: أَتَمُنُّ عَلَيَّ أَنِ اتَّخَذْتَ أَنْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَبِيدًا ". وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ، فَيُقَالُ: هَذَا اسْتِفْهَامٌ كَأَنَّهُ قَالَ: أَتَمُنُّهَا عَلَيَّ؟ ثُمَّ فَسَّرَ فَقَالَ: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 22] وَجَعَلَهُ بَدَلًا مِنَ النِّعْمَةِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُنْكِرُ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَقُولُ: هُوَ غَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَمْزَ الِاسْتِفْهَامِ يُلْقَى وَهُوَ يَطْلُبُ، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهَامُ كَالْخَبَرِ، قَالَ: وَقَدِ اسْتُقْبِحَ وَمَعَهُ أَمْ، وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَاسْتَقْبَحُوا:
[البحر المتقارب]
تَرُوحُ مِنَ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ ... وَمَاذَا يَضُرُّكَ لَوْ تَنْتَظِرْ؟
قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَتَرُوحُ مِنَ الْحَيِّ وَحُذِفَ الِاسْتِفْهَامُ أَوَّلًا اكْتِفَاءً بِأَمْ.
وَقَالَ أَكْثَرَهُمْ: بَلِ الْأَوَّلُ خَبَرٌ، وَالثَّانِي اسْتِفْهَامٌ، وَكَأَنَّ «أَمْ» إِذَا جَاءَتْ بَعْدَ الْكَلَامِ فَهِيَ الْأَلْفُ، فَأَمَّا وَلَيْسَ مَعَهُ أَمْ، فَلَمْ يَقُلْهُ إِنْسَانٌ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ فِي ذَلِكَ مَا قُلْنَا.
وَقَالَ: مَعْنَى الْكَلَامِ: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ لِنِعْمَتِي: أَيْ لِنِعْمَةِ تَرْبِيَتِي لَكَ، فَأَجَابَهُ فَقَالَ: نَعَمْ هِيَ نِعْمَةٌ عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ النَّاسَ وَلَمْ تَسْتَعْبِدْنِي
وَقَوْلُ ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 23] يَقُولُ: وَأَيُّ شَيْءٍ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ مُوسَى هُوَ ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وَمَالِكُهُنَّ ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [المائدة: 17] يَقُولُ: وَمَالِكُ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنينَ﴾ [الشعراء: 24] يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أَنَّ مَا تُعَايِنُونَهُ كَمَا تُعَايِنُونَهُ، فَكَذَلِكَ فَأَيْقِنُوا أَنَّ رَبَّنَا هُوَ رَبُّ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ.
قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ.
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ.
قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ.
قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: 26] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: 25] قَالَ فِرْعَوْنُ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ قَوْمِهِ: أَلَا تَسْتَمِعُونَ لِمَا يَقُولُ مُوسَى، فَأَخْبَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الْقَوْمَ بِالْجَوَابِ عَنْ مَسْأَلَةِ فِرْعَوْنَ إِيَّاهُ وَقِيلِهِ لَهُ ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 23] لِيُفْهِمَ بِذَلِكَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ مَقَالَتَهُ لِفِرْعَوْنَ وَجَوَابَهُ إِيَّاهُ عَمَّا سَأَلَهُ، إِذْ قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: 25] إِلَى قَوْلِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُمُ: الَّذِي دَعْوَتُهُ إِلَيْهِ وَإِلَى عِبَادَتِهِ ﴿رَبُّكُمْ﴾ [البقرة: 21] الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴿وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 26] . فَقَالَ فِرْعَوْنُ لَمَّا قَالَ لَهُمْ مُوسَى ذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُمْ عَمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لِمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: 27] يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَكُمْ هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ، لِأَنَّهُ يَقُولُ قَوْلًا لَا نَعْرِفُهُ وَلَا نَفْهَمُهُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ وَنَسَبَ مُوسَى عَدُوُّ اللَّهِ إِلَى الْجِنَّةِ، لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ قَوْمِهِ أَنَّهُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ يُعْبَدُ، وَأَنَّ الَّذِي يَدْعُوهُ إِلَيْهِ مُوسَى بَاطِلٌ لَيْسَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ، فَقَالَ مُوسَى عِنْدَ ذَلِكَ مُحْتَجًا عَلَيْهِمْ، وَمُعَرِّفَهُمْ رَبَّهُمْ بِصِفَتِهِ وَأَدِلَّتِهِ، إِذْ كَانَ عِنْدَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَنَّ الَّذِيَ يَعْرِفُونَهُ رَبًّا لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ هُوَ فِرْعَوْنُ، وَأَنَّ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ لِآبَائِهِمْ أَرْبَابًا مُلُوكٌ أُخَرُ، كَانُوا قَبْلَ فِرْعَوْنَ قَدْ مَضَوْا، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ أَنَّ مُوسَى أَخْبَرَهُمْ
بِشَيْءٍ لَهُ مَعْنًى يَفْهَمُونَهُ وَلَا يَعْقِلُونَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ، لِأَنَّ كَلَامَهُ كَانَ عِنْدَهُمْ كَلَامًا لَا يَعْقِلُونَ مَعْنَاهُ: الَّذِي أَدْعُوكُمْ وَفِرْعَوْنَ إِلَى عِبَادَتِهِ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَعْنِي مَلِكَ مَشْرِقِ الشَّمْسِ وَمَغْرِبِهَا، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ شَيْءٍ، لَا إِلَى عِبَادَةِ مُلُوكِ مِصْرَ الَّذِينَ كَانُوا مُلُوكَهَا قَبْلَ فِرْعَوْنَ لِآبَائِكُمْ فَمَضَوْا، وَلَا إِلَى عِبَادَةِ فِرْعَوْنَ الَّذِي هُوَ مَلِكُهَا.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118] يَقُولُ: إِنْ كَانَ لَكُمْ عُقُولٌ تَعْقِلُونَ بِهَا مَا يُقَالُ لَكُمْ، وَتَفْهَمُونَ بِهَا مَا تَسْمَعُونَ مِمَّا يُعَيَّنُ لَكُمْ.
فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْأَمْرِ الَّذِي عَلِمُوا أَنَّهُ الْحَقُّ الْوَاضِحُ، إِذْ كَانَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ مُلُوكِ مِصْرَ لَمْ يُجَاوِزْ مُلْكُهُمْ عَرِيشَ مِصْرَ، وَتَبَيَّنَ لِفِرْعَوْنَ وَمَنْ حَوْلَهُ مِنْ قَوْمِهِ أَنَّ الَّذِيَ يَدْعُوهُمْ مُوسَى إِلَى عِبَادَتِهِ، هُوَ الْمَلِكُ الَّذِي يَمْلِكُ الْمُلُوكَ.
قَالَ فِرْعَوْنُ حِينَئِذٍ اسْتِكْبَارًا عَنِ الْحَقِّ، وَتَمَادِيًا فِي الْغَيِّ لِمُوسَى: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ [الشعراء: 29] يَقُولُ: لَئِنْ أَقْرَرْتَ بِمَعْبُودٍ سِوَايَ ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: 29] يَقُولُ: لَأَسْجُنَنَّكَ مَعَ مَنْ فِي السِّجْنِ مِنْ أَهْلِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: 31] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ لَمَّا عَرَّفَهُ رَبَّهُ، وَأَنَّهُ رَبُّ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ، وَدَعَاهُ إِلَى عِبَادَتِهِ وَإِخْلَاصِ الْأُلُوهِةِ لَهُ، وَأَجَابَهُ فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: 29] أَتَجْعَلَنِي مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴿وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ يُبَيِّنُ لَكَ صِدْقَ مَا أَقُولُ يَا فِرْعَوْنُ وَحَقِيقَةَ مَا أَدْعُوكَ إِلَيْهِ؟ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَهُ، لِأَنَّ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ السُّكُونُ لِلْإِنْصَافِ، وَالْإِجَابَةُ إِلَى الْحَقِّ بَعْدَ الْبَيَانِ، فَلَمَّا قَالَ مُوسَى لَهُ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: فَأْتِ بِالشَّيْءِ الْمُبِينِ حَقِيقَةَ مَا تَقُولُ، فَإِنَّا لَنْ نَسْجِنُكَ حِينَئِذٍ إِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: 70] يَقُولُ: إِنْ كُنْتَ مُحِقًّا فِيمَا تَقُولُ، وَصَادِقًا فِيمَا تَصِفُ وَتُخْبِرُ
﴿فَأَلقَى عَصَاهُ فَإذَا هيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: 107] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَتَحَوَّلَتْ ثُعْبَانًا، وَهِيَ الْحَيَّةُ الذَّكَرُ كَمَا قَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ مِنْ صِفَتِهِ , وَقَوْلُهُ ﴿مُبِينٌ﴾ [البقرة: 168] يَقُولُ: يَبِينُ لِفِرْعَوْنَ وَالْمَلَأِ مِنْ قَوْمِهِ أَنَّهُ ثُعْبَانٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: 107] يَقُولُ: مُبِينٌ لَهُ خَلْقُ حَيَّةٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ [الأعراف: 108] يَقُولُ: وَأَخْرَجَ مُوسَى يَدَهُ مِنْ جَيْبِهِ فَإِذَا
هِيَ بَيْضَاءُ تَلْمَعُ ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: 33] لِمَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَرَاهَا "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، قَالَ: " ارْتَفَعَتِ الْحَيَّةُ فِي السَّمَاءِ قَدْرَ مِيلٍ، ثُمَّ سَفَلَتْ حَتَّى صَارَ رَأْسُ فِرْعَوْنَ بَيْنَ نَابَيْهَا، فَجَعَلَتْ تَقُولُ: يَا مُوسَى، مُرْنِي بِمَا شِئْتَ، فَجَعَلَ فِرْعَوْنُ يَقُولُ: يَا مُوسَى، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَرْسَلَكَ، قَالَ: فَأَخَذَهُ بَطْنُهُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ لَلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ.
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ.
قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ.
يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 35] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ فِرْعَوْنُ لَمَّا أَرَاهُ مُوسَى مِنْ عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَسُلْطَانِهِ حُجَّةً عَلَيْهِ لِمُوسَى
بِحَقِيقَةِ مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ وَصِدْقِ مَا أَتَاهُ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ ﴿لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ [الشعراء: 34] يَعْنِي لَأَشْرَافِ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَانُوا حَوْلَهُ: ﴿إنَّ هَذَا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 109] يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى سَحَرَ عَصَاهُ حَتَّى أَرَاكُمُوهَا ثُعْبَانًا ﴿عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 29] ، يَقُولُ: ذُو عِلْمٍ بِالسِّحْرِ وَبَصَرٍ بِهِ.
﴿يُريدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: 35] يَقُولُ: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِكُمْ إِلَى الشَّأْمِ بِقَهْرِهِ إِيَّاكُمْ بِالسِّحْرِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ فَجَعَلَ الْخِطَابَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ مِنَ الْقِبْطِ، وَالْمَعْنِيُّ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، لِأَنَّ الْقِبْطَ كَانُوا قَدِ اسْتَعْبَدُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَاتَّخَذُوهُمْ خَدَمًا لِأَنْفُسِهِمْ وَمَهَانًا، فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾ [الأعراف: 110] وَهُوَ يُرِيدُ: أَنْ يُخْرِجَ خَدَمَكُمْ وَعَبِيدَكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ إِلَى الشَّأْمِ.
وَإِنَّمَا قُلْتُ مَعْنَى ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَرْسَلَ مُوسَى إِلَى فِرْعَوْنَ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ وَلِأَخِيهِ ﴿فَأَتَيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 16]
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: 110] يَقُولُ: فَأَيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَ فِي أَمْرِ مُوسَى وَمَا بِهِ تُشِيرُونَ مِنَ الرَّأْيِ فِيهِ؟ ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرينَ﴾ [الشعراء: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَجَابَ فِرْعَوْنَ الْمَلَأُ حَوْلَهُ بِأَنْ قَالُوا لَهُ: أَخِّرْ مُوسَى وَأَخَاهُ وَأَنْظِرْهُ، وَابْعَثْ فِي بِلَادِكَ وَأَمْصَارِ مِصْرَ ﴿حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف: 111] يُحْشَرُونَ إِلَيْكَ كُلَّ
سَحَّارٍ عَلِيمٍ بِالسِّحْرِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ.
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُجْتَمِعُونَ.
لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَجَمَعَ الْحَاشِرُونَ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ فِرْعَوْنُ بِحَشْرِ السَّحَرَةِ ﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: 38] يَقُولُ: لِوَقْتٍ وَاعَدَ فِرْعَوْنُ لِمُوسَى الِاجْتِمَاعَ مَعَهُ فِيهِ مِنْ
يَوْمٍ مَعْلُومٍ، وَذَلِكَ ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ، وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾ [طه: 59] . وَقِيلَ لِلنَّاسِ: هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ لِتَنْظُرُوا إِلَى مَا يَفْعَلُ الْفَرِيقَانِ، وَلِمَنْ تَكُونُ الْغَلَبَةُ، لِمُوسَى أَوْ لِلسَّحَرَةِ؟ فَلَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ.
وَمَعْنَى لَعَلَّ هُنَا: كَيْ.
يَقُولُ: كَيْ نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ مُوسَى.
وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ مَعْنَاهَا، لِأَنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ كَانُوا عَلَى دِينِ فِرْعَوْنَ، فَغَيْرُ مَعْقُولٍ
أَنْ يَقُولَ مَنْ كَانَ عَلَى دِينٍ: أَنْظُرُ إِلَى حُجَّةِ مَنْ هُوَ عَلَى خِلَافِي لَعَلِّي أَتَّبِعُ دِينَهُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: أَنْظُرُ إِلَيْهَا كَيْ أَزْدَادَ بَصِيرَةً بِدِينِي، فَأُقِيمَ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، فَإِيَّاهَا عَنَوْا بِقِيلِهِمْ: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ.
وَقِيلَ: إِنَّ اجْتِمَاعَهُمْ لِلْمِيقَاتِ الَّذِي اتَّعَدَ لِلِاجْتِمَاعِ فِيهِ فِرْعَوْنُ وَمُوسَى كَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: 39] قَالَ: كَانُوا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، قَالَ: وَيُقَالُ: بَلَغَ ذَنْبُ الْحَيَّةِ مِنْ وَرَاءِ الْبُحَيْرَةِ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: وَهَرَبُوا وَأَسْلَمُوا فِرْعَوْنَ وَهَمَّتْ بِهِ، فَقَالَ: فَخُذْهَا يَا مُوسَى، قَالَ: فَكَانَ فِرْعَوْنُ مِمَّا يَلِي النَّاسَ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَضَعُ عَلَى الْأَرْضِ شَيْئًا، قَالَ: فَأَحْدَثَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَهُ، قَالَ: وَكَانَ إِرْسَالُهُ الْحَيَّةَ فِي الْقُبَّةِ الْحَمْرَاءِ "