وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: 52] يَقُولُ: وَأَنَا مَوْلَاكُمْ فَاتَّقُونِ بِطَاعَتِي تَأْمَنُوا عِقَابِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَنُصِبَتْ ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: 52] عَلَى الْحَالِ.
وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ رَفْعًا.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: رَفْعُ ذَلِكَ إِذَا رُفِعَ عَلَى الْخَبَرِ، وَيَجْعَلُ أُمَّتَكُمْ نَصْبًا عَلَى الْبَدَلِ مِنْ هَذِهِ.
وَأَمَّا نَحْوُيِّوُ الْكُوفَةِ فَيَأْبَوْنَ ذَلِكَ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ شِعْرٍ، وَقَالُوا: لَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِهَذَا غُلَامِكُمْ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا تَتْبَعُهُ إِلَّا الْأَلْفُ وَاللَّامُ وَالْأَجْنَاسُ، لِأَنَّ (هَذَا) إِشَارَةٌ إِلَى عَدَدٍ، فَالْحَاجَةُ فِي ذَلِكَ إِلَى تَبْيِينِ الْمُرَادِ مِنَ الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَيُّ الْأَجْنَاسِ هُوَ؟ وَقَالُوا: وَإِذَا قِيلَ: هَذِهِ أُمَّتُكُمْ وَاحِدَةً، وَالْأُمَّةُ غَائِبَةٌ وَهَذِهِ حَاضِرَةٌ، قَالُوا: فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُبَيَّنَ عَنِ الْحَاضِرِ بِالْغَائِبِ، قَالُوا: فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ: إِنَّ هَذَا زَيْدٌ قَائِمٌ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ هَذَا مُحْتَاجٌ إِلَى الْجِنْسِ لَا إِلَى الْمَعْرِفَةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿زُبُرًا﴾ [المؤمنون: 53] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ
وَالْعِرَاقِ: ﴿ (زُبُرًا) ﴾ بِمَعْنَى جَمْعِ الزَّبُورِ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى قِرَاءَةِ هَؤُلَاءِ: فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ الَّذِينَ أَمَرَهُمُ اللَّهُ مِنْ أُمَّةِ الرَّسُولِ عِيسَى بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى الدِّينِ الْوَاحِدِ , وَالْمِلَّةِ الْوَاحِدَةِ، دِينَهُمُ الَّذِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِلُزُومِهِ ﴿زُبُرًا﴾ [المؤمنون: 53] كُتُبًا، فَدانَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ بِكِتَابٍ غَيْرِ الْكِتَابِ الَّذِينَ دَانَ بِهِ الْفَرِيقُ الْآخَرُ، كَالْيَهُودِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ دَانُوا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ , وَكَذَّبُوا بِحُكْمِ الْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَكَالنَّصَارَى الَّذِينَ دَانُوا بِالْإِنْجِيلِ بِزَعْمِهِمْ وَكَذَّبُوا بِحُكْمِ الْفُرْقَانِ
ذِكْرُ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿زُبُرًا﴾ [المؤمنون: 53] قَالَ: «كُتُبًا» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ [المؤمنون: 53] قَالَ: «كُتُبُ اللَّهِ فَرَّقُوهَا»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ [المؤمنون: 53] قَالَ مُجَاهِدٌ: «كُتُبُهُمْ فَرَّقُوهَا قِطَعًا»
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: إِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: فَتَفَرَّقُوا دِينَهُمْ بَيْنَهُمْ كُتُبًا أَحْدَثُوهَا يَحْتَجُّونَ فِيهَا لِمَذْهَبِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53] قَالَ: «هَذَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْأَدْيَانِ وَالْكُتُبِ، كُلٌّ مُعْجَبُونَ بِرَأْيهِمْ، لَيْسَ أَهْلُ هَوَاءٍ إِلَّا وَهُمْ مُعْجَبُونَ بِرَأْيهِمْ وَهَوَاهُمْ وَصَاحِبِهِمُ الَّذِي اخْتَرَقَ ذَلِكَ لَهُمْ» وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الشَّامِ: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبَرًا) بِضَمِّ الزَّايِ , وَفَتْحِ الْبَاءِ، بِمَعْنَى: فَتَفَرَّقُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ قِطَعًا كَزُبَرِ الْحَدِيدِ، وَذَلِكَ الْقِطَعُ مِنْهَا، وَاحِدَتُهَا زُبْرَةٌ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: 96] . فَصَارَ بَعْضُهُمْ يَهُودًا , وَبَعْضُهُمْ نَصَارَى.
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي نَخْتَارُ فِي ذَلِكَ: قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِضَمِّ الزَّايِ وَالْبَاءِ، لِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْكُتُبُ، فَذَلِكَ يُبَيِّنُ عَنْ صِحَّةِ مَا اخْتَرْنَا فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الزُّبُرَ هِيَ الْكُتُبُ، يُقَالُ مِنْهُ: زَبَرْتُ الْكِتَابَ: إِذْ كَتَبْتُهُ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: فَتَفَرَّقَ الَّذِينَ أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِلُزُومِ دِينِهِ مِنَ الْأُمَمِ دِينَهُمْ بَيْنَهُمْ كُتُبًا، كَمَا بَيَّنَّا قَبْلُ
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53] يَقُولُ: كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ تِلْكِ الْأُمَمِ بِمَا
اخْتَارُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الدِّينِ وَالْكُتُبِ فَرِحُونَ.
مُعْجَبُونَ بِهِ، لَا يَرَوْنَ أَنَّ الْحَقَّ سِوَاهُ
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53] «قِطْعَةٌ وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ [المؤمنون: 53] «قِطْعَةٌ.
أَهْلُ الْكِتَابِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 55] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَدَعْ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا، ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: 54] فِي ضَلَالَتِهِمْ
وَغَيِّهِمْ، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: 35] يَعْنِي: إِلَى أَجَلٍ سَيَأْتِيهِمْ عِنْدَ مَجِيئِهِ عَذَابِي.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: 54] قَالَ: «فِي ضَلَالِهِمْ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: 54] قَالَ: " الْغَمْرَةُ: الْغَمْرُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [المؤمنون: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَيَحْسَبُ هَؤُلَاءِ الْأَحْزَابُ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ زُبُرًا، أَنَّ الَّذِيَ نُعْطِيهِمْ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾ [المؤمنون: 56] يَقُولُ: نُسَابِقُ لَهُمْ فِي خَيْرَاتِ الْآخِرَةِ، وَنُبَادِرُ لَهُمْ فِيهَا؟ وَ (مَا) مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ [المؤمنون: 55] نَصْبٌ،
لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الَّذِي.
﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 56] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَكْذِيبًا لَهُمْ: مَا ذَلِكَ كَذَلِكَ بَلْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ إِمْدَادِيَ إِيَّاهُمْ بِمَا أُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ إِمْلَاءٌ وَاسْتِدْرَاجٌ لَهُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ [المؤمنون: 55] قَالَ: نُعْطِيهِمْ، نُسَارِعُ لَهُمْ قَالَ: نَزِيدُهُمْ فِي الْخَيْرِ، نُمْلِي لَهُمْ قَالَ: «هَذَا لِقُرَيْشٍ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: ثني أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ،
عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، قَوْلُ اللَّهِ: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: 56] قَالَ: «يُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ» وَكَأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ وَجَّهَ بِقِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ، إِلَى أَنَّ تَأْوِيلَهُ: يُسَارِعُ لَهُمْ إِمْدَادُنَا إِيَّاهُمْ بِالْمَالِ وَالْبَنِينَ فِي الْخَيْرَتِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: 58] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: 57] إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِمْ وَخَوْفِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مُشْفِقُونَ، فَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِمْ مِنْ ذَلِكَ دَائِبُونَ فِي طَاعَتِهِ
, جَادُّونَ فِي طَلَبِ مَرْضَاتِهِ.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 58] يَقُولُ: وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ كِتَابِهِ وَحُجَجِهِ مُصَدِّقُونَ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: 59] يَقُولُ: وَالَّذِينَ يُخْلِصُونَ لِرَبِّهِمْ عِبَادَتَهُمْ، فَلَا يَجْعَلُونَ لَهُ فِيهَا لِغَيْرِهِ شِرْكًا لِوَثَنٍ وَلَا لِصَنَمٍ، وَلَا يُرَاءُونَ بِهَا أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، وَلَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَعْمَالَهُمْ لِوَجْهِهِ خَالِصًا، وَإِيَّاهُ يَقْصِدُونَ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ دُونَ كُلِّ شَيْءٍ سِوَاهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتَوْنَ مَا آتَوْا﴾ [المؤمنون: 60] وَالَّذِينَ يُعْطُونَ أَهْلَ
سُهْمَانَ الصَّدَقَةَ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ.
﴿مَا آتَوْا﴾ [المؤمنون: 60] يَعْنِي: مَا أَعْطَوْهُمْ إِيَّاهُ مِنْ صَدَقَةٍ، وَيُؤَدُّونَ حُقُوقَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ إِلَى أَهْلِهَا.
﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60] يَقُولُ: خَائِفَةٌ مِنْ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، فَلَا يُنَجِّيهِمْ مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَهُمْ خَائِفُونَ مِنَ الْمَرْجِعِ إِلَى اللَّهِ لِذَلِكَ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ جَمَعَ إِحْسَانًا وَشَفَقَةً.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبْجَرَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60] قَالَ: «الزَّكَاةُ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60] قَالَ: «الْمُؤْمِنُ يُنْفِقُ مَالَهُ وَقَلْبُهُ وَجِلٌ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60] قَالَ: «يَعْمَلُونَ مَا عَمِلُوا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَلَّا يُنَجِّيَهُمْ ذَلِكَ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ:
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60] قَالَ: «الْمُؤْمِنُ يُنْفِقُ مَالَهُ وَيَتَصَدَّقُ , وَقَلْبُهُ وَجِلٌ أَنَّهُ إِلَى رَبِّهِ رَاجِعٌ»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ جَمَعَ إِحْسَانًا وَشَفَقَةً، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ جَمَعَ إِسَاءَةً وَأَمْنًا.
ثُمَّ تَلَا الْحَسَنُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: 57] إِلَى: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60] وَقَالَ الْمُنَافِقُ: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿يُؤْتَوْنَ مَا آتَوْا﴾ [المؤمنون: 60] قَالَ: يُعْطُونَ مَا أَعْطَوْا.
﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60] يَقُولُ: خَائِفَةٌ "
حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَالِمٌ الْأَفْطَسُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60] قَالَ: «يَفْعَلُونَ مَا يَفْعَلُونَ , وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى الْمَوْتِ؛ وَهِيَ مِنَ الْمُبَشِّرَاتِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60] قَالَ: «يُعْطُونَ مَا أَعْطَوْا وَيَعْمَلُونَ مَا عَمِلُوا مِنْ خَيْرٍ، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ خَائِفَةٌ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60] يَقُولُ: «يَعْمَلُونَ خَائِفِينَ»
قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60] قَالَ: «يُعْطُونَ مَا أَعْطَوْا فَرَقًا مِنَ اللَّهِ وَوَجَلًا مِنَ اللَّهِ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُؤْتَوْنَ مَا آتَوْا﴾ [المؤمنون: 60] «يُنْفِقُونَ مَا أَنْفَقُوا»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60] قَالَ: «يُعْطُونَ مَا أَعْطَوْا وَيُنْفِقُونَ مَا أَنْفَقُوا , وَيَتَصَدَّقُونَ بِمَا تَصَدَّقُوا , وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ، اتِّقَاءً لِسُخْطِ اللَّهِ وَالنَّارِ» وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ، أَعْنِي عَلَى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتَوْنَ مَا آتَوْا﴾ [المؤمنون: 60] قِرَاءَةُ الْأَمْصَارِ، وَبِهِ رُسُومُ مَصَاحِفِهِمْ وَبِهِ نَقْرَأُ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ , وَوِفَاقِهِ خَطَّ مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ،
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي خَلَفٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا عُبَيْدٌ: كَيْفَ نَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتَوْنَ مَا آتَوْا﴾ [المؤمنون: 60] فَقَالَتْ: «يَأْتُونَ مَا أَتَوْا» وَكَأَنَّهَا تَأَوَّلَتْ فِي ذَلِكَ: وَالَّذِينَ يَفْعَلُونَ مَا يَفْعَلُونَ مِنَ الْخَيْرَاتِ , وَهُمْ وَجِلُونَ مِنَ اللَّهِ
كَالَّذِي حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60] هُوَ الَّذِي يُذْنِبُ الذَّنْبَ وَهُوَ وَجِلٌ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «لَا، وَلَكِنْ مَنْ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَهُوَ وَجِلٌ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60] أَهُمُ الَّذِينَ يُذْنِبُونَ وَهُمْ مُشْفِقُونَ