وَقَوْلُهُ: ﴿مَثَانِيَ﴾ [الزمر: 23] يَقُولُ: تُثْنَى فِيهِ الْأَنْبَاءُ وَالْأَخْبَارُ وَالْقَضَاءُ وَالْأَحْكَامُ وَالْحُجَجُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ﴾ [هود: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ، مَا أَتَاهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ، يَعْنِي: يُذِلُّهُ وَيُهِينُهُ ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: 39] يَقُولُ: وَيُنَزَّلُ عَلَيْهِ عَذَابٌ دَائِمٌ لَا يُفَارِقُهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: 41] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر: 41] يَقُولُ: فَمَنْ عَمِلَ
بِمَا فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْهِ وَاتَّبَعَهُ فَلِنَفْسِهِ، يَقُولُ: فَإِنَّمَا عَمِلَ بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَإِيَّاهَا بَغَى الْخَيْرَ لَا غَيْرُهَا، لِأَنَّهُ أَكْسَبَهَا رِضَا اللَّهِ وَالْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ [يونس: 108] يَقُولُ: وَمَنْ جَارَ عَنِ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ، وَالْبَيَانِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ لَكَ، فَضَلَّ عَنْ قَصدِ الْمَحَجَّةِ، وَزَالَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، فَإِنَّمَا يَجُورُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِلَيْهَا يَسُوقُ الْعَطَبَ وَالْهَلَاكَ، لِأَنَّهُ يُكْسِبُهَا سَخَطَ اللَّهِ، وَأَلِيمَ عِقَابِهِ، وَالْخِزْيَ الدَّائِمَ ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 107] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى مِنْ أَرْسَلْتُكَ إِلَيْهِ مِنَ النَّاسِ بِرَقِيبٍ تَرْقَبُ أَعْمَالَهُمْ، وَتَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أَفْعَالَهُمْ، إِنَّمَا أَنْتَ رَسُولٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 107] أَيْ «بِحَفِيظٍ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 107] قَالَ: «بِحَفِيظٍ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يُتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: 42] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْأُلُوهَةَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ خَالِصَةً دُونَ كُلِّ مَا سِوَاهُ، أَنَّهُ
يُمِيتُ وَيُحْيِي، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ شَيْءٌ سِوَاهُ؛ فَجَعَلَ ذَلِكَ خَبَرًا نَبَّهَهُمْ بِهِ عَلَى عَظِيمِ قَدَّرْتِهِ، فَقَالَ: ﴿اللَّهُ يُتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: 42] فَيَقْبَضُهَا عِنْدَ فَنَاءِ أَجَلِهَا، وَانْقِضَاءِ مُدَّةِ حَيَاتِهَا، وَيَتَوَفَّى أَيْضًا الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا، كَمَا الَّتِي مَاتَتْ عِنْدَ مَمَاتِهَا ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر: 42] ذِكْرُ أَنَّ أَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ تَلْتَقِي فِي الْمَنَامِ، فَيَتَعَارَفُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْهَا، فَإِذَا أَرَادَ جَمِيعُهَا الرُّجُوعَ إِلَى أَجْسَادِهَا أَمْسَكَ اللَّهُ أَرْوَاحَ الْأَمْوَاتِ عِنْدَهُ وَحَبَسَهَا، وَأَرْسَلَ أَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى أَجْسَادِهَا إِلَى أَجْلٍ مُسَمًّى وَذَلِكَ إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ حَيَاتِهَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يُتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: 42] الْآيَةَ، قَالَ: «يَجْمَعُ بَيْنَ أَرْوَاحِ الْأَحْيَاءِ، وَأَرْوَاحِ الْأَمْوَاتِ، فَيَتَعَارَفُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتَعَارَفَ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ، وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجْسَادِهَا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: 42] قَالَ: " تُقْبَضُ الْأَرْوَاحُ عِنْدَ نِيَامِ النَّائِمِ، فَتُقْبَضُ رُوحُهُ فِي مَنَامِهِ، فَتَلْقَى الْأَرْوَاحُ بَعْضُهَا بَعْضًا أَرْوَاحُ الْمَوْتَى وَأَرْوَاحُ النِيَامِ، فَتَلْتَقِي فَتَسَاءَلُ، قَالَ: فَيُخْلَى عَنْ أَرْوَاحِ الْأَحْيَاءِ، فَتَرْجِعُ إِلَى أَجْسَادِهَا، وَتُرِيدُ الْأُخْرَى أَنْ تَرْجِعَ، فَيَحْبِسُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ، وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، قَالَ: إِلَى بَقِيَّةِ آجَالِهَا "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42] قَالَ: «فَالنَّوْمُ وَفَاةٌ» ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ [الزمر: 42] «الَّتِي لَمْ يَقْبِضْهَا» ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: 282]
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي قَبْضِ اللَّهِ نَفْسَ النَّائِمِ وَالْمَيِّتِ وَإِرْسَالِهِ بَعْدُ نَفْسَ هَذَا تَرْجِعُ إِلَى جِسْمِهَا، وَحَبْسِهِ لِغَيْرِهَا عَنْ جِسْمِهَا لَعِبْرَةٍ وَعِظَةٍ لِمَنْ تَفَكَّرَ وَتَدَبَّرَ، وَبَيَانًا لَهُ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ إِذَا شَاءَ، وَيُمِيتُ مَنْ شَاءَ إِذَا شَاءَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمِ اتَّخَذَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ دُونِهِ آلِهَتَهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا
شُفَعَاءَ تَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ فِي حَاجَاتِهِمْ
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لَهُمْ: أَتَتَّخِذُونَ هَذِهِ الْآلِهَةَ شُفَعَاءَ كَمَا تَزْعُمُونَ وَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، وَلَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، قُلْ لَهُمْ: إِنْ تَكُونُوا تَعْبُدُونَهَا لِذَلِكَ، وَتَشْفَعُ لَكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ، فَأَخْلِصُوا عِبَادَتَكُمْ لِلَّهِ، وَأَفْرِدُوهُ بِالْأُلُوهَةِ، فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ جَمِيعًا لَهُ، لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ، وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا، وَأَنْتُمْ مَتَى أَخْلَصْتُمْ لَهُ الْعِبَادَةَ، فَدَعَوْتُمُوهُ، وَشَفَّعَكُمْ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، يَقُولُ: لَهُ سُلْطَانُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمُلْكُهَا، وَمَا تَعْبُدُونَ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ لَهُ؛ يَقُولُ: فَاعْبُدُوا الْمَلِكَ لَا الْمَمْلُوكَ الَّذِي لَا يَمْلِكُ شَيْئًا ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 28] يَقُولُ: ثُمَّ إِلَى اللَّهِ مَصِيرُكُمْ، وَهُوَ مُعَاقِبُكُمْ عَلَى إِشْرَاكِكُمْ بِهِ، إِنْ مُتُّمْ عَلَى شِرْكِكُمْ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا، لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَاعْبُدُوا الْمَالِكُ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى نَفْعِكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَعَلَى ضُرِّكُمْ فِيهَا، وَعِنْدَ مَرْجِعِكُمْ إِلَيْهِ بَعْدَ مَمَاتِكُمْ، فَإِنَّكُمْ إِلَيْهِ تَرْجِعُونَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: 43] «الْآلِهَةَ» ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ [الزمر: 43] «الشَّفَاعَةَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي
الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44] قَالَ: «لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ» .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا أُفْرِدَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالذِّكْرِ، فَدُعِيَ وَحْدَهُ، وَقِيلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْمَعَادِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ
الْمَمَاتِ وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ [الزمر: 45] : نَفَرَتْ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: 45] يَقُولُ: وَإِذَا ذُكِرَ الْآلِهَةُ الَّتِي يَدْعُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَعَ اللَّهِ، فَقِيلَ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهَا لَتُرْتَجَى، إِذِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يَسْتَبْشِرُونَ بِذَلِكَ وَيَفْرَحُونَ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر: 45] : «أَيْ نَفَرَتْ قُلُوبُهُمْ وَاسْتَكْبَرْتِ» ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: 45] «الْآلِهَةُ» ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: 45]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،
قَوْلُهُ: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ [الزمر: 45] قَالَ: " انْقَبَضَتْ، قَالَ: وَذَلِكَ يَوْمُ قُرِأَ عَلَيْهِمْ النَّجْمُ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ [الزمر: 45] قَالَ: «نَفَرَتْ» ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: 45] «أَوْثَانُهُمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ، اللَّهُ خَالِقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: 73] الَّذِي لَا تَرَاهُ الْأَبْصَارُ، وَلَا
تَحَسُّهُ الْعُيُونُ، وَالشَّهَادَةُ الَّذِي تَشْهَدُهُ أَبْصَارُ خَلْقِهِ، وَتَرَاهُ أَعْيُنُهُمْ ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ [الزمر: 46] فَتَفْصِلُ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ يَوْمَ تَجْمَعُهُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 113] فِي الدُّنْيَا ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: 113] مِنَ الْقَوْلِ فِيكَ، وَفِي عَظَمَتِكَ وَسُلْطَانِكَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ بَيْنَهُمْ، فَتَقْضِي يَوْمَئِذٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرْتَ وَحْدَكَ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُهُمْ، إِذَا ذُكِرَ مَنْ دُونَكَ اسْتَبْشَرُوا بِالْحَقِّ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ " فَاطِرٌ: «قَالَ خَالِقٌ» وَفِي قَوْلِهِ ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: 73] قَالَ: «مَا غَابَ عَنِ الْعِبَادِ فَهُوَ يَعْلَمُهُ» ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ [الزمر: 46] : «مَا عَرَفَ الْعِبَادُ وَشَهِدُوا، فَهُوَ يَعْلَمُهُ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلُهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْ أَنَّ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] فِي
الدُّنْيَا مِنْ أَمْوَالِهَا وَزِينَتِهَا ﴿وَمِثْلُهُ مَعَهُ﴾ [المائدة: 36] مُضَاعَفًا، فَقُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عِوَضًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، لَفَدَوْا بِذَلِكَ كُلِّهِ أَنْفُسَهُمْ عِوَضًا مِنْهَا، لَيَنْجُوَ مِنْ سُوءِ عَذَابِ اللَّهِ، الَّذِي هُوَ مُعَذِّبُهُمْ بِهِ يَوْمَئِذٍ ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر: 47] يَقُولُ: وَظَهَرَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ، الَّذِي كَانَ أَعَدَّهُ لَهُمْ، مَا لَمْ يَكُونُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَحْتَسِبُونَ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لَهُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَظَهَرَ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿سَيِّئَاتِ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر: 48] مِنَ الْأَعْمَالِ فِي الدُّنْيَا، إِذْ أُعْطُوا كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: 48] وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ، فَلِزَمَهُمْ
عَذَابُ اللَّهِ الَّذِي كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا يَعِدُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، فَكَانُوا بِهِ يَسْخَرُونَ، إِنْكَارًا أَنْ يُصِيبَهُمْ ذَلِكَ، أَوْ يَنَالَهُمْ تَكْذِيبًا مِنْهُمْ بِهِ، وَأَحَاطَ ذَلِكَ بِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 49] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ بُؤْسٌ وَشِدَّةٌ دَعَانَا مُسْتَغِيثًا بِنَا مِنْ جِهَةِ
مَا أَصَابَهُ مِنَ الضُّرِّ، ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا﴾ [الزمر: 49] يَقُولُ: ثُمَّ إِذَا أَعْطَيْنَاهُ فَرَجًا مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ، بِأَنْ أَبْدَلْنَاهُ بِالضُّرِّ رَخَاءً وَسِعَةً، وَبِالسَّقَمِ صِحَّةً وَعَافِيَةً، فَقَالَ: إِنَّمَا أُعْطِيتُ الَّذِي أُعْطِيتُ مِنَ الرَّخَاءِ وَالسَّعَةِ فِي الْمَعِيشَةِ، وَالصِّحَّةِ فِي الْبُدْنِ وَالْعَافِيَةِ، عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي، يَعْنِي عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِأَنِّي لَهُ أَهْلٌ لِشَرَفِي وَرِضَاهُ بِعَمَلِي عِنْدِي يَعْنِي: فِيمَا عِنْدِي، كَمَا يُقَالُ: أَنْتَ مُحْسِنٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ عِنْدِي: أَيْ فِيمَا أَظُنُّ وَأَحْسِبُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ دَلَكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا﴾ [الزمر: 49] حَتَّى بَلَغَ ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: 49] عِنْدِي: «أَيْ عَلَى خَيْرٍ عِنْدِي»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا﴾ [الزمر: 49] قَالَ: «أَعْطَيْنَاهُ»