وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: 31] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: جَعَلْنَا هَذِهِ الْفِجَاجَ فِي الْأَرْضِ لِيَهْتَدُوا إِلَى السَّيْرِ فِيهَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَتَرْكَبُ خَيْلًا لَا هُوَادَةَ بَيْنَهَا ... وَتَشْقَى الرِّمَاحُ بِالضَّيَاطِرَةِ الْحُمْرِ
وَكَقَوْلِ ابْنِ مُقْبِلٍ:
[البحر البسيط]
حَسَرْتُ كَفِّي عَنِ السِّرْبَالِ آخُذُهُ ... فَرْدًا يُجَرُّ عَلَى أَيْدِي الْمُفَدِّينَا
يُرِيدُ: حَسَرْتُ السِّرْبَالَ عَنْ كَفِّي، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْمَقْلُوبِ.
وَفِي إِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ الْكِفَايَةُ الْمُغْنِيَةُ عَنِ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى فَسَادِهِ بِغَيْرِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدَنَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَمَّنْ قَالَ مَعْنَاهُ: خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ فِي خَلْقِهِ , أَيْ عَلَى عَجَلٍ وَسُرْعَةٍ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ بُودِرَ بِخَلْقِهِ مَغِيبَ الشَّمْسِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ نَهَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ وَإِنَّمَا قُلْنَا أَوْلَى الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، لِدِلَالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الأنبياء: 37] عَلَيَّ ذَلِكَ، وَأَنَّ أَبَا كُرَيْبٍ:
حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً» يُقَلِّلُهَا قَالَ: «لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ» فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّ سَاعَةٍ هِيَ، هِيَ آخِرُ سَاعَاتِ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الأنبياء: 37]
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ , وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ , وَأُسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: ثنا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبَى هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ وَذَكَرَ كَلَامَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ بِنَحْوِهِ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَا كَانَ الصَّوَابُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا قُلْنَا بِمَا بِهِ اسْتَشْهَدْنَا ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] وَلِذَلِكَ يَسْتَعْجِلُ رَبَّهُ بِالْعَذَابِ.
﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الأنبياء: 37] أَيُّهَا الْمُسْتَعْجِلُونَ رَبَّهُمْ بِالْآيَاتِ الْقَائِلُونَ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ هُوَ شَاعِرٌ، فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ , آيَاتِي كَمَا أَرَيْتُهَا مَنْ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا بِتَكْذِيبِهَا الرُّسُلَ، إِذْ أَتَتْهَا الْآيَاتُ: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الأنبياء: 37] يَقُولُ: فَلَا تَسْتَعْجِلُوا رَبَّكُمْ، فَإِنَّا سَنَأْتِيكُمْ بِهَا , وَنُرِيكُمُوهَا وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] بِضَمِّ الْخَاءِ عَلَى مَذْهَبِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
وَقَرَأَهُ حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ: (خَلَقَ) بِفَتْحِهَا، بِمَعْنَى: خَلَقَ اللَّهُ الْإِنْسَانَ وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، هِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ خِلَافَهَا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَعْجِلُونَ رَبَّهُمْ بِالْآيَاتِ وَالْعَذَابِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ؟ يَقُولُ: مَتَى يَجِيئُنَا هَذَا الَّذِي تَعِدُنَا مِنَ الْعَذَابِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ , فِيمَا تَعِدُونَنَا بِهِ مِنْ ذَلِكَ؟ وَقِيلَ: ﴿هَذَا الْوَعْدُ﴾
[يونس: 48] وَالْمَعْنَى: الْمَوْعُودُ , لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ مَعْنَاهُ.
وَقِيلَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23] كَأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ.
وَ (مَتَى) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَيُّ وَقْتٍ هَذَا الْوَعْدُ , وَأَيُّ يَوْمٍ هُوَ؟ فَهُوَ نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ لِأَنَّهُ وَقْتٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الأنبياء: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَوْ يَعْلَمُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ الْمُسْتَعْجِلُونَ عَذَابَ رَبِّهِمْ مَاذَا لَهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ حِينَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ، وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ، فَلَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ
الَّتِي تَلْفَحُهَا، وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ , فَيَدْفَعُونَهَا عَنْهَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴿وَلاَهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يَقُولُ: وَلَا لَهُمْ نَاصِرٌ يَنْصُرُهُمْ، فَيَسْتَنْقِذُهُمْ حِينَئِذٍ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ , لَمَا أَقَامُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَلَسَارَعُوا إِلَى التَّوْبَةِ مِنْهُ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَلَمَا اسْتَعْجَلُوا لِأَنْفُسِهِمُ الْبَلَاءَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [الأنبياء: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا تَأْتِي هَذِهِ النَّارُ الَّتِي تَلْفَحُ وُجُوهَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ
وَصَفَ أَمْرَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ حِينَ تَأْتِيهِمْ عَنْ عِلْمٍ مِنْهُمْ بِوَقْتِهَا، وَلَكِنَّهَا تَأْتِيهِمْ مُفَاجَأَةً لَا يَشْعُرُونَ بِمَجِيئِهَا ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء: 40] يَقُولُ: فَتَغْشَاهُمْ فَجْأَةً، وَتَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ مُعَايَنَةً كَالرَّجُلِ يَبْهَتُ الرَّجُلَ فِي وَجْهِهِ بِالشَّيْءِ، حَتَّى يَبْقَى الْمَبْهُوتُ كَالْحَيْرَانِ مِنْهُ ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ [الأنبياء: 40] يَقُولُ: فَلَا يُطِيقُونَ حِينَ تَبْغَتُهُمْ فَتَبْهَتُهُمْ دَفْعَهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [البقرة: 162] يَقُولُ: وَلَا هُمْ وَإِنْ لَمْ يُطِيقُوا دَفْعَهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ يُؤَخَّرُونَ بِالْعَذَابِ بِهَا لِتَوْبَةٍ يُحْدِثُونَهَا , وَإِنَابَةٍ يُنِيبُونَ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حِينَ عَمَلٍ , وَسَاعَةَ تَوْبَةٍ وإنابةٍ، بَلْ هِيَ سَاعَةُ مُجَازَاةٍ وَإِثَابَةٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ يَتَّخِذُكَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ لَكَ: هَلْ هَذَا إِلَّا بِشْرٌ مِثْلَكُمْ، أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ، إِذْ رَأَوْكَ هُزُوًا وَيَقُولُونَ:
هَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ , كُفْرًا مِنْهُمْ بِاللَّهِ، وَاجْتِرَاءً عَلَيْهِ.
فَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ رُسُلِنَا الَّذِينَ أَرْسَلْنَاهُمْ مِنْ قَبْلِكِ إِلَى أُمَمِهِمْ.
يَقُولُ: فَوَجَبَ وَنَزَلَ بِالَّذِينَ اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ، وَسَخِرُوا مِنْهُمْ مِنْ أُمَمِهِمْ ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الشعراء: 6] . يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: حَلَّ بِهِمُ الَّذِي كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْعَذَابِ الَّذِي كَانَتْ رُسُلُهُمْ تُخَوِّفُهُمْ نُزُولَهُ بِهِمْ، ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الشعراء: 6] : يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، فَلَنْ يَعْدُوَ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَهْزِئُونَ بِكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ أَنْ يَكُونُوا كَأَسْلَافِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ رُسُلَهَا، فَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ بِاسْتِهْزَائِهِمْ بِكَ نَظِيرُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 42] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُسْتَعْجِلِيكَ بِالْعَذَابِ، الْقَائِلِينَ: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ [الأنبياء: 42] أَيُّهَا الْقَوْمُ، يَقُولُ: مَنْ يَحْفَظُكُمْ , وَيَحْرُسُكُمْ بِاللَّيْلِ إِذَا نِمْتُمْ، وَبِالنَّهَارِ إِذَا تَصَرَّفْتُمْ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: 45] يَقُولُ: مِنْ أَمْرِ الرَّحْمَنِ إِنْ نَزَلَ بِكُمْ، وَمِنْ عَذَابِهِ إِنْ حَلَّ بِكُمْ.
وَتَرَكَ ذِكْرَ الْأَمْرِ , وَقِيلَ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: 45] اجْتِزَاءً بِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ لِمَعْنَاهُ مِنْ ذِكْرِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: 42] قَالَ: يَحْرُسُكُمْ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: 42] قُلْ مَنْ يَحْفَظُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ يُقَالُ مِنْهُ: كَلَأْتُ الْقَوْمَ: إِذَا حَرَسْتُهُمْ، أَكْلَؤُهُمْ , كَمَا قَالَ ابْنُ هَرْمَةَ: [البحر المنسرح] إِنَّ سُلَيْمَى وَاللَّهُ يَكْلَؤُهَا ... ضَنَّتْ بِشَيْءٍ مَا كَانَ يَرْزَؤُهَا
قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 42] وَقَوْلُهُ: بَلْ: تَحْقِيقٌ لِجَحْدٍ قَدْ عَرَفَهُ الْمُخَاطَبُونَ بِهَذَا الْكَلَامِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ظَاهِرًا وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا لَهُمْ أَنْ لَا يَعْلَمُوا أَنَّهُ لَا كَالِئَ لَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِذَا هُوَ حَلَّ بِهِمْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ مَوَاعِظِ رَبِّهِمْ , وَحُجَجِهِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِمْ مُعْرِضُونَ , لَا يَتَدَبَّرُونَ ذَلِكَ , فَلَا يَعْتَبِرُونَ بِهِ، جَهْلًا مِنْهُمْ وَسَفَهًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلِهَؤُلَاءِ الْمُسْتَعْجِلِي رَبَّهُمْ بِالْعَذَابِ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ، إِنْ نَحْنُ أَحْلَلْنَا بِهِمْ عَذَابَنَا، وَأَنْزَلْنَا بِهِمْ بَأْسَنَا مِنْ دُونِنَا؟ وَمَعْنَاهُ: أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ مِنْ دُونِنَا تَمْنَعُهُمْ
مِنَّا؟ ثُمَّ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْآلِهَةَ بِالضَّعْفِ , وَالْمَهَانَةِ، وَمَا هِيَ بِهِ مِنْ صِفَتِهَا، فَقَالَ: وَكَيْفَ تَسْتَطِيعُ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَهَا مِنْ دُونِنَا أَنْ تَمْنَعَهُمْ مِنَّا؟ وَهِيَ لَا تَسْتَطِيعُ نَصْرَ أَنْفُسِهَا وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: 43] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِذَلِكَ، وَفِي مَعْنَى ﴿يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: 43] ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ الْآلِهَةَ، وَأَنَّهَا لَا تُصْحَبُ مِنَ اللَّهِ بِخَيْرٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنبياء: 43] يَعْنِي الْآلِهَةَ
﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: 43] يَقُولُ: لَا يُصْحَبُونَ مِنَ اللَّهِ بِخَيْرٍ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا هُمْ مِنَّا يُنْصَرُونَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: 43] قَالَ: لَا يُنْصَرُونَ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء: 43] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: 43] قَالَ: يُنْصَرُونَ.
قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: وَلَا هُمْ يَحْفَظُونَ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: 43] يُجَارُونَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: 43] يَقُولُ: وَلَا هُمْ مِنَّا يُجَارُونَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: 88] يَعْنِي
الصَّاحِبَ، وَهُوَ الْإِنْسَانُ يَكُونُ لَهُ خَفِيرٌ مِمَّا يَخَافُ، فَهُوَ قَوْلُهُ ﴿يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: 43] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَّ ﴿هُمْ﴾ [الأنبياء: 43] مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا هُمْ﴾ [الأنبياء: 43] مِنْ ذِكْرِ الْكُفَّارِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: 43] بِمَعْنَى: يُجَارُونَ , يُصْحَبُونَ بِالْجِوَارِ , لِأَنَّ الْعَرَبَ مَحْكِيُّ عَنْهَا: أَنَا لَكَ جَارٌ مِنْ فُلَانٍ , وَصَاحِبٌ، بِمَعْنَى: أُجِيرُكَ , وَأَمْنَعُكَ، وَهُمْ إِذَا لَمْ يُصْحَبُوا بِالْجِوَارِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَانِعٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَعَ سَخَطِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُصْحَبُوا بِخَيْرٍ , وَلَمْ يُنْصَرُوا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: 44] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ آلِهَةٍ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا، وَلَا جَارٌ يُجِيرُهُمْ مِنْ عَذَابِنَا، إِذَا نَحْنُ أَرَدْنَا عَذَابَهُمْ، فَاتَّكَلُوا عَلَى
ذَلِكَ، وَعَصَوْا رُسُلَنَا اتِّكَالًا مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ , وَلَكِنَّا مَتَّعْنَاهُمْ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا , وَآبَاءَهُمْ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ مُقِيمُونَ، لَا تَأْتِيَهِمْ مِنَّا وَاعِظَةٌ مِنْ عَذَابٍ , وَلَا زَاجِرَةٌ مِنْ عِقَابٍ عَلَى كُفْرِهِمْ , وَخِلَافِهِمْ أَمْرَنَا , وَعِبَادَتِهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ، فَنَسُوا عَهْدَنَا , وَجَهِلُوا مَوْقِعَ نِعْمَتِنَا عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَعْرِفُوا مَوْضِعَ الشُّكْرِ
وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: 44] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَلَا يَرَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ , السَّائِلُو مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَاتِ ,
الْمُسْتَعْجِلُو بِالْعَذَابِ، أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نُخَرِّبُهَا مِنْ نَوَاحِيهَا , بِقَهْرِنَا أَهْلَهَا، وَغَلَبَتِنَاهُمْ، وَإِجْلَائِهِمْ عَنْهَا، وَقَتْلِهِمْ بِالسُّيُوفِ، فَيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ , وَيَتَّعِظُوا بِهِ، وَيَحْذَرُوا مِنَّا أَنْ نُنْزِلَ مِنْ بَأْسِنَا بِهِمْ نَحْوَ الَّذِي قَدْ أَنْزَلْنَا بِمَنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْأَطْرَافِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْقَائِلِينَ بِقَوْلِنَا هَذَا , وَمُخَالِفِيهِ بِالرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: 44] يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَفَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْتَعْجِلُو مُحَمَّدًا بِالْعَذَابِ , الْغَالِبُونَا؟ وَقَدْ رَأَوْا قَهَرْنَا مَنْ أَحْلَلْنَا بِسَاحَتِهِ بَأْسَنَا فِي أَطْرَافِ الْأَرَضِينَ؟ لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، بَلْ نَحْنُ الْغَالِبُونَ.
وَإِنَّمَا هَذَا تَقْرِيعٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ بِجَهْلِهِمْ، يَقُولُ:
أَفَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَغْلِبُونَ مُحَمَّدًا وَيَقْهَرُونَهُ، وَقَدْ قَهَرَ مَنْ نَاوَأَهُ مِنْ أَهْلِ أَطْرَافِ الْأَرْضِ غَيْرِهِمْ؟
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَفْهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: 44] يَقُولُ: لَيْسُوا بِغَالِبِينَ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْغَالِبُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ [الأنبياء: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ: إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ بِتَنْزِيلِ اللَّهِ الَّذِي يُوحِيهِ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ،
وَأُخَوِّفُكُمْ بِهِ بَأْسَهُ.
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: 45] أَيْ بِهَذَا الْقُرْآنِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ [الأنبياء: 45] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿وَلَا يَسْمَعُ﴾ [الأنبياء: 45] بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ (يَسْمَعُ) , بِمَعْنَى أَنَّهُ فِعْلٌ لِلصُّمِّ، وَالصُّمُّ حِينَئِذٍ مَرْفُوعُونَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (وَلَا تُسْمَعُ) بِالتَّاءِ وَضَمِّهَا، فَالصُّمُّ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ
مَرْفُوعَةٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: (وَلَا تُسْمَعُ) لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: وَلَا يُسْمِعُ اللَّهُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا يُصْغِي الْكَافِرُ بِاللَّهِ بِسَمْعِ قَلْبِهِ إِلَى تَذَكُّرِ مَا فِي وَحْيِ اللَّهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالذِّكْرِ، فَيَتَذَكَّرُ بِهِ وَيَعْتَبِرُ، فَيَنْزَجِرُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مُقِيمٌ مِنْ ضَلَالَةٍ إِذَا تُلِيَ عَلَيْهِ , وَأُرِيدَ بِهِ , وَلَكِنَّهُ يُعْرِضُ عَنِ الِاعْتِبَارِ بِهِ , وَالتَّفَكُّرِ فِيهِ، فِعْلَ الْأَصَمِّ الَّذِي لَا يَسْمَعُ مَا يُقَالُ لَهُ فَيَعْمَلُ بِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ [الأنبياء: 45] يَقُولُ: إِنَّ الْكَافِرَ قَدْ صُمَّ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ لَا يَسْمَعُهُ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يَعْقِلُهُ، كَمَا يَسْمَعْهُ الْمُؤْمِنُ وَأَهْلُ الْإِيمَانِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 46] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَئِنْ مَسَّتْ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَعْجِلِينَ بِالْعَذَابِ يَا مُحَمَّدُ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ، يَعْنِي بِالنَّفْحَةِ النَّصِيبَ وَالْحَظَّ، مِنْ قَوْلِهِمْ: نَفَحَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ مِنْ عَطَائِهِ: إِذَا أَعْطَاهُ قَسْمًا أَوْ نَصِيبًا
مِنَ الْمَالِ كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: 46] . الْآيَةُ , يَقُولُ: لَئِنْ أَصَابَتْهُمْ عُقُوبَةٌ
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 46] يَقُولُ: لَئِنْ أَصَابَتْهُمْ هَذِهِ النَّفْحَةُ مِنْ عُقُوبَةِ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ بِتَكْذِيبِهِمْ بِكَ , وَكُفْرِهِمْ، لَيَعْلَمُنَّ حِينَئِذٍ غِبَّ تَكْذِيبِهِمْ بِكَ، وَلَيَعْتَرِفُنَّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ , وَكُفْرَانِهِمْ أَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ، وَلَيَقُولُنَّ: يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فِي
عِبَادَتِنَا الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ، وَتَرْكِنَا عِبَادَةَ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَنَا , وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا، وَوَضَعْنَا الْعِبَادَةَ غَيْرَ مَوْضِعِهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: 47] الْعَدْلَ وَهُوَ ﴿الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: 47] .
وَجَعَلَ الْقِسْطَ وَهُوَ مُوَحَّدٌ مِنْ نَعْتِ الْمَوَازِينَ، وَهُوَ جَمْعٌ , لِأَنَّهُ فِي مَذْهَبِ: عَدْلٍ وَرِضًا وَنَظَرٍ وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47] يَقُولُ: لِأَهْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ وَرَدَ عَلَى اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ خَلْقِهِ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُ مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى (فِي) كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَوْلُهُ ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: 47] يَقُولُ: فَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ نَفْسًا مِمَّنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ شَيْئًا بِأَنْ يُعَاقِبَهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَعْمَلْهُ أَوْ يَبْخَسَهُ ثَوَابَ عَمَلٍ عَمِلَهُ , وَطَاعَةٍ أَطَاعَهُ بِهَا , وَلَكِنْ يُجَازِي الْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ , وَلَا يُعَاقِبُ مُسِيئًا إِلَّا بِإِسَاءَتِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: 8] يَعْنِي بِالْوَزْنِ: الْقِسْطَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ فِي الْأَعْمَالِ الْحَسَنَاتِ , وَالسَّيِّئَاتِ , فَمَنْ أَحَاطَتْ حَسَنَاتُهُ بِسَيِّئَاتِهِ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، يَقُولُ: أَذْهَبَتْ حَسَنَاتُهُ سَيِّئَاتِهِ، وَمَنْ أَحَاطَتْ سَيِّئَاتُهُ بِحَسَنَاتِهِ فَقَدْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ , وَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، يَقُولُ: أَذْهَبَتْ سَيِّئَاتُهُ حَسَنَاتِهِ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ
ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47] قَالَ: إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ، كَمَا يَجُوزُ الْوَزْنُ كَذَلِكَ يَجُوزُ الْحَقُّ.
قَالَ الثَّوْرِيُّ: قَالَ لَيْثٌ: عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: 47] قَالَ: الْعَدْلَ