وَقَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: 10] يَقُولُ: وَأَنْتُمْ تَشْكُرُونَ قَلِيلًا مِنَ الشُّكْرِ رَبَّكُمْ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: 10] أَيْ صَارَتْ لُحُومُنَا وَعِظَامُنَا تُرَابًا فِي الْأَرْضِ، وَفِيهَا لُغَتَانِ: ضَلَلْنَا، وَضَلِلْنَا، بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا، وَالْقِرَاءَةُ عَلَى
فَتْحِهَا، وَهِيَ الْجَوْدَاءُ، وَبِهَا نَقْرَأُ، وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (أَئِذَا صَلَلْنَا) ، بِالصَّادِ، بِمَعْنَى: أَنْتَنَّا، مِنْ قَوْلِنَا: صَلَّ اللَّحْمُ وَأَصَلَّ: إِذَا أَنْتَنَ، وَإِنَّمَا عَنَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: 10] أَيْ إِذَا هَلَكَتْ أَجْسَادُنَا فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَلَبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ حَتَّى خَفِيَ فِيمَا غَلَبَ، فَإِنَّهُ قَدْ ضَلَّ فِيهِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: قَدْ ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ: إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَتَبَيَّنَ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ لِجَرِيرٍ: [البحر الكامل] كُنْتَ الْقَذَى فِي مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ ... قَذَفَ الْأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: 10] يَقُولُ: أَئِذَا هَلَكْنَا ". حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: 10] هَلَكْنَا
حُدِّثَنَا عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ " ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: 10] يَقُولُ: أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَنُبْعَثُ خَلْقًا جَدِيدًا؟ يَكْفُرُونَ بِالْبَعْثِ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: 10] قَالَ: قَالُوا: أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا؟ "
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا بِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ جُحُودُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى مَا يَشَاءُ، بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ، حَذَرًا لِعِقَابِهِ، وَخَوْفَ مُجَازَاتِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ، فَهُمْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَجْحَدُونَ لِقَاءَ رَبِّهِمْ فِي الْمَعَادِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ [السجدة: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: 11] يَقُولُ: يَسْتَوْفِي عَدَدَكُمْ بِقَبْضِ أَرْوَاحِكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ ﴿الَّذِي وُكِّلَ﴾ [السجدة: 11] بِقَبْضِ أَرْوَاحِكُمْ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ: [البحر الرجز] إِنَّ بَنِي الْأَدْرَمِ لَيْسُوا مِنْ أَحَدْ ... وَلَا تَوَفَّاهُمْ قُرَيْشٌ فِي الْعَدَدْ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: 11] قَالَ: مَلَكُ الْمَوْتِ يَتَوَفَّاكُمْ، وَمَعَهُ أَعْوَانٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: قَوْلُهُ " ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: 11] قَالَ: حُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ، فَجُعِلَتْ لَهُ مِثْلَ الطَّسْتِ، يَتَنَاوَلُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ". حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِنَحْوِهِ
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: 11] يَقُولُ: مَنْ بَعْدِ قَبْضِ مَلَكِ الْمَوْتِ أَرْوَاحَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُرَدُّونَ أَحْيَاءً كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ وَفَاتِكُمْ، فَيُجَازَى الْمُحْسِنُ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ، وَالْمُسِيءُ بِإِسَاءَتِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا، فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ تَرَى يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: 10] إِذْ هُمْ نَاكِسُو
رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ حَيَاءً مِنْ رَبِّهِمْ، لِلَّذِي سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ مَعَاصِيهِ فِي الدُّنْيَا، يَقُولُونَ: يَا ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ [السجدة: 12] مَا كُنَّا نُكَذِّبُ بِهِ مِنْ عِقَابِكَ أَهْلَ مَعَاصِيكَ ﴿وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة: 12] مِنْكَ تَصْدِيقَ مَا كَانَتْ رُسُلُكَ تَأْمُرُنَا بِهِ فِي الدُّنْيَا، ﴿فَارْجِعْنَا﴾ [السجدة: 12] يَقُولُ: فَارْدُدْنَا إِلَى الدُّنْيَا نَعْمَلْ فِيهَا بِطَاعَتِكَ، وَذَلِكَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 12] يَقُولُ: إِنَّا قَدْ أَيْقَنَّا الْآنَ مَا كُنَّا بِهِ فِي الدُّنْيَا جُهَّالًا مِنْ وَحْدَانِيَّتِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُعْبَدَ سِوَاكَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَبٌّ سِوَاكَ، وَأَنَّكَ تُحْيِي وَتُمِيتُ، وَتَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَالْفَنَاءِ، وَتَفْعَلُ مَا تَشَاءُ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ " ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: قَدْ حَزِنُوا وَاسْتَحْيُوا "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا، وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلَ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [الأعراف: 176] يَا مُحَمَّدُ ﴿لَآتَيْنَا﴾ [السجدة: 13] هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ ﴿هُدَاهَا﴾ [السجدة: 13] يَعْنِي: رُشْدَهَا وَتَوْفِيقَهَا لِلْإِيمَانِ بِاللَّهِ ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: 13] يَقُولُ: وَجَبَ الْعَذَابُ مِنِّي لَهُمْ، وَقَوْلُهُ ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: 119] يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ مِنْهُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: 13] قَالَ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا، لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ ﴿عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: 4] ، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: 13] حَقَّ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ إِذَا هُمْ دَخَلُوا النَّارَ: ذُوقُوا عَذَابَ اللَّهِ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي الدُّنْيَا، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة: 14] يَقُولُ: إِنَّا تَرَكْنَاكُمُ الْيَوْمَ فِي النَّارِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ [السجدة: 14] يَقُولُ: يُقَالُ لَهُمْ أَيْضًا: ذُوقُوا عَذَابًا تَخْلُدُونَ فِيهِ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ [آل عمران: 79] فِي الدُّنْيَا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74] مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة: 14] قَالَ: نُسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَأَمَّا الشَّرُّ فَلَمْ يُنْسَوْا مِنْهُ "
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة: 14] يَقُولُ: تَرَكْنَاكُمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا يُصَدِّقُ بِحُجَجِنَا وَآيَاتِ كِتَابِنَا إِلَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا وَوُعِظُوا ﴿خَرُّوا﴾ [مريم: 58] لِلَّهِ ﴿سُجَّدًا﴾ [البقرة: 58] لِوُجُوهِهِمْ، تَذَلُّلًا لَهُ، وَاسْتِكَانَةً لِعَظَمَتِهِ، وَإِقْرَارًا
لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: 15] يَقُولُ: وَسَبَّحُوا اللَّهَ فِي
سُجُودِهِمْ بِحَمْدِهِ، فَيُبَرِّئُونَهُ مِمَّا يَصِفُهُ أَهْلُ الْكُفْرِ بِهِ، وَيُضِيفُونَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّاحِبَةِ وَالْأَوْلَادِ وَالشُّرَكَاءِ وَالْأَنْدَادِ ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: 49] يَقُولُ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ السُّجُودِ لَهُ وَالتَّسْبِيحِ، لَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنِ التَّذَلُّلِ لَهُ وَالِاسْتِكَانَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّ قَوْمًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَخْرُجُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: 16] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: تَتَنَحَّى جُنُوبُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، الَّذِينَ وَصَفْتُ صِفَتَهُمْ، وَتَرْتَفِعُ مِنْ مَضَاجِعِهِمُ الَّتِي يَضْطَجِعُونَ لِمَنَامِهِمْ، وَلَا يَنَامُونَ ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: 16] فِي
عَفْوِهِ عَنْهُمْ، وَتَفَضُّلِهِ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 3] فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيُؤَدُّونَ مِنْهُ حُقُوقَ اللَّهِ الَّتِي أَوْجَبَهَا عَلَيْهِمْ فِيهِ.
وَ ﴿تَتَجَافَى﴾ [السجدة: 16] : تَتَفَاعَلُ مِنَ الْجَفَاءِ؛ وَالْجَفَاءُ: النَّبْوُ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
وَصَاحِبِي ذَاتُ هِبَابٍ دَمْشَقِ ... وَابْنُ مِلَاطٍ مُتَجَافٍ أَرْفَقِ
يَعْنِي: أَنَّ كَرَمَهَا سَجِيَّةٌ عَنِ ابْنِ مِلَاطِ.
وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِتَجَافِي جُنُوبِهِمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ لِتَرْكِهِمُ الِاضْطِجَاعَ لِلنَّوْمِ شُغْلًا بِالصَّلَاةِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي وَصَفَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، أَنَّ جُنُوبَهُمْ تَتَجَافَى لَهَا عَنِ الْمُضْطَجِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الصَّلَاةُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَقَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي عَرُوبَةَ، قَالَ: قَالَ قَتَادَةُ، قَالَ أَنَسٌ فِي قَوْلِهِ " ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17] قَالَ: كَانُوا يَتَنَفَّلُونَ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَكَذَلِكَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ "
قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] قَالَ: يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ "
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، " ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] قَالَ: مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: ثنا الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ الرَّاسِبِيُّ قَالَ: ثنا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: " ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] قَالَ: كَانُوا يَتَطَوَّعُونَ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ "
قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ، " ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] قَالَ: مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ
، " ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] ، قَالَ: كَانُوا يَتَنَفَّلُونَ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ ". وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِهَا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، " ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] ، قَالَ: عَنِ الْعَتَمَةِ "
وَذُكِرَ عَنْ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: «الْعَتَمَةُ» . وَقَالَ آخَرُونَ: لِانْتِظَارِ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] نَزَلَتْ فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ الَّتِي تُدْعَى الْعَتَمَةَ ". وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِهَا قِيَامَ اللَّيْلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، " ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] ، قَالَ: قِيَامُ اللَّيْلِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] ، قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُتَهَجِّدُونَ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: قَوْلُهُ " ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] ، يَقُومُونَ يُصَلُّونَ مِنَ اللَّيْلِ ". وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا هَذِهِ صِفَةُ قَوْمٍ لَا تَخْلُو أَلْسِنَتُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ " ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: 16] : وَهُمْ قَوْمٌ لَا يَزَالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ، إِمَّا فِي صَلَاةٍ، وَإِمَّا قِيَامًا، وَإِمَّا قُعُودًا، وَإِمَّا إِذَا اسْتَيْقَظُوا مِنْ مَنَامِهِمْ، هُمْ قَوْمٌ لَا يَزَالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ " ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] ، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ يَقُولُ: تَتَجَافَى لِذِكْرِ اللَّهِ، كُلَّمَا اسْتَيْقَظُوا ذَكَرُوا اللَّهَ، إِمَّا فِي الصَّلَاةِ، وَإِمَّا فِي قِيَامٍ، أَوْ فِي قُعُودٍ، أَوْ عَلَى جُنُوبِهِمْ، فَهُمْ لَا يَزَالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ". وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِأَنَّ جُنُوبَهُمْ تَنْبُو عَنْ مَضَاجِعِهِمْ، شُغْلًا مِنْهُمْ بِدُعَاءِ رَبِّهِمْ وَعِبَادَتِهِ خَوْفًا وَطَمَعًا، وَذَلِكَ نُبُوُّ جُنُوبِهِمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ لَيْلًا، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ وَصْفِ الْوَاصِفِ رَجُلًا بِأَنَّ جَنْبَهُ نَبَا عَنْ مَضْجَعِهِ، إِنَّمَا هُوَ وَصْفٌ مِنْهُ لَهُ بِأَنَّهُ جَفَا عَنِ النَّوْمِ فِي وَقْتِ مَنَامِ النَّاسِ الْمَعْرُوفِ، وَذَلِكَ اللَّيْلُ دُونَ النَّهَارِ، وَكَذَلِكَ تَصِفُ الْعَرَبُ الرَّجُلَ إِذَا وَصَفَتْهُ بِذَلِكَ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صِفَةِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [البحر الطويل]
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يُخَصِّصْ فِي وَصْفِهِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِالَّذِي وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ جَفَاءِ جُنُوبِهِمْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ مِنْ أَحْوَالِ اللَّيْلِ وَأَوْقَاتِهِ حَالًا وَوَقْتًا دُونَ حَالٍ وَوَقْتٍ، كَانَ وَاجِبًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَوْقَاتِهِ،
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مَنْ صَلَّى مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، أَوِ انْتَظَرَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، أَوْ قَامَ اللَّيْلَ أَوْ بَعْضَهُ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ، أَوْ صَلَّى الْعَتَمَةَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي ظَاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] لِأَنَّ جَنْبَهُ قَدْ جَفَا عَنْ مَضْجَعِهِ فِي الْحَالِ الَّتِي قَامَ فِيهَا لِلصَّلَاةِ قَائِمًا صَلَّى أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ، أَوْ قَاعِدًا بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ مُضْطَجِعًا، وَهُوَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ الْقُعُودِ قَادِرٌ، غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ تَوْجِيهَ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّهُ مَعْنِيُّ بِهِ قِيَامُ اللَّيْلِ أَعْجَبُ إِلَيَّ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِيهِ، وَالْأَغْلَبُ عَلَى ظَاهِرِ الْكَلَامِ، وَبِهِ جَاءَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَذَلِكَ مَا: