تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: 18] يَعْنِي: قُرًى مُتَّصِلَةٌ، وَهِيَ قُرًى عَرَبِيَّةٌ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

وَقَوْلُهُ: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: 18] يَعْنِي: قُرًى مُتَّصِلَةٌ، وَهِيَ قُرًى عَرَبِيَّةٌ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، فِي

قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: 18] قَالَ: " قُرًى مُتَوَاصِلَةٌ، قَالَ: كَانَ أَحَدُهُمْ يَغْدُو فَيَقِيلُ فِي قَرْيَةٍ وَيَرُوحُ، فَيَأْوِي إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى قَالَ: وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَضَعُ زَنْبِيلَهَا عَلَى رَأْسِهَا، ثُمَّ تَمُتُّهُنَّ بِمِغْزَلِهَا، فَلَا تَأْتِي بَيْتَهَا حَتَّى يَمْتَلِئَ مِنْ كُلِّ الثِّمَارِ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: 18] «أَيْ مُتَوَاصِلَةٌ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنَّى أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثَنَّى أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: 18] " يَعْنِي: قُرًى عَرَبِيَّةً، بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَّى أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: 18] قَالَ: «السَّرَوَاتُ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: 18] " يَعْنِي: قُرًى عَرَبِيَّةً، وَهِيَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: 18] قَالَ: " كَانَ بَيْنَ قَرْيَتِهِمْ وَبَيْنَ الشَّامِ قُرًى ظَاهِرَةً، قَالَ: إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَتَخْرُجُ مَعَهَا مِغْزَلُهَا وَمِكْتَلُهَا عَلَى رَأْسِهَا، تَرُوحُ مِنْ قَرْيَةٍ وَتَغْدُوهَا، وَتَبِيتُ فِي قَرْيَةٍ لَا تَحْمِلُ زَادًا وَلَا مَاءً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّامِ "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ [سبأ: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَجَعَلْنَا بَيْنَ قُرَاهُمْ وَالْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا سَيْرًا مُقَدَّرًا مِنْ مَنْزِلٍ إِلَى مَنْزِلٍ، وَقَرْيَةٍ إِلَى قَرْيَةٍ، لَا يَنْزِلُونَ إِلَّا فِي قَرْيَةٍ، وَلَا يَغْدُونَ إِلَّا مِنْ قَرْيَةٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: 18] يَقُولُ: وَقُلْنَا لَهُمْ سِيرُوا فِي هَذِهِ الْقُرَى مَا بَيْنَ قُرَاكُمْ وَالْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا، آمِنِينَ لَا تَخَافُونَ جُوعًا وَلَا عَطَشًا، وَلَا مِنْ أَحَدٍ ظُلْمًا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: 18] «لَا يَخَافُونَ ظُلْمًا وَلَا جُوعًا، وَإِنَّمَا يَغْدُونَ فَيَقِيلُونَ، وَيَرُوحُونَ فَيُبَيَّتُونَ فِي قَرْيَةِ أَهْلِ جَنَّةٍ وَنَهَرٍ، حَتَّى لَقَدْ ذَكَرَ لَنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ تَضَعُ مِكْتَلَهَا عَلَى رَأْسِهَا، وَتَمْتَهِنُ بِيَدِهَا، فَيَمْتَلِئُ مِكْتَلُهَا مِنَ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَخْتَرِفَ شَيْئًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يُسَافَرُ لَا يَحْمِلُ مَعَهُ زَادًا وَلَا سِقَاءً مِمَّا بَسَطَ لِلْقَوْمِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: 18] قَالَ: «لَيْسَ فِيهَا خَوْفٌ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: 19] اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: 19] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: 19] عَلَى وَجْهِ

الدُّعَاءِ وَالْمَسْأَلَةِ بِالْأَلِفِ؛ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ: (بَعِّدْ) بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ عَلَى الدُّعَاءِ أَيْضًا وَذُكِرَ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: رَبَّنَا بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ.
وَحُكِيَ عَنْ آخَرَ أَنَّهُ قَرَأَهُ: رَبَّنَا بَعَّدَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ أَيْضًا غَيْرَ أَنَّ الرَّبَّ مُنَادًى

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾ [سبأ: 19] وَبَعِّدْ لِأَنَّهُمَا الْقِرَاءَتَانِ الْمَعْرُوفَتَانِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ وَمَا عَدَاهُمَا فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ فِيهِمْ؛ عَلَى أَنَّ التَّأْوِيلَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَيْضًا يُحَقِّقُ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَهُ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ وَالْمَسْأَلَةِ، وَذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَزِيدُ الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى بُعْدًا مِنَ الصَّوَابِ فَإِذَا كَانَ هُوَ الصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا، فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّامِ فَلَوَاتٍ وَمَفَاوِزٍ، لِنَرْكَبَ فِيهَا الرَّوَاحِلَ، وَنَتَزَوَّدُ مَعَنَا فِيهَا الْأَزْوَادَ؛ وَهَذَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى بَطْرِ الْقَوْمِ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَجَهْلِهِمْ بِمِقْدَارِ الْعَافِيَةِ؛ وَلَقَدْ عَجَّلَ لَهُمْ رَبُّهُمُ الْإِجَابَةَ، كَمَا عَجَّلَ لِلْقَائِلِينَ: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32] أَعْطَاهُمْ مَا رَغِبُوا إِلَيْهِ فِيهِ وَطَلَبُوا مِنَ الْمَسْأَلَةِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي أَبُو حُصَيْنٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: ثنا عَبْثَرٌ، قَالَ: ثنا حُصَيْنٌ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: 19] قَالَ: " كَانَتْ لَهُمْ قُرًى مُتَّصِلَةٌ بِالْيَمَنِ، كَانَ بَعْضُهَا يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ، فَبَطَرُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا، قَالَ: فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ، وَجَعَلَ طَعَامَهُمْ أَثْلًا وَخَمْطًا وَشَيْئًا مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ

أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [سبأ: 19] قَالَ: " فَإِنَّهُمْ بَطَرُوا عَيْشَهُمْ، وَقَالُوا: لَوْ كَانَ جَنَى جَنَّاتِنَا أَبْعَدَ مِمَّا هِيَ كَانَ أَجْدَرَ أَنْ نَشْتَهِيهِ، فَمَزَّقُوا بَيْنَ الشَّامِ وَسَبأٍ، وَبَدَّلُوا بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ، وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: 19] " بَطِرَ الْقَوْمُ نِعْمَةَ اللَّهِ، وَغَمَطُوا كَرَامَةَ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [سبأ: 19]

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: 19] " حَتَّى نَبِيتُ فِي الْفَلَوَاتِ وَالصَّحَارِي ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [سبأ: 19]

وَقَوْلُهُ ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [سبأ: 19] وَكَانَ ظُلْمُهُمْ إِيَّاهَا عِمْلَهُمْ بِمَا يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَاصِيهِ، مِمَّا يُوجِبُ لَهُمْ عِقَابَ اللَّهِ ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [سبأ: 19] يَقُولُ: صَيَّرِنَاهُمْ أَحَادِيثَ لِلنَّاسِ يَضْرِبُونَ بِهِمُ الْمَثَلَ فِي السَّبِّ، فَيُقَالُ: تَفَرَّقَ الْقَوْمُ أَيَادِيَ سَبًّا، وَأَيْدِي سَبًّا، إِذَا تَفَرَّقُوا وَتُقَطَّعُوا

جارٍ التحميل