وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾ [الزخرف: 63] قِيلَ: عَنَى بِالْحِكْمَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: النُّبُوَّةَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ: ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ قَالَ: قِيلَ لِمُجَاهِدٍ فِي الْجَنَّةِ سَمَاعٌ؟ قَالَ: «إِنَّ فِيهَا لَشَجَرًا يُقَالُ لَهُ الْعِيصُ، لَهُ سَمَاعٌ لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ إِلَى مِثْلِهِ»
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ، يَقُولُ: «إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَيَشْتَهِي الطَّائِرَ وَهُوَ يَطِيرُ، فَيَقَعُ مُتَفَلِّقًا نَضِيجًا فِي كَفِّهِ، فَيَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ نَفْسُهُ، ثُمَّ يَطِيرُ، وَيَشْتَهِي الشَّرَابَ، فَيَقَعُ الْإِبْرِيقُ فِي يَدِهِ، وَيَشْرَبُ مِنْهُ مَا يُرِيدُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مَكَانِهِ»
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ [الزخرف: 71] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ: مَا ﴿تَشْتَهِيهِ﴾ [الزخرف: 71] بِزِيَادَةِ هَاءٍ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي مَصَاحِفِهِمْ وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ (تَشْتَهِي) بِغَيْرِ هَاءٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: 73] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُقَالُ لَهُمْ: وَهَذِهِ الْجَنَّةُ الَّتِي أَوْرَثَكُمُوهَا اللَّهُ عَنْ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمْ جَهَنَّمَ بِمَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَعْمَلُونَ مِنَ الْخَيْرَاتِ ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ [الأعراف: 10] يَقُولُ: لَكُمْ فِي
الْجَنَّةِ فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ ﴿مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: 73] يَقُولُ: مِنَ الْفَاكِهَةِ تَأْكُلُونَ مَا اشْتَهَيْتُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: 75] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الزخرف: 74] وَهُمُ الَّذِينَ اجْتَرَمُوا فِي الدُّنْيَا الْكُفْرَ بِاللَّهِ، فَاجْتَرَمُوا بِهِ فِي الْآخِرَةِ ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: 74] يَقُولُ: هُمْ فِيهِ
مَاكِثُونَ ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: 75] يَقُولُ: لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَأَصْلُ الْفُتُورِ:
الضَّعْفُ ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: 75] يَقُولُ: وَهُمْ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ مُبْلِسُونَ، وَالْهَاءُ فِي فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْعَذَابِ وَيُذْكَرُ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «وَهُمْ فِيهَا مُبْلِسُونَ» وَالْمَعْنَى: وَهُمْ فِي جَهَنَّمَ مُبْلِسُونَ، وَالْمُبْلِسُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: هُوَ الْآيِسُ مِنَ النَّجَاةِ الَّذِي قَدْ قَنَطَ فَاسْتَسْلَمَ لِلْعَذَابِ وَالْبَلَاءِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: 75] أَيْ «مُسْتَسْلِمُونَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: 75] قَالَ: «آيِسُونَ»
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: 75] «مُتَغَيِّرٌ حَالُهُمْ» وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الْإِبْلَاسِ بِشَوَاهِدِهِ، وَذِكْرَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: 76] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا ظَلَمْنَا هَؤُلَاءِ الْمُجْرِمِينَ بِفِعْلِنَا بِهِمْ مَا أَخْبَرْنَاكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّا فَعَلْنَا بِهِمْ مِنَ التَّعْذِيبِ بِعَذَابِ جَهَنَّمَ ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: 76] بِعِبَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا غَيْرَ مَنْ كَانَ
عَلَيْهِمْ عِبَادَتُهُ، وَكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وَجُحُودِهِمْ تَوْحِيدَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: 78] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَنَادَى هَؤُلَاءِ الْمُجْرِمُونَ بَعْدَ مَا أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ جَهَنَّمَ، فَنَالَهُمْ فِيهَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا نَالَهُمْ، مَالِكًا خَازِنَ جَهَنَّمَ ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾
[الزخرف: 77] قَالَ: لِيُمِتْنَا رَبُّكَ، فَيَفْرُغُ مِنْ إِمَاتَتِنَا، فَذُكِرَ أَنَّ مَالِكًا لَا يُجِيبُهُمْ فِي وَقْتِ قِيلِهِمْ لَهُ ذَلِكَ، وَيَدَعُهُمْ أَلْفَ عَامٍ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُجِيبُهُمْ، فَيَقُولُ لَهُمْ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77] " فَأَجَابَهُمْ بَعْدَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77] "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ جِيرَانِهِ يُقَالُ لَهُ الْحَسَنُ، عَنْ نَوْفٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77] قَالَ: " يَتْرُكَهُمْ مِئَةَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ النَّارِ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77] قَالَ: " فَخَلَّى عَنْهُمْ أَرْبَعِينَ عَامًا لَا يُجِيبُهُمْ، ثُمَّ أَجَابَهُمْ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77] قَالُوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 107] فَخَلَّى عَنْهُمْ مِثْلَيِ الدُّنْيَا، ثُمَّ أَجَابَهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ﴾ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا نَبَسَ الْقَوْمُ بَعْدَ الْكَلِمَةِ، إِنْ كَانَ إِلَّا الزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَزْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: " إِنَّ أَهْلَ جَهَنَّمَ يَدْعُونَ مَالِكًا أَرْبَعِينَ عَامًا فَلَا يُجِيبُهُمْ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77] ، ثُمَّ يُنَادُونَ رَبَّهُمْ ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 107] فَيَدَعُهُمْ أَوْ يُخَلِّي عَنْهُمْ مِثْلَ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قَالَ: فَمَا نَبَسَ الْقَوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ إِنْ كَانَ إِلَّا الزَّفِيرُ وَالشَّهِيقُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا حَكَّامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ نَوْفٍ ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77] قَالَ: " يَتْرُكُهُمْ مِئَةَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ نَادَاهُمْ فَاسْتَجَابُوا لَهُ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ
: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77] قَالَ: «مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ» قَالَ: " فَمَكَثُوا أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قَالَ: فَأَجَابَهُمْ بَعْدَ أَلْفِ عَامٍ: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77] قَالَ: " يُمِيتُنَا، الْقَضَاءُ هَاهُنَا الْمَوْتُ، فَأَجَابَهُمْ ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: 77] "