تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 343-355

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر: 50] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَتِ الْخَزَنَةُ لَهُمْ: فَادْعُوا إِذَنْ رَبَّكُمُ الَّذِي أَتَتْكُمُ الرُّسُلُ بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ

صفحات 343-355
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: 14] يَقُولُ: قَدْ دَعَوْا وَمَا دُعَاؤُهُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ، لِأَنَّهُ دُعَاءٌ لَا يَنْفَعُهُمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ، بَلْ يُقَالُ لَهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ﴾

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي

الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 52] يَقُولُ الْقَائِلُ: وَمَا مَعْنَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: 51] وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَتَلَهُ أَعْدَاؤُهُ، وَمَثَّلُوا بِهِ، كَشُعَيَاءِ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَأَشْبَاهِهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ قَوْمُهُ، فَكَانَ أَحْسَنُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَخْلُصَ مِنْهُمْ حَتَّى فَارَقَهُمْ نَاجِيًا بِنَفْسِهِ، كَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي هَاجَرَ إِلَى الشَّامِ مِنْ أَرْضِهِ مُفَارِقًا لِقَوْمِهِ، وَعِيسَى الَّذِي رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ إِذْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ، فَأَيْنَ النُّصْرَةُ الَّتِي أَخْبَرَنَا أَنَّهُ يَنْصُرُهَا رُسُلَهُ، وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَهَؤُلَاءِ أَنْبِيَاؤُهُ قَدْ نَالَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَمَا نُصُرُوا عَلَى مَنْ نَالَهُمْ بِمَا نَالَهُمْ بِهِ؟ قِيلَ: إِنَّ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: 51] وَجْهَيْنِ كِلَاهُمَا صَحِيحٌ مَعْنَاهُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إِمَّا بِإِعْلَائِنَاهُمْ عَلَى مَنْ كَذَّبَنَا وَإِظْفَارِنَا بِهِمْ، حَتَّى يَقْهَرُوهُمْ غَلَبَةً، وَيُذِلُّوهُمْ بِالظَّفَرِ ذَلَّةً، كَالَّذِي فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ بِدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، فَأَعْطَاهُمَا مِنَ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ مَا قَهَرَا بِهِ كُلَّ كَافِرٍ، وَكَالَّذِي فَعَلَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِظْهَارِهِ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَإِمَّا بِانْتِقَامِنَا مِمَّنْ حَادَّهُمْ وَشَاقَّهُمْ بِإِهْلَاكِهِمْ وَإِنْجَاءِ الرُّسُلِ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ وَعَادَاهُمْ، كَالَّذِي فَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِنُوحٍ وَقَوْمِهِ، مِنْ تَغْرِيقِ قَوْمِهِ وَإِنْجَائِهِ مِنْهُمْ، وَكَالَّذِي فَعَلَ بِمُوسَى وَفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، إِذْ أَهْلَكَهُمْ غَرَقًا، وَنَجَّى مُوسَى وَمَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ بِانْتِقَامِنَا فِي الْحَيَاةِ

الدُّنْيَا مِنْ مُكَذِّبِيهِمْ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِنَا مِنْ بَعْدِ مَهْلِكِهِمْ، كَالَّذِي فَعَلْنَا مِنْ نُصْرَتِنَا شَعْيَاءَ بَعْدَ مَهْلِكِهِ، بِتَسْلِيطِنَا عَلَى قَتْلِهِ مَنْ سَلَّطْنَا حَتَّى انْتَصَرْنَا بِهِمْ مِنْ قَتَلَتِهِ، وَكَفِعْلِنَا بِقَتَلَةِ يَحْيَى، مِنْ تَسْلِيطِنَا بُخْتُنَصَّرَ عَلَيْهِمْ حَتَّى انْتَصَرْنَا بِهِ مِنْ قَتْلِهِ لَهُ وَكَانْتِصَارِنَا لِعِيسَى مِنْ مُرِيدِي قَتْلِهِ بِالرُّومِ حَتَّى أَهْلَكْنَاهُمْ بِهِمْ، فَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْهِ وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يُوَجِّهُ مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: 51] «قَدْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ يُقْتَلُونَ فِي الدُّنْيَا وَهُمْ مَنْصُورُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْأُمَّةَ الَّتِي تَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ لَا تَذْهَبُ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ قَوْمًا فَيَنْتَصِرُ بِهِمْ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ قَتَلُوا مِنْهُمْ» وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنِ الْجَمِيعِ مِنَ الرُّسُلِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُولَنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، كَمَا بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ الْعَرَبَ تُخْرِجُ الْخَبَرَ بِلَفْظِ الْجَمِيعِ، وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ إِذَا لَمْ تَنْصِبْ لِلْخَبَرِ شَخْصًا بِعَيْنِهِ

وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: 51] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ﴾ [غافر: 51] بِالْيَاءِ وَيَنْفَعُ أَيْضًا بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ: (تَقُومُ) بِالتَّاءِ، وَ «تَنْفَعُ» بِالتَّاءِ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ الْعَرَبَ تُذَكِّرُ فِعْلَ الرَّجُلِ وَتُؤَنِّثُ إِذَا تَقَدَّمَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51] يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ رُسُلَهَا بِالشَّهَادَةِ بِأَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْهُمْ رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ، وَأَنَّ الْأُمَمَ كَذَّبَتْهُمْ وَالْأَشْهَادُ: جَمْعُ شَهِيدٍ، كَمَا الْأَشْرَافُ: جَمْعُ شَرِيفٍ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قتادَةَ، ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51] «مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51] «يَوْمَ الْقِيَامَةِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51] «قَالَ الْمَلَائِكَةُ»

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: 52] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ذَلِكَ يَوْمٌ لَا يَنْفَعُ أَهْلَ الشِّرْكِ اعْتِذَارُهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَذِرُونَ إِنِ اعْتَذَرُوا إِلَّا بِبَاطِلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَتَابَعَ عَلَيْهِمُ الْحُجَجَ فِيهَا فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الِاعْتِصَامَ بِالْكَذِبِ بِأَنْ يَقُولُوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23]

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: 52] يَقُولُ: وَلِلظَّالِمِينَ اللَّعْنَةُ، وَهِيَ الْبُعْدُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: 25] يَقُولُ: وَلَهُمْ مَعَ اللَّعْنَةِ مِنَ اللَّهِ شَرُّ مَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: 54] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى﴾ [البقرة: 87] الْبَيَانَ لِلْحَقِّ الَّذِي بَعَثْنَاهُ بِهِ كَمَا آتَيْنَا ذَلِكَ مُحَمَّدًا فَكَذَّبَ بِهِ

فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، كَمَا كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ مُحَمَّدًا ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ [غافر: 53] يَقُولُ: وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ التَّوْرَاةَ، فَعَلَّمَنَاهُمُوهَا، وَأَنْزَلْنَا إِلَيْهِمْ ﴿هُدًى﴾ [البقرة: 2] يَعْنِي بَيَانًا لِأَمْرِ دِينِهِمْ، وَمَا أَلْزَمْنَاهُمْ مِنْ فَرَائِضِهَا، ﴿وَذِكْرِي لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يَقُولُ: وَتَذْكِيرًا مِنَّا لِأَهْلِ الْحِجَا وَالْعُقُولِ مِنْهُمْ بِهَا

وَقَوْلُهُ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعَدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ لِأَمْرِ رَبِّكَ، وَأَنْفِذْ لِمَا أَرْسَلَكَ بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ، وَبَلِّغْ قَوْمَكَ وَمَنْ أُمِرْتَ بِإِبْلَاغِهِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وَأَيْقِنْ بِحَقِيقَةِ وَعْدِ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَكَ مِنْ نُصْرَتِكَ، وَنُصْرَةِ مَنْ صَدَّقَكَ وَآمَنَ بِكَ، عَلَى مَنْ كَذَّبَكَ،

وَأَنْكَرَ مَا جِئْتَهُ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ، وَإِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ لَا خَلَفَ لَهُ وَهُوَ مُنْجِزٌ لَهُ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: 55] يَقُولُ: وَسَلْهُ غُفْرَانَ ذُنُوبِكَ وَعَفْوَهُ لَكَ عَنْهُ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [طه: 130] يَقُولُ: وَصَلِّ بِالشُّكْرِ مِنْكَ لِرَبِّكَ ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ [آل عمران: 41] وَذَلِكَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى اللَّيْلِ ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: 41] وَذَلِكَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَدْ وَجَّهَ قَوْمٌ الْإِبْكَارَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى ارْتِفَاعِ الضُّحَى، وَخُرُوجِ وَقْتِ الضُّحَى، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ عَطْفِ الْإِبْكَارِ وَالْبَاءُ غَيْرُ حَسَنٌ دُخُولُهَا فِيهِ عَلَى الْعَشِيِّ، وَالْبَاءُ تَحْسُنُ فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَفِي الْإِبْكَارِ وَقَالَ: قَدْ يُقَالُ: بِالدَّارِ زَيْدٌ، يُرَادُ: فِي الدَّارِ زَيْدٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: صَلِّ بِالْحَمْدِ بِهَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَفِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، فَإِدْخَالُ الْبَاءِ وَفِي وَاحِدٌ فِيهِمَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: 56] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ يُخَاصِمُونَكَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَا أَتَيْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ مِنَ الْآيَاتِ ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر: 35] يَقُولُ: بِغَيْرِ

حُجَّةٍ جَاءَتْهُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ

بِمُخَاصَمَتِكَ فِيهَا ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ [غافر: 56] يَقُولُ: مَا فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ يَتَكَبَّرُونَ مِنْ أَجَلِهِ عَنِ اتِّبَاعِكَ، وَقَبُولُ الْحَقِّ الَّذِي أَتَيْتَهُمْ بِهِ حَسَدًا مِنْهُمْ عَلَى الْفَضْلِ الَّذِي آتَاكَ اللَّهُ، وَالْكَرَامَةُ الَّتِي أَكْرَمَكَ بِهَا مِنَ النُّبُوَّةِ ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: 56] يَقُولُ: الَّذِي حَسَدُوكَ عَلَيْهِ أَمْرٌ لَيْسُوا بِمُدْرِكِيهِ وَلَا نَائِلِيهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَلَيْسَ بِالْأَمْرِ الَّذِي يُدْرَكُ بِالْأَمَانِي؛ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَاهُ: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا عَظَمَةٌ مَا هُمْ بِبَالِغِي تِلْكَ الْعَظَمَةِ لِأَنَّ اللَّهَ مُذِلُّهُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثني أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ [غافر: 56] قَالَ: «عَظَمَةٌ» وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر: 56] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، , قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر: 56] «لَمْ يَأْتِهِمْ بِذَاكَ سُلْطَانٌ»

وَقَوْلُهُ: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: 56] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَاسْتَجِرْ بِاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ شَرِّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ

سُلْطَانٍ، وَمِنَ الْكِبْرِ أَنْ يَعْرِضَ فِي قَلْبِكَ مِنْهُ شَيْءٌ ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ لِمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ قَوْلٍ، الْبَصِيرُ بِمَا تَعْمَلُهُ جَوَارِحُهُمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَابْتِدَاعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِنْشَاؤُهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَعْظَمُ أَيُّهَا النَّاسُ عِنْدَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُسْتَعْظِمِي خَلْقَ النَّاسِ، وَإِنْشَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ

لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ خَلْقَ جَمِيعِ ذَلِكَ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: 58] وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِرُ شَيْئًا، وَهُوَ مِثْلُ الْكَافِرِ الَّذِي لَا يَتَأَمَّلُ حُجَجَ اللَّهِ بِعَيْنَيْهِ، فَيَتَدَبَّرَهَا وَيَعْتَبِرُ بِهَا، فَيَعْلَمُ وَحْدَانِيَّتَهُ وَقُدْرَتَهُ عَلَى خَلْقِ مَا شَاءَ

مِنْ شَيْءٍ، وَيُؤْمِنُ بِهِ وَيُصَدِّقُ.
وَالْبَصِيرُ الَّذِي يَرَى بِعَيْنَيْهِ مَا شَخَصَ لَهُمَا وَيُبْصِرُهُ، وَذَلِكَ مَثَلٌ لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يَرَى بِعَيْنَيْهِ حُجَجَ اللَّهِ، فَيَتَفَكَّرُ فِيهَا وَيَتَّعِظُ، وَيَعْلَمُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ صَانِعِهِ، وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقِ مَا يَشَاءُ؛ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: كَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْكَافِرُ وَالْمُؤْمِنُ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 82] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَا يَسْتَوِي أَيْضًا كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، الْمُطِيعُونَ لِرَبِّهِمْ، وَلَا الْمُسِيءُ، وَهُوَ الْكَافِرُ

بِرَبِّهِ، الْعَاصِي لَهُ، الْمُخَالِفُ أَمْرَهُ ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: 58] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ أَيُّهَا النَّاسُ حُجَجَ اللَّهِ، فَتَعْتَبِرُونَ وَتَتَّعِظُونَ؛ يَقُولُ: لَوْ تَذَكَّرْتُمْ آيَاتِهِ وَاعْتَبَرْتُمْ، لَعَرَفْتُمْ خَطَأَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ إِنْكَارِكُمْ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى إِحْيَائِهِ مَنْ فَنِيَ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَنَاءِ، وَإِعَادَتِهِمْ لِحَيَاتِهِمْ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِمْ، وَعَلِمْتُمْ قُبْحَ شِرْكِكُمْ مَنْ تُشْرِكُونَ فِي عِبَادَةِ رَبِّكُمْ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 80] فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: (يَتَذَكَّرُونَ) بِالْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ، وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 80] بِالتَّاءِ عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِهِمَا صَوَابٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ السَّاعَةَ الَّتِي يُحْيِي اللَّهُ فِيهَا الْمَوْتَى لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ لَجَائِيَةٌ أَيُّهَا النَّاسُ لَا شَكَّ فِي

مَجِيئِهَا؛ يَقُولُ: فَأَيْقِنُوا بِمَجِيئِهَا، وَأَنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِكُمْ، وَمُجَازَوْنَ بِأَعْمَالِكُمْ، فَتُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود: 17] يَقُولُ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ قُرَيْشٍ لَا يُصَدِّقُونَ بِمَجِيئِهَا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَقُولُ رَبُّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ لَكُمُ ادْعُونِي: يَقُولُ: اعْبُدُونِي وَأَخْلِصُوا لِي الْعِبَادَةَ دُونَ

مَنْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِي مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] يَقُولُ: أُجِبْ دُعَاءَكُمْ فَأَعْفُو عَنْكُمْ وَأَرْحَمُكُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] يَقُولُ: «وَحِّدُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ»

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ يُسَيْعٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: 60]

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْأَعْمَشِ عَنْ زِرٍّ، عَنْ يُسَيْعٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] . . . الْآيَةَ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ يُسَيْعٍ قَالَ أَبُو مُوسَى: هَكَذَا قَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ يُسَيْعٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ» ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] " حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ يُسَيْعٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، قَالَ: ثنا يُوسُفُ بْنُ الْعَرْفِ الْبَاهِلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ يُسَيْعٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ عِبَادَتِي دُعَائِي» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: 60] قَالَ: «عَنْ دُعَائِي»

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا عُمَارَةُ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: قَلتُ لِأَنَسٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ أَبَلَغَكَ أَنَّ الدُّعَاءَ نِصْفُ الْعِبَادَةِ؟ قَالَ: «لَا بَلْ هُوَ الْعِبَادَةُ كُلُّهَا»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ يُسَيْعٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: 60]

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنِ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: قِيلَ لِسُفْيَانَ: ادْعُ اللَّهَ، قَالَ: «إِنَّ تَرْكَ الذُّنُوبِ هُوَ الدُّعَاءُ»

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: 60] يَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ يَتَعَظَّمُونَ عَنْ إِفْرَادِي بِالْعِبَادَةِ، وَإِفْرَادِ الْأُلُوهَةِ لِي ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60] بِمَعْنَى: صَاغِرِينَ وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى مَعْنَى الدَّخْرِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: 60] إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ دُعَائِي

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: 60] قَالَ: «عَنْ دُعَائِي»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60] قَالَ: «صَاغِرِينَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: 61] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اللَّهُ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْأُلُوهَةُ إِلَّا لَهُ، وَلَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ لِغَيْرِهِ، الَّذِي صِفَتُهُ أَنَّهُ جَعَلَ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ اللَّيْلَ سَكَنًا

لِتَسْكُنُوا فِيهِ، فَتَهْدَءُوا مِنَ التَّصَرُّفِ وَالِاضْطِرَابِ لِلْمَعَاشِ، وَالْأَسْبَابُ الَّتِي كُنْتُمْ تَتَصَرَّفُونَ فِيهَا فِي نِهَارِكُمْ ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: 67] يَقُولُ: وَجَعَلَ النَّهَارَ مُبْصِرًا مِنَ اضْطَرَبٍ فِيهِ لِمَعَاشِهِ، وَطَلَبٍ حَاجَاتِهِ، نِعْمَةً مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 243] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَمُتَفَضِّلٌ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِمَا لَا كُفْءَ لَهُ مِنَ الْفَضْلِ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243] يَقُولُ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَهُ بِالطَّاعَةِ لَهُ، وَإِخْلَاصِ الْأُلُوهَةِ وَالْعِبَادَةِ لَهُ، وَلَا يَدَّ تَقَدَّمَتْ لَهُ عِنْدَهُ اسْتَوْجَبَ بِهَا مِنْهُ الشُّكْرَ عَلَيْهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: 63] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ، وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ هَذِهِ النِّعَمَ أَيُّهَا النَّاسُ اللَّهُ مَالِكُكُمْ وَمُصْلِحُ أُمُورِكُمْ، وَهُوَ خَالِقُكُمْ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 163] يَقُولُ: لَا مَعْبُودَ تَصْلُحُ لَهُ الْعِبَادَةُ غَيْرَهُ، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: 95] يَقُولُ: فَأَيُّ وَجْهٍ تَأْخُذُونَ، وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبُونَ عَنْهُ، فَتَعْبُدُونَ سِوَاهُ؟

جارٍ التحميل