وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية: 12] يَقُولُ: فِي الْجَنَّةِ الْعَالِيَةِ عَيْنٌ جَارِيَةٌ فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: 13] وَالسُّرُرُ: جَمْعُ سَرِيرٍ، مَرْفُوعَةٌ لِيَرَى الْمُؤْمِنُ إِذَا جَلَسَ عَلَيْهَا جَمِيعَ مَا خَوَّلَهُ رَبُّهُ مِنَ النَّعِيمِ وَالْمُلْكِ فِيهَا، وَيَلْحَقُ جَمِيعَ ذَلِكَ بَصَرُهُ.
وَقِيلَ: عُنِيَ بِقَوْلِ مَرْفُوعَةٍ: مَوْضُونَةٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: 13] يَعْنِي: مَوْضُونَةٌ، كَقَوْلِهِ: سُرُرٌ مَصْفُوفَةٌ، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: 14] وَهِيَ جَمْعُ كُوبٍ، وَهِيَ الْأَبَارِيقُ الَّتِي لَا آذَانَ لَهَا.
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى، وَذَكَرْنَا مَا فِيهِ مِنَ الرِّوَايَةِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَعَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: 14] أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى حَافَةِ الْعَيْنِ الْجَارِيَةِ، كُلَّمَا أَرَادُوا الشُّرْبَ، وَجَدُوهَا مَلْأَى مِنَ الشَّرَابِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: 15] يَعْنِي بِالنَمَارِقِ: الْوَسَائِدَ وَالْمَرَافِقَ؛ وَالنَمَارِقُ: وَاحِدُهَا
نُمْرُقَةٌ، بِضَمِّ النُّونِ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ كَلْبٍ سَمَاعًا نُمْرُقَةٌ، بِكَسْرِ النُّونِ وَالرَّاءِ.
وَقِيلَ: مَصْفُوفَةٌ لِأَنَّ بَعْضَهَا بِجَنْبِ بَعْضٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: 15] يَقُولُ: الْمَرَافِقُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: 15] يَعْنِي بِالنَمَارِقِ: الْمَجَالِسَ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: 15] وَالنَمَارِقُ: الْوَسَائِدُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: 16] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَفِيهَا طَنَافِسُ وَبُسُطٌ كَثِيرَةٌ مَبْثُوثَةٌ مَفْرُوشَةٌ، وَالْوَاحِدَةُ: زِرْبِيَّةٌ، وَهِيَ الطِّنْفِسَةُ الَّتِي لَهَا خَمْلٌ رَقِيقٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: ثنا تَوْبَةُ
الْعَنْبَرِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ يُصَلِّي عَلَى عَبْقَرِيٍّ، وَهُوَ الزَرَابِيُّ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: 16] الْمَبْسُوطَةُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِمُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلَى مَا وَصَفَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، مِنَ الْعِقَابِ وَالنَّكَالِ الَّذِي أَعَدَّهُ لِأَهْلِ عَدَاوَتِهِ، وَالنَّعِيمِ وَالْكَرَامَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِأَهْلِ
وِلَايَتِهِ: أَفَلَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ، إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خَلَقَهَا، وَسَخَّرَهَا لَهُمْ وَذَلَّلَهَا، وَجَعَلَهَا تَحْمِلُ حِمْلَهَا بَارِكَةً، ثُمَّ تَنْهَضُ بِهِ، وَالَّذِي خَلَقَ ذَلِكَ غَيْرُ عَزِيزٍ عَلَيْهِ أَنْ يَخْلُقَ مَا وَصَفَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ، فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي قَدَرَ بِهَا عَلَى خَلْقِهَا، لَنْ يُعْجِزَهُ خَلْقُ ما شَابَهَهَا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " لَمَّا نَعَتَ اللَّهُ مَا فِي
الْجَنَّةِ، عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الضَّلَالَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17] فَكَانَتِ الْإِبِلُ مِنْ عَيْشِ الْعَرَبِ وَمِنْ خَوَلِهِمْ "
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَمَّنْ سَمِعَ شُرَيْحًا، يَقُولُ: «اخْرُجُوا بِنَا نَنْظُرْ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: 18] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَفَلَا يَنْظُرُونَ أَيْضًا إِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رَفَعَهَا الَّذِي أَخْبَرَكُمْ أَنَّهُ مُعِدٌّ لِأَوْلِيَائِهِ مَا وَصَفَ، وَلِأَعْدَائِهِ مَا ذَكَرَ، فَيَعْلَمُوا أَنَّ قُدْرَتَهُ الْقُدْرَةُ الَّتِي لَا يُعْجِزُهُ فِعْلُ شَيْءٍ أَرَادَ فِعْلَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: 19] يَقُولُ: وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ أُقِيمَتْ
مُنْتَصِبَةً لَا تَسْقُطُ، فَتَنْبَسِطُ فِي الْأَرْضِ، وَلَكِنَّهَا جَعَلَهَا بِقُدْرَتِهِ مُنْتَصِبَةً جَامِدَةً، لَا تَبْرَحُ مَكَانَهَا، وَلَا تَزُولُ عَنْ مَوْضِعَهَا
وَقَدْ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: 19] تَصَاعَدُ إِلَى الْجَبَلِ الصَّيْخُودِ عَامَّةَ يَوْمِكَ، فَإِذَا أَفْضَيْتَ إِلَى أَعْلَاهُ، أَفْضَيْتَ إِلَى عُيُونٍ مُتَفَجِّرَةٍ، وَثِمَارٍ مُتَهَدِّلَةٍ ثُمَّ لَمْ تَحْرُثْهُ الْأَيْدِي وَلَمْ تَعْمَلْهُ،
نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ، وَبُلْغَةَ الْأَجَلِ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 20] يَقُولُ: وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ بُسِطَتْ، يُقَالَ: جَبَلٌ مُسَطَّحٌ: إِذَا كَانَ فِي أَعْلَاهُ اسْتِوَاءٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 20] أَيْ بُسِطَتْ، يَقُولُ: أَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ هَذَا بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مَا أَرَادَ فِي الْجَنَّةِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿فَذَكِّرْ﴾ [ق: 45] يَا مُحَمَّدُ عِبَادِي بِآيَاتِي، وَعِظْهُمْ بِحُجَجِي، وَبَلِّغْهُمْ رِسَالَتِي.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: 21] يَقُولُ: إِنَّمَا أَرْسَلْتُكَ إِلَيْهِمْ مُذَكِّرًا، لِتُذَكِّرَهُمْ نِعْمَتِي عِنْدَهُمْ، وَتُعَرِّفَهُمُ اللَّازِمَ لَهُمْ، وَتَعِظَهُمْ
وَقَوْلُهُ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22] يَقُولُ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَلَّطٍ، وَلَا أَنْتَ بِجَبَّارٍ، تَحْمِلُهُمْ عَلَى مَا تُرِيدُ.
يَقُولُ: كُلُّهُمْ إِلَيَّ، وَدَعْهُمْ وَحُكْمِي فِيهِمْ؛ يُقَالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ فُلَانٌ عَلَى قَوْمِهِ: إِذَا تَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22] يَقُولُ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22] أَيْ كِلْ إِلَيَّ عِبَادِي "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22] قَالَ: جَبَّارٌ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22] قَالَ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَلَّطٍ أَنْ تُكْرِهَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ، قَالَ: ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ هَذَا: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73] وَقَالَ ﴿اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: 5] وَارْصُدُوهُمْ لَا يَخْرُجُوا فِي الْبِلَادِ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 5] قَالَ: فَنُسِخَتْ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22] قَالَ: جَاءَ اقْتُلْهُ أَوْ يُسْلِمَ؛ قَالَ: وَالتَّذْكِرَةُ كَمَا هِيَ لَمْ تُنْسَخْ.
وَقَرَأَ: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55] "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ " ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22] ". حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21] . حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: 23] يَتَوَجَّهُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فَذَكِّرْ قَوْمَكَ يَا مُحَمَّدُ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى مِنْهُمْ عَنْكَ، وَأَعْرَضَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ فَكَفَرَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ إِلَّا اسْتِثْنَاءً مِنَ الَّذِينَ كَانَ التَّذْكِيرُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا، كَمَا يُقَالُ: مَضَى فُلَانٌ، فَدَعَا إِلَّا مَنْ لَا تُرْجَى إِجَابَتُهُ، بِمَعْنَى: فَدَعَا
النَّاسَ إِلَّا مَنْ لَا تُرْجَى إِجَابَتُهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: 23] مُنْقَطِعًا عَمَّا قَبْلَهُ، فَيَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ، يُعَذِّبُهُ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ يُمْتَحَنُ بِأَنْ يَحْسُنَ مَعَهُ إِنْ، فَإِذَا حَسُنَتْ مَعَهُ كَانَ مُنْقَطِعًا، وَإِذَا لَمْ تَحْسُنْ كَانَ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا صَحِيحًا، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: سَارَ الْقَوْمُ إِلَّا
زَيْدًا، وَلَا يَصْلُحُ دُخُولُ إِنْ هَاهُنَا لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: 24] هُوَ عَذَابُ جَهَنَّمَ، يَقُولُ: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ عَلَى كُفْرِهِ فِي الدُّنْيَا، وَعَذَابَ جَهَنَّمَ فِي الْآخِرَةِ