تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 297-310

وَقَوْلُهُ: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص: 66] بِالْأَنْسَابِ وَالْقَرَابَةِ.

صفحات 297-310
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص: 66] قَالَ: لَا يَتَسَاءَلُونَ بِالْأَنْسَابِ، وَلَا يَتَمَاتُّونَ بِالْقَرَابَاتِ، إِنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا إِذَا الْتَقَوْا تَسَاءَلُوا وَتَمَاتُّوا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص: 66] قَالَ: بِالْأَنْسَابِ ". وَقِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَجُ يَوْمَئِذٍ، فَسَكَتُوا، فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ فِي حَالِ سُكُوتِهِمْ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: 67] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾ [القصص: 67] مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنَابَ وَرَاجَعَ الْحَقَّ، وَأَخْلَصَ لِلَّهِ الْأُلُوهَةَ، وَأَفْرَدَ لَهُ الْعِبَادَةَ، فَلَمْ يُشْرِكْ فِي عِبَادَتِهِ شَيْئًا , ﴿وَآمَنَ﴾ [مريم: 60] يَقُولُ: وَصَدَّقَ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة: 62] يَقُولُ: وَعَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِعَمَلِهِ فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: 67] يَقُولُ: فَهُوَ مِنَ الْمُنْجَحِينَ الْمُدْرِكِينَ طِلْبَتَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، الْخَالِدِينَ فِي جِنَانِهِ، وَعَسَى

مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: 68] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَرَبُّكَ﴾ [النساء: 65] يَا مُحَمَّدُ ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 47] أَنْ يَخْلُقَهُ، ﴿وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: 68] لِوَلَايَتِهِ الْخِيَرَةَ مِنْ خَلْقِهِ، وَمَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنْهُ السَّعَادَةُ.
وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: 68] وَالْمَعْنَى: مَا وَصَفْتُ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُمْ يَخْتَارُونَ أَمْوَالَهُمْ، فَيَجْعَلُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَرَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ أَنْ يَخْلُقَهُ، وَيَخْتَارُ لِلْهِدَايَةِ وَالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ مَا هُوَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنَّهُ خِيَرَتُهُمْ، نَظِيرَ مَا كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لِآلِهَتِهِمْ خِيَارَ أَمْوَالِهِمْ، فَكَذَلِكَ اخْتِيَارِي لِنَفْسِي.
وَاجْتِبَائِي لِوَلَايَتِي، وَاصْطِفَائِي لِخِدْمَتِي وَطَاعَتِي، خِيَارَ مُمْلَكَتِي وَخَلْقِي.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: 68] قَالَ: كَانُوا يَجْعَلُونَ خَيْرَ أَمْوَالِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ «. فَإِذَا كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ» مَا " مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: 68] فِي مَوْضِعِ نَصَبٍ، بِوُقُوعِ يَخْتَارُ عَلَيْهَا، وَأَنَّهَا بِمَعْنَى الَّذِي.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفْتَ، مِنْ أَنَّ «مَا» اسْمٌ مَنْصُوبٌ بِوُقُوعِ قَوْلِهِ ﴿يَخْتَارُ﴾ [القصص: 68] عَلَيْهَا، فَأَيْنَ خَبَرُ كَانَ؟ فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَمَا قُلْتَ، أَنَّ فِيَ كَانَ ذِكْرًا مِنْ مَا، لَا بُدَّ لِكَانَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ مِنْ تَمَامٍ، وَأَيْنَ التَّمَامُ؟ قِيلَ: إِنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ لِحُرُوفِ الصِّفَاتِ إِذَا جَاءَتِ الْأَخْبَارُ بَعْدَهَا أَحْيَانًا، أَخْبَارًا، كَفِعْلِهَا بِالْأَسْمَاءِ إِذَا جَاءَتْ بَعْدَهَا أَخْبَارُهَا.
ذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مَعْنٍ أَنْشَدَهُ قَوْلَ عَنْتَرَةَ: [البحر البسيط] أَمِنْ سُمَيَّةَ دَمْعُ الْعَيْنِ تَذْرِيفُ ... لَوْ كَانَ ذَا مِنْكِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَعْرُوفُ فَرَفَعَ مَعْرُوفًا بِحَرْفِ الصِّفَةِ، وَهُوَ لَا شَكَّ خَبَرٌ لِذَا، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُفَضَّلَ أَنْشَدَهُ ذَلِكَ: لَوْ أَنَّ ذَا مِنْكِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَعْرُوفُ وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: [البحر الرجز] قُلْتُ أَجِيبِي عَاشِقًا بِحُبِّكُمْ مُكَلَّفُ فِيهَا ثَلَاثٌ كَالدُّمَى وَكَاعِبٌ وَمُسْلِفُ

فَمُكَلَّفٌ مِنْ نَعْتِ عَاشِقٍ، وَقَدْ رَفَعَهُ بِحَرْفِ الصِّفَةِ، وَهُوَ الْبَاءُ، فِي أَشْبَاهٍ لِمَا ذَكَرْنَا بِكَثِيرٍ مِنَ الشَّوَاهِدِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: 68] رُفِعَتِ الْخِيَرَةُ بِالصِّفَةِ، وَهِيَ لَهُمْ، إِنْ كَانَتْ خَبَرًا لِمَا، لَمَّا جَاءَتْ بَعْدَ الصِّفَةِ، وَوَقَعَتِ الصُّفَّةُ مَوْقِعَ الْخَبَرِ، فَصَارَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: كَانَ عُمَرُ وَأَبُوهُ قَائِمٌ، لَا شَكَّ أَنَّ قَائِمًا لَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَبِ، وَكَانَ الْأَبُ هُوَ الْمُتَأَخِّرِ بَعْدَهُ، كَانَ مَنْصُوبًا، فَكَذَلِكَ وَجْهُ رَفْعِ الْخِيَرَةِ، وَهُوَ خَبَرٌ لِمَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جَحْدًا، وَيَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ أَنْ يَخْلُقَهُ، وَيَخْتَارُ مَا يَشَاءُ أَنْ يَخْتَارَهُ، فَيَكُونَ قَوْلُهُ ﴿وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: 68] نِهَايَةَ الْخَبَرِ عَنِ الْخَلْقِ وَالِاخْتِيَارِ، ثُمَّ يَكُونَ الْكَلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ بِمَعْنَى: لَمْ تَكُنْ لَهُمُ الْخِيَرَةُ: أَيْ لَمْ يَكُنْ لِلْخَلْقِ الْخِيَرَةُ، وَإِنَّمَا الْخِيَرَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ؟ قِيلَ: هَذَا قَوْلٌ لَا يَخْفَى فَسَادُهُ عَلَى ذِي حِجًا مِنْ وُجُوهٍ، لَوْ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِهِ لِأَهْلِ التَّأْوِيلِ قَوْلٌ، فَكَيْفَ وَالتَّأْوِيلُ عَمَّنْ ذَكَرْنَا بِخِلَافِهِ؛ فَأَمَّا أَحَدُ وُجُوهِ فَسَادِهِ، فَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: 68] لَوْ كَانَ كَمَا ظَنَّهُ مَنْ ظَنَّهُ، مِنْ أَنَّ «مَا» بِمَعْنَى الْجَحْدِ، عَلَى نَحْوِ التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْتُ، كَانَ إِنَّمَا جَحَدَ تَعَالَى ذِكْرُهُ، أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ فِيمَا مَضَى قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَأَمَّا فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ فَلَهُمُ الْخِيَرَةُ، لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: مَا كَانَ لَكَ هَذَا، لَا شَكَّ إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، وَذَلِكَ

مِنَ الْكَلَامِ لَا شَكَّ خُلْفٌ.
لِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ لِلْخَلْقِ مِنْ ذَلِكَ قَدِيمًا، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ أَبَدًا.
وَبَعْدُ، لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى، لَكَانَ الْكَلَامُ: فَلَيْسَ.
وَقِيلَ: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، لَيْسَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، لِيَكُونَ نَفْيًا عَنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ فِيمَا قَبْلُ وَفِيمَا بَعْدُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَبْيَنُ الْبَيَانِ، وَأَوْضَحُ الْكَلَامِ، وَمُحَالٌ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَفْهُومِ الْمَعْنَى، وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ ابْتِدَاءٌ: مَا كَانَ لِفُلَانٍ الْخِيَرَةُ، وَلَمَّا يَتَقَدَّمْ قَبْلَ ذَلِكَ كَلَامٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَخْتَارُ، مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: 68] وَلَمْ يَتَقَدَّمْ قَبْلَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَبَرٌ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ الْخِيَرَةُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كَانَ لَكَ الْخِيَرَةُ، وَإِنَّمَا جَرَى قَبْلَهُ الْخَبَرُ عَمَّنْ هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ أَمْرُ مَنْ تَابَ مِنْ شِرْكِهِ، وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، وَأَتْبَعْ ذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَرَ عَنْ سَبَبِ إِيمَانِ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا مِنْهُمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِاخْتِيَارِهِ إِيَّاهُ لِلْإِيمَانِ، وَلِلسَّابِقِ مِنْ عَلْمِهِ فِيهِ اهْتَدَى.
وَيَزِيدُ مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ إِبَانَةً قَوْلُهُ: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: 69] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ عِبَادِهِ السَّرَائِرَ وَالظَّوَاهِرَ، وَيَصْطَفِي لِنَفْسِهِ وَيَخْتَارُ لِطَاعَتِهِ مَنْ قَدْ عَلِمَ مِنْهُ السَّرِيرَةَ الصَّالِحَةَ، وَالْعَلَانِيَةَ الرَّضِيَّةَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى الْخِيَرَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: إِنَّمَا هُوَ الْخِيَرَةُ، وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُخْتَارُ مِنَ الْبَهَائِمِ وَالْأَنْعَامِ وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، يُقَالُ مِنْهُ: أُعْطِيَ الْخِيَرَةَ وَالْخِيرَةَ , مِثْلَ الطِّيَرَةِ وَالطِّيرَةِ، وَلَيْسَ بِالِاخْتِيَارِ، وَإِذَا كَانَتِ الْخِيَرَةُ مَا وَصَفْنَا،

فَمَعْلُومٌ أَنَّ مِنْ أَجْوَدِ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، وَيَخْتَارُ مَا يَشَاءُ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ خِيرُ بَهِيمَةٍ أَوْ خِيرُ طَعَامٍ، أَوْ خِيرُ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ.
فَإِنْ قَالَ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ؟ قِيلَ: لَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مَصْدَرًا كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ كَوْنَ الْخِيَرَةِ لَهُمْ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ وَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ الشِّرَارُ لَهُمْ مِنَ الْبَهَائِمِ وَالْأَنْعَامِ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شِرَارُ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا مَالِكٌ، وَذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى خَطَؤُهُ، لِأَنَّ لِخِيَارِهَا وَلِشِرَارِهَا أَرْبَابًا يَمْلِكُونَهَا بِتَمْلِيكِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ ذَلِكَ، وَفِي كَوْنِ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَسَادُ تَوْجِيهِ ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى الْمَصْدَرِ .

وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: 190] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَنْزِيهًا لِلَّهِ وَتَبْرِئَةً لَهُ، وَعُلُوًّا عَمَّا أَضَافَ إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الشِّرْكِ، وَمَا تَخَرَّصُوهُ مِنَ الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ عَلَيْهِ.
وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَنْ شِرْكِهُمْ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُهُ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى: وَتَعَالَى عَنِ الَّذِي

يُشْرِكُونَ بِهِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ.
وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، وَلَهُ الْحُكْمُ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 70] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَرَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ يَعْلَمُ مَا تُخْفِي صُدُورُ خَلْقِهِ؛ وَهُوَ مِنْ: أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ فِي صَدْرِي: إِذَا أَضْمَرْتُهُ فِيهِ، وَكَنَنْتُ

الشَّيْءَ: إِذَا صُنْتُهُ، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: 77] : يَقُولُ: وَمَا يُبْدُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ اخْتِيَارَ مَنْ يَخْتَارُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ بِهِ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِسَرَائِرِ أُمُورِهِمْ وَبَوَادِيهَا، وَإِنَّهُ يَخْتَارُ لِلْخَيْرِ أَهْلَهُ، فَيُوَفِّقُهُمْ لَهُ، وَيُوَلِّي الشَّرَّ أَهْلَهُ، وَيُخَلِّيهِمْ

وَإِيَّاهُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص: 70] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَرَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ الْمَعْبُودُ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، وَلَا مَعْبُودَ تَجُوزُ عِبَادَتُهُ غَيْرُهُ.
يَعْنِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص: 70] يَقُولُ: وَلَهُ الْقَضَاءُ بَيْنَ خَلْقِهِ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245] يَقُولُ: وَإِلَيْهِ تُرَدُّونَ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِكُمْ، فَيَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْحَقِّ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ، أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: 71] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ: أَيُّهَا الْقَوْمُ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ دَائِمًا لَا نَهَارَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

يَعْقُبُهُ.
وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَا كَانَ مُتَّصِلًا لَا يَنْقَطِعُ مِنْ رَخَاءٍ أَوْ بَلَاءٍ أَوْ نِعْمَةٍ هُوَ سَرْمَدٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿سَرْمَدًا﴾ [القصص: 71] : دَائِمًا لَا يَنْقَطِعُ ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ " ﴿إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ [القصص: 71] يَقُولُ: دَائِمًا "

وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيَكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص: 71] يَقُولُ: مَنْ مَعْبُودٌ غَيْرُ الْمَعْبُودِ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ كُلِّ شَيْءٍ يَأْتِيَكُمْ بِضِيَاءِ النَّهَارِ، فَتَسْتَضِيئُونَ بِهِ ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: 71] يَقُولُ: أَفَلَا تَرْعَوْنَ ذَلِكَ سَمْعَكُمْ، وَتُفَكِّرُونَ فِيهِ فَتَتَّعِظُونَ، وَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّكُمْ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِاللَّيْلِ وَيَذْهَبُ بِالنَّهَارِ إِذَا شَاءَ، وَإِذَا شَاءَ

أَتَى بِالنَّهَارِ وَذَهَبَ بِاللَّيْلِ، فَيُنْعِمُ بِاخْتِلَافِهِمَا كَذَلِكَ عَلَيْكُمْ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيَكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ، أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: 72] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي قَوْمِكَ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ [الأنعام: 46] أَيُّهَا الْقَوْمُ ﴿إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا﴾ [القصص: 72] دَائِمًا لَا لَيْلَ مَعَهُ أَبَدًا ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [القصص: 71] مِنْ مَعْبُودٍ غَيْرِ الْمَعْبُودِ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ كُلِّ شَيْءٍ ﴿يَأْتِيَكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص: 72] فَتَسْتَقِرُّونَ وَتَهْدَءُونَ فِيهِ.
﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: 72] يَقُولُ: أَفَلَا تَرَوْنَ بِأَبْصَارِكُمُ اخْتِلَافَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَيْكُمْ، رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لَكُمْ، وَحُجَّةً مِنْهُ عَلَيْكُمْ، فَتَعَلَمُوا بِذَلِكَ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِمَنْ لَهُ الْقُدْرَةُ الَّتِي خَالَفَ بِهَا بَيْنَ ذَلِكَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: 73]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [القصص: 73] بِكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [القصص: 73] فَخَالَفَ بَيْنَهُمَا، فَجَعَلَ هَذَا اللَّيْلَ ظَلَامًا ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: 67] وَتَهْدَءُوا وَتَسْتَقِرُّوا لِرَاحَةِ أَبْدَانِكُمْ فِيهِ مِنْ تَعَبِ التَّصَرُّفِ الَّذِي تَتَصَرَّفُونَ نَهَارًا لِمَعَايِشِكُمْ.
وَفِي الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: 67] وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ اللَّيْلِ خَاصَّةً، وَيُضَمُّ لِلنَّهَارِ مَعَ الِابْتِغَاءِ هَاءٌ أُخْرَى.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَيَكُونَ وَجْهُ تَوْحِيدِهَا وَهِيَ لَهُمَا وَجْهُ تَوْحِيدِ الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ: إِقْبَالُكَ وَإِدْبَارُكَ يُؤْذِينِي، لِأَنَّ الْإِقْبَالَ وَالْإِدْبَارَ فِعْلٌ، وَالْفِعْلُ يُوَحَّدَ كَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ.
وَجَعَلَ هَذَا النَّهَارَ ضِيَاءً تُبْصِرُونَ فِيهِ، فَتَتَصَرَّفُونَ بِأَبْصَارِكُمْ فِيهِ لِمَعَايِشِكُمْ، وَابْتِغَاءَ رِزْقِهِ الَّذِي قَسَّمَهُ بَيْنَكُمْ بِفَضْلِهِ الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلِتَشْكُرُوهُ عَلَى إِنْعَامِهِ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ، فَعَلَ ذَلِكَ بِكُمْ لِتُفْرِدُوهُ بِالشُّكْرِ، وَتُخْلِصُوا لَهُ الْحَمْدَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرِكْهُ فِي إِنْعَامِهِ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ شَرِيكٌ، فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْحَمْدِ عَلَيْهِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ.
وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ، فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ، وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: 75] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَوْمَ يُنَادِي رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَيَقُولُ لَهُمْ: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: 62] أَيُّهَا الْقَوْمُ فِي الدُّنْيَا أَنَّهُمْ شُرَكَائِي، وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [القصص: 75] وَأَحْضَرْنَا مِنْ كُلِّ جَمَاعَةٍ شَهِيدَهَا وَهُوَ نَبِيُّهَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِمَا إِجَابَتْهُ أُمَّتُهُ فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ عَنِ اللَّهِ مِنَ

الرِّسَالَةِ.
وَقِيلَ: وَنَزَعْنَا مِنْ قَوْلِهِ: نَزَعَ فُلَانٌ بِحُجَّةِ كَذَا، بِمَعْنَى: أَحْضَرَهَا وَأَخْرَجَهَا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: " ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [القصص: 75] وَشَهِيدُهَا نَبِيُّهَا، يَشْهَدُ عَلَيْهَا أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا؛ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [القصص: 75] قَالَ: رَسُولًا ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِنَحْوِهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [القصص: 75] يَقُولُ: فَقُلْنَا لَأُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ مِنْهُمُ الَّتِي رَدَّتْ نَصِيحَتَهُ، وَكَذَّبَتْ بِمَا جَاءَهَا بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، إِذْ شَهِدَ نَبِيُّهَا عَلَيْهَا بِإِبْلَاغِهِ إِيَّاهَا رِسَالَةَ اللَّهِ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: 111] يَقُولُ: فَقَالَ لَهُمْ: هَاتُوا حُجَّتَكُمْ عَلَى إِشْرَاكِكُمْ بِاللَّهِ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مَعَ إِعْذَارِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ

بِالرُّسُلِ وَإِقَامَتِهِ عَلَيْكُمْ

بِالْحُجَجِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [القصص: 75] أَيْ بِيَّنَتَكُمْ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [القصص: 75] قَالَ: حُجَّتَكُمْ لِمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ وَتَقُولُونَ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [القصص: 75] قَالَ: حُجَّتَكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ "

وَقَوْلُهُ: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ [القصص: 75] يَقُولُ: فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أَنَّ الْحُجَّةَ الْبَالِغَةَ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَالصِّدْقَ خَبَرُهُ، فَأَيْقَنُوا بِعَذَابٍ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ دَائِمٌ.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 24] يَقُولُ: وَاضْمَحَلَّ فَذَهَبَ الَّذِي كَانُوا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ فِي الدُّنْيَا، وَمَا كَانُوا يَتَخَرَّصُونَ، وَيُكَذِّبُونَ عَلَى رَبِّهِمْ،

فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ هُنَالِكَ بَلْ ضَرَّهُمْ وَأَصْلَاهُمْ نَارَ جَهَنَّمَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ، وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ، إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: 76] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ قَارُونَ﴾ [القصص: 76] وَهُوَ قَارُونُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ ﴿كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص: 76] يَقُولُ: كَانَ مِنْ عَشِيرَةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَارُونَ هُوَ قَارُونُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ قَاهِثَ، وَمُوسَى: هُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ قَاهِثَ، كَذَا نَسَبُهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلَهُ: " ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص: 76] قَالَ: ابْنُ عَمِّهِ ابْنُ أَخِي أَبِيهِ، فَإِنَّ قَارُونَ بْنَ يَصْفُرَ، هَكَذَا قَالَ الْقَاسِمُ، وَإِنَّمَا هُوَ يَصْهُرُ بْنُ قَاهِثَ، وَمُوسَى بْنُ عَوْمَرَ بْنِ قَاهِثَ، وَعَوْمَرُ بِالْعَرَبِيَّةِ عِمْرَانُ "

وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَإِنَّ ابْنَ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْهُ أَنَّ يَصْهُرَ بْنَ قَاهِثَ، تَزَوَّجَ سُمَيْتَ بِنْتَ بَتَاوِيتَ بْنِ بَرْكَنَا بْنِ بَقْشَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَوَلَدَتْ لَهُ عِمْرَانَ بْنَ يَصْهُرَ، وَقَارُونَ بْنَ يَصْهُرَ، فَنَكَحَ عِمْرَانُ بِخِنْتَ بِنْتَ شَمْوِيلَ بْنِ

بَرْكَنَا بْنِ بَقْشَانَ بْنِ بَرْكَنَا، فَوَلَدَتْ لَهُ هَارُونَ بْنَ عِمْرَانَ، وَمُوسَى بْنَ عِمْرَانَ صَفِيَّ اللَّهِ وَنَبِيَّهُ ". فَمُوسَى عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ ابْنُ أَخِي قَارُونَ، وَقَارُونُ هُوَ عَمُّهُ أَخُو أَبِيهِ لِأَبِيهِ وَلِأُمِّهِ.
وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص: 76] قَالَ: كَانَ ابْنَ عَمِّ مُوسَى "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص: 76] : كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّهِ أَخِي أَبِيهِ، وَكَانَ يُسَمَّى الْمُنَوَّرَ مِنْ حُسْنِ صَوْتِهِ بِالتَّوْرَاةِ، وَلَكِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ نَافَقَ، كَمَا نَافَقَ السَّامِرِيُّ، فَأَهْلَكَهُ

الْبَغْيُ "

جارٍ التحميل