تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 253-262

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: 35] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَا يَصِلُ إِلَيْكُمَا فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ بِسُوءٍ.

صفحات 253-262
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَوْلُهُ: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ [البقرة: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: 35] فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴿بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: 35] فَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِآيَاتِنَا مِنْ صِلَةِ غَالِبُونَ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ بِآيَاتِنَا أَيْ بِحُجَّتِنَا وَسُلْطَانِنَا الَّذِي نَجْعَلُهُ لَكُمَا.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ بِأَدِلَّتِنَا وَحُجَجِنَا بَيِّنَاتٍ أَنَّهَا حُجَجٌ شَاهِدَةٌ بِحَقِيقَةِ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، قَالُوا لِمُوسَى: مَا هَذَا

الَّذِي جِئْتَنَا بِهِ إِلَّا سِحْرًا افْتَرَيْتَهُ مِنْ قِبَلِكَ وَتَخَرَّصْتَهُ كَذِبًا وَبَاطِلًا ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ [القصص: 36] الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ مَنْ تَدْعُونَا إِلَى عِبَادَتِهِ فِي أَسْلَافِنَا وَآبَائِنَا الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَنَا.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ، إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص: 37] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ [الأعراف: 104] مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾ [الكهف: 22] بِالْمُحِقِّ مِنَّا يَا فِرْعَوْنُ مِنَ الْمُبْطِلِ، وَمَنِ الَّذِي جَاءَ بِالرَّشَادِ إِلَى سَبِيلِ الصَّوَابِ وَالْبَيَانِ عَنْ وَاضِحِ

الْحُجَّةِ مِنْ عِنْدِهِ، وَمَنِ الَّذِي لَهُ الْعُقْبَى الْمَحْمُودَةُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ مِنَّا.
وَهَذِهِ مُعَارَضَةٌ مِنْ نَبِيِّ

اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِفِرْعَوْنَ، وَجَمِيلُ مُخَاطَبَةٍ، إِذْ تَرَكَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: بَلِ الَّذِي غَرَّ قَوْمَهُ وَأَهْلَكَ جُنُودَهُ، وَأَضَلَّ أَتْبَاعَهُ أَنْتَ لَا أَنَا، وَلَكِنَّهُ قَالَ: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ، وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ [القصص: 37] ثُمَّ بَالَغَ فِي ذَمِّ عَدُوِّ اللَّهِ بِأَجْمَلَ مِنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: 21] يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَنْجَحُ وَلَا يُدْرِكَ طِلْبَتَهُمُ الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ تَعَالَى، يَعْنِي بِذَلِكَ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ وَلَا يَنْجَحُ لِكُفْرِهِ بِهِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي، فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: 38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ فِرْعَوْنُ لِأَشْرَافِ قَوْمِهِ وَسَادَتِهِمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38] فَتَعْبُدُوهُ، وَتُصَدِّقُوا قَوْلَ مُوسَى فِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ أَنَّ لَكُمْ وَلَهُ رَبًّا غَيْرِي وَمَعْبُودًا سِوَايَ.
﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: 38] يَقُولُ: فَاعْمَلْ لِي آجُرًّا، وَذُكِرَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ طَبَخَ الْآجُرَّ وَبَنَى بِهِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: 38] قَالَ: عَلَى الْمَدَرِ يَكُونُ لَبِنًا مَطْبُوخًا "

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «أَوَّلُ مَنْ أَمَرَ بِصَنْعَةِ الْآجُرِّ وَبَنَى بِهِ فِرْعَوْنُ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: 38] قَالَ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ طَبَخَ الْآجُرَّ يَبْنِي بِهِ الصَّرْحَ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص: 38] قَالَ: الْمَطْبُوخِ الَّذِي يُوقِدُ عَلَيْهِ هُوَ مِنْ طِينٍ يَبْنُونَ بِهِ الْبُنْيَانَ "

وَقَوْلُهُ: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ [القصص: 38] يَقُولُ: ابْنِ لِي بِالْآجُرِّ بِنَاءً، وَكُلُّ بِنَاءٍ مِسْطَحٍ فَهُوَ صَرْحٌ كَالْقَصَرِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر المتقارب] بِهِنَّ نَعَامٌ بَنَاهَا الرِّجَا ... لُ يَحْسَبُ أَعْلَامَهُنَّ الصُّرُوحَا يَعْنِي بِالصُّرُوحِ: جَمَعَ صَرْحٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [القصص: 38] يَقُولُ: انْظُرُ إِلَى مَعْبُودِ مُوسَى، الَّذِي يَعْبُدُهُ، وَيَدْعُو إِلَى عِبَادَتِهِ ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ [القصص: 38] فِيمَا يَقُولُ مِنْ أَنَّ لَهُ مَعْبُودًا يَعْبُدُهُ فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُؤَيِّدُهُ وَيَنْصُرُهُ، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْنَا ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف: 66] ؛ فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَامَانَ بَنَى لَهُ الصَّرْحَ، فَارْتَقَى فَوْقَهُ

فَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِ وَقِصَّةِ ارْتِقَائِهِ مَا: حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: قَالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي، فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ [القصص: 38] لَعَلِّي أَذْهِبُ فِي السَّمَاءِ، فَأَنْظُرُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى؛ فَلَمَّا بُنِيَ لَهُ الصَّرْحُ، ارْتَقَى فَوْقَهُ، فَأَمَرَ بِنُشَّابَةٍ فَرَمَى بِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ، فَرُدَّتْ إِلَيْهِ وَهِيَ مُتَلَطِّخَةٌ دَمًا، فَقَالَ: قَدْ قَتَلْتُ إِلَهَ مُوسَى، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ.
فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ، فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاسْتَكْبَرَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ فِي أَرْضِ مِصْرَ عَنْ تَصْدِيقِ مُوسَى، وَاتِّبَاعِهِ عَلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ

تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَالْإِقْرَارِ بِالْعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: 61] يَعْنِي تَعَدِّيًا وَعُتُوًّا عَلَى رَبِّهِمْ ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 39] يَقُولُ: وَحَسِبُوا أَنَّهُمْ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ لَا يُبْعَثُونَ، وَلَا ثَوَابَ، وَلَا عِقَابَ، فَرَكِبُوا أَهْوَاءَهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ، وَأَنَّهُ لَهُمْ مَجَازٍ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾ [القصص: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَجَمَعْنَا فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ مِنَ الْقِبْطِ ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: 40] يَقُولُ: فَأَلْقَيْنَاهُمْ جَمِيعَهُمْ فِي الْبَحْرِ، فَغَرَّقْنَاهُمْ فِيهِ، كَمَا قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ: [البحر الطويل]

نَظَرْتُ إِلَى عُنْوَانِهِ فَنَبَذْتُهُ ... كَنَبْذِكَ نَعْلًا أَخْلَقَتْ مِنْ نِعَالِكَا وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ بَحْرٌ مِنْ وَرَاءِ مِصْرَ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: 40] قَالَ: كَانَ الْيَمُّ بَحْرًا يُقَالُ لَهُ إِسَافُ مِنْ وَرَاءِ مِصْرَ، غَرَّقَهُمُ اللَّهُ فِيهِ "

وَقَوْلُهُ: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ بِعَيْنِ قَلْبِكَ: كَيْفَ كَانَ أَمْرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فَكَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَرَدُّوا عَلَى رَسُولِهِ نَصِيحَتَهُ، أَلَمْ نُهْلِكْهُمْ فَنُوَرِّثْ دِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ أَوْلِيَاءَنَا، وَنُخَوِّلْهُمْ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ،

بَعْدَ أَنْ كَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ، تُقَتَّلُ أَبْنَاؤُهُمْ، وَتُسْتَحْيَا نِسَاؤُهُمْ، فَإِنَّا كَذَلِكَ بِكَ وَبِمَنْ آمَنَ بِكَ وَصَدَّقَكَ فَاعِلُونَ مُخَوِّلُوكَ وَإِيَّاهُمْ دِيَارَ مَنْ كَذَّبَكَ وَرَدَّ عَلَيْكَ مَا أَتَيْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ وَأَمْوَالَهُمْ، وَمُهْلِكُوهُمْ قَتْلًا بِالسَّيْفِ، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ.
وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: 42] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَجَعَلْنَا فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ أَئِمَّةً يَأْتَمُّ بِهِمْ أَهْلُ الْعُتُوِّ عَلَى اللَّهِ، وَالْكُفْرِ بِهِ، يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى أَعْمَالِ أَهْلِ

النَّارِ

﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾ [القصص: 41] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَنْصُرُهُمْ إِذَا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ نَاصِرٌ، وَقَدْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَتَنَاصَرُونَ، فَاضْمَحَلَّتْ تِلْكَ النُّصْرَةُ يَوْمَئِذٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [القصص: 42] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَلْزَمْنَا فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا خِزْيًا وَغَضَبًا مِنَّا عَلَيْهِمْ، فَحَتَّمْنَا لَهُمْ فِيهَا بِالْهَلَاكِ وَالْبَوَارِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ، وَنَحْنُ مُتْبِعُوهُمْ لَعْنَةً أُخْرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمُخْزُوهُمْ بِهَا الْخِزْيَ الدَّائِمَ، وَمُهِينُوهُمُ الْهَوَانَ

اللَّازِمَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [القصص: 42] قَالَ: لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ: هُوَ كَقَوْلِهِ ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: 99] "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [القصص: 42] لَعْنَةً أُخْرَى، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ فَقَالَ: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: 42] "

وَقَوْلُهُ: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: 42] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هُمْ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، فَأَهْلَكَهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وَعِظَةً لِلْمُتَّعِظِينَ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 43]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى التَّوْرَاةَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْأُمَمَ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ.
﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص: 43] يَقُولُ: ضِيَاءً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِيمَا بِهِمْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ.
﴿وَهَدَى﴾ [البقرة: 97] يَقُولُ: وَبَيَانًا لَهُمْ وَرَحْمَةً لِمَنْ عَمِلَ بِهِ مِنْهُمْ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 221] يَقُولُ: لِيَتَذَكَّرُوا نِعَمَ اللَّهِ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَيَشْكُرُوهُ عَلَيْهَا وَلَا يَكْفُرُوا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص: 43] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدٌ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَا: ثنا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: " مَا أَهْلِكَ اللَّهُ قَوْمًا بِعَذَابٍ مِنَ السَّمَاءِ وَلَا مِنَ الْأَرْضِ بَعْدَ مَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ غَيْرَ الْقَرْيَةِ الَّتِي مُسِخُوا قِرَدَةً، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهَدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 43] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ، وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص: 44] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ [آل عمران: 44] يَا مُحَمَّدُ ﴿بِجَانِبِ﴾ [القصص: 44] غَرْبِيِّ الْجَبَلِ , ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: 44] يَقُولُ: إِذْ فَرَضْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ فِيمَا أَلْزَمْنَاهُ وَقَوْمَهُ،

وَعَهِدْنَا إِلَيْهِ مِنْ عَهْدٍ , ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص: 44] يَقُولُ: وَمَا كُنْتَ

لِذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: " ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ [آل عمران: 44] يَا مُحَمَّدُ ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: 44] يَقُولُ: بِجَانِبِ غَرْبِيِّ الْجَبَلِ ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: 44] "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «غَرْبِيِّ الْجَبَلِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: " إِنَّكُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَجَبْتُمْ قَبْلَ أَنْ تُسْأَلُوا، وَقَرَأَ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: 44] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ، وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا، وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: 45] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ [القصص: 45] وَلَكِنَّا خَلَقْنَا أُمَمًا فَأَحْدَثْنَاهَا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾

[القصص: 45] .

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 45] يَقُولُ: وَمَا كُنْتَ مُقِيمًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ، يُقَالُ: ثَوَيْتُ بِالْمَكَانِ أَثْوِي بِهِ ثَوَاءً، قَالَ أَعْشَى ثَعْلَبَةَ: [البحر الكامل] أَثْوَى وَقَصَّرَ لَيْلَهُ لِيُزَوَّدَا ... فَمَضَى وَأَخْلَفَ مِنْ قُتَيْلَةَ مَوْعِدَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 45] قَالَ: الثَّاوِي: الْمُقِيمُ.
﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص: 45] يَقُولُ: تَقْرَأُ عَلَيْهِمْ كِتَابَنَا , ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: 45] يَقُولُ: لَمْ تَشْهَدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَحْنُ نَفْعَلُ ذَلِكَ وَنُرْسِلُ الرُّسُلَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا، وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 46] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ بِجَانِبِ الْجَبَلِ إِذْ نَادَيْنَا مُوسَى بِأَنْ ﴿سَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ.
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الْآيَةَ

كَمَا: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى الرَّمْلِيُّ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عِيسَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: 46] قَالَ: نَادَى يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، أَعْطَيْتُكُمْ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُونِي، وَأَجَبْتُكُمْ قَبْلَ أَنْ تَدْعُونِي "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: " ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: 46] قَالَ: نُودُوا: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، أَعْطَيْتُكُمْ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُونِيَ، وَاسْتَجَبْتُ لَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَدْعُونِي "

حَدَّثَنِي ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا حَرْمَلَةُ بْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، " ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: 46] قَالَ: نُودُوا يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، أَعْطَيْتُكُمْ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُونِي، وَاسْتَجَبْتُ لَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَدْعُونِي "

جارٍ التحميل