تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 543-553

وَقَوْلُهُ: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: 26] يَقُولُ: فَجَاءَ ضَيْفَهُ بِعِجْلٍ سَمِينٍ قَدْ أَنْضَجَهُ شَيْئًا

صفحات 543-553
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾ [الذاريات: 45] قَالَ: «مِنْ نُهُوضٍ» وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾ [الذاريات: 45] فَمَا قَامُوا بِهَا قَالَ: لَوْ كَانَتْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ إِقَامَةٍ، لَكَانَ صَوَابًا، وَطُرِحَ الْأَلِفُ مِنْهَا كَقَوْلِهِ: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: 17]

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ [الذاريات: 45] يَقُولُ: وَمَا كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى أَنْ

يَسْتَقِيدُوا مِمَّنْ أَحَلَّ بِهِمُ الْعُقُوبَةَ الَّتِي حَلَّتْ بِهِمْ

وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ [الذاريات: 45] قَالَ: «مَا كَانَتْ عِنْدَهُمْ مِنْ قُوَّةٍ يَمْتَنِعُونَ بِهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الذاريات: 46] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ [الفرقان: 37] نَصْبًا وَلِنَصْبِ ذَلِكَ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ عَطْفًا عَلَى الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [النساء: 153] إِذْ كَانَ كُلُّ عَذَابٍ مُهْلِكٍ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ صَاعِقَةً، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: فَأَخَذَتْهُمُ

الصَّاعِقَةُ وَأَخَذَتْ قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِمَعْنَى الْكَلَامِ، إِذْ كَانَ فِيمَا مَضَى مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ قَبْلُ دِلَالَةٌ عَلَى الْمُرَادِ مِنَ الْكَلَامِ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ: أَهْلَكْنَا هَذِهِ الْأُمَمَ، وَأَهْلَكْنَا قَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُضْمَرَ لَهُ فِعْلًا نَاصِبًا، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَاذْكُرْ لَهُمْ قَوْمَ نُوحٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: 16] وَنَحْوُ ذَلِكَ، بِمَعْنَى أَخْبِرْهُمْ وَاذْكُرْ لَهُمْ وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ

قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ (وَقَوْمِ نُوحٍ) بِخَفْضِ الْقَوْمِ عَلَى مَعْنَى: وَفِي قَوْمِ نُوحٍ عَطْفًا بِالْقَوْمِ عَلَى مُوسَى فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [الذاريات: 38] وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ خَفْضًا وَفِي قَوْمِ نُوحٍ لَهُمْ أَيْضًا عِبْرَةٌ، إِذْ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ قَبْلِ ثَمُودَ لَمَّا كَذَبُوا رَسُولَنَا نُوحًا ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: 12] يَقُولُ: إِنَّهُمْ كَانُوا مُخَالِفِينَ أَمْرَ اللَّهِ، خَارِجَيْنِ عَنْ طَاعَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالسَّمَاءَ رَفَعْنَاهَا سُقُفًا بِقُوَّةٍ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] يَقُولُ: «بِقُوَّةٍ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،

قَوْلَهُ: ﴿بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] قَالَ: «بِقُوَّةٍ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] «أَيْ بِقُوَّةٍ»

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] قَالَ: «بِقُوَّةٍ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] قَالَ: «بِقُوَّةٍ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] قَالَ: «بِقُوَّةٍ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47] يَقُولُ: لَذُو سَعَةٍ بِخَلْقِهَا وَخَلْقِ مَا شِئْنَا أَنْ نَخْلُقَهُ وَقُدْرَةٍ عَلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] يُرَادُ بِهِ الْقَوِيَّ

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47] قَالَ: «أَوْسَعَهَا جَلَّ جَلَالُهُ»

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ [الذاريات: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالْأَرْضَ جَعَلْنَاهَا فِرَاشًا لِلْخَلْقِ ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: 48] يَقُولُ: فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ لَهُمْ نَحْنُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذْكُرُونَ﴾ [الذاريات: 49] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَخَلَقْنَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ، وَتَرَكَ خَلَقْنَا الْأُولَى اسْتِغْنَاءً بِدِلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهِ: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَالشَّقَاءِ

وَالسَّعَادَةِ وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49] قَالَ: «الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ، وَالشَّقَاوَةَ وَالسَّعَادَةَ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةَ، وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالسَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، وَالْإِنْسَ وَالْجِنَّ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ قَالَ: ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ

الْفَزَارِيُّ قَالَ: ثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49] قَالَ: «الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِالزَّوْجَيْنِ: الذِّكْرَ وَالْأُنْثَى

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49] قَالَ: «ذَكَرًا وَأُنْثَى، ذَاكَ الزَّوْجَانِ» ، وَقَرَأَ ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: 90] قَالَ: «امْرَأَتَهُ» وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، خَلَقَ لِكُلِّ مَا خَلَقَ مِنْ خَلْقِهِ ثَانِيًا لَهُ مُخَالِفًا فِي مَعْنَاهُ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ لِلْآخَرِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ وَإِنَّمَا نَبَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقِ مَا يَشَاءُ خَلْقَهُ مِنْ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَالْأَشْيَاءِ الَّتِي شَأْنُهَا فِعْلُ نَوْعٍ وَاحِدٍ دُونَ خِلَافِهِ، إِذْ كُلُّ مَا صِفَتُهُ فِعْلُ نَوْعٍ وَاحِدٍ دُونَ مَا عَدَاهُ كَالنَّارِ الَّتِي شَأْنُهَا التَّسْخِينُ، وَلَا تَصْلُحُ لِلتَّبْرِيدِ، وَكَالثَّلْجِ الَّذِي شَأْنُهُ التَّبْرِيدُ، وَلَا يَصْلُحُ لِلتَّسْخِينِ، فَلَا

يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِالْكَمَالِ، وَإِنَّمَا كَمَالُ الْمَدْحِ لِلْقَادِرِ عَلَى فِعْلِ كُلِّ مَا شَاءَ فِعْلَهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْمُتَّفِقَةِ

وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذْكُرُونَ﴾ [الأنعام: 152] يَقُولُ: لِتَذْكُرُوا وَتَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ، فَتَعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ أَنَّ رَبَّكُمُ الَّذِي يَسْتَوْجِبُ عَلَيْكُمُ الْعِبَادَةَ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ الشَّيْءِ وَخِلَافِهِ، وَابْتِدَاعِ زَوْجَيْنِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: 51] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَاهْرُبُوا أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ إِلَى رَحْمَتِهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ﴾ [الذاريات: 50] يَقُولُ: إِنِّي لَكُمْ مِنَ

اللَّهِ نَذِيرٌ أُنْذِرُكُمْ عِقَابَهُ، وَأُخَوِّفُكُمْ عَذَابَهُ الَّذِي أَحَلَّهُ بِهَؤُلَاءِ الْأُمَمِ الَّذِينَ قَصَّ عَلَيْكُمْ قِصَصَهُمْ، وَالَّذِي هُوَ مُذِيقُهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾ [البقرة: 168] يَقُولُ: يُبَيِّنُ لَكُمْ نِذَارَتَهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الذاريات: 51] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَا تَجْعَلُوا أَيُّهَا النَّاسُ مَعَ مَعْبُودِكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مَعْبُودًا آخَرَ سِوَاهُ، فَإِنَّهُ لَا مَعْبُودَ تَصْلُحُ لَهُ الْعِبَادَةُ غَيْرُهُ ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: 50] يَقُولُ: إِنِّي لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ نَذِيرٌ مِنْ عِقَابِهِ عَلَى عِبَادَتِكُمْ إِلَهًا غَيْرَهُ، مُبِينٌ قَدْ أَبَانَ لَكُمُ

النِّذَارَةَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: 53] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ نَبِيَّهَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَتْ: هُوَ شَاعِرٌ، أَوْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، كَذَلِكَ فَعَلَتِ الْأُمَمُ الْمُكَذِّبَةُ رُسُلَهَا، الَّذِينَ

أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ نِقْمَتَهُ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، مَا أَتَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ مِنْ قَبْلِهِمْ، يَعْنِي مِنْ قَبْلِ قُرَيْشٍ قَوْمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا: سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: 53] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَأَوْصَى هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ مِنْ قُرَيْشٍ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ أَوَائِلُهُمْ وَآبَاؤُهُمُ الْمَاضُونَ مِنْ قَبْلِهِمْ، بِتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَبِلُوا ذَلِكَ عَنْهُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: 53] قَالَ: «أَوْصَى أُولَاهُمْ أُخْرَاهُمْ بِالتَّكْذِيبِ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: 53] «أَيْ كَانَ الْأَوَّلُ قَدْ أَوْصَى الْآخِرَ بِالتَّكْذِيبِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: 53] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا أَوْصَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ آخِرَهُمْ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ مُتَعَدُّونَ طُغَاةٌ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، لَا يَأْتَمِرُونَ لَأَمْرِهِ، وَلَا يَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَوَلَّ يَا مُحَمَّدُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قُرَيْشٍ، يَقُولُ: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ فِيهِمْ أَمْرُ اللَّهِ، يُقَالُ: وَلَّى فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ: إِذَا أَعْرَضَ

عَنْهُ وَتَرَكَهُ، كَمَا قَالَ حُصَيْنُ بْنُ ضَمْضَمٍ: أَمَّا بَنُو عَبْسٍ فَإِنَّ هَجِينَهُمْ ... وَلَّى فَوَارِسُهُ وَأَفْلَتَ أَعْوَرَا وَالْأَعْوَرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الَّذِي عَوِرَ فَلَمْ تُقْضَ حَاجَتُهُ، وَلَمْ يُصِبْ مَا طَلَبَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [الذاريات: 54] قَالَ: «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ»

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: 54] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَمَا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ بِمَلُومٍ،

لَا يَلُومُكَ رَبُّكَ عَلَى تَفْرِيطٍ كَانَ مِنْكَ فِي الْإِنْذَارِ، فَقَدْ أَنْذَرْتَ، وَبَلَّغْتَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: 54] قَالَ: «مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: 54] قَالَ: «قَدْ بَلَّغْتَ مَا أَرْسَلْنَاكَ بِهِ، فَلَسْتَ بِمَلُومٍ» قَالَ: «وَكَيْفَ يَلُومُهُ، وَقَدْ أَدَّى مَا أُمِرَ بِهِ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: 54] " ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، اشْتَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَأَوْا أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَأَنَّ الْعَذَابَ قَدْ حَضَرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55] "

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: خَرَجَ عَلِيُّ مُعْتَجِرًا بِبُرْدٍ، مُشْتَمِلًا بِخَمِيصَةٍ، فَقَالَ " لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: 54] أَحْزَنَنَا ذَلِكَ وَقُلْنَا: أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ

جارٍ التحميل