وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: 92] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَارْتَفَعَ اللَّهُ وَعَلَا عَنْ شِرْكِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَوَصْفِهِمْ إِيَّاهُ بِمَا يَصِفُونَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: 94] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: رَبِّ إِنْ تُرِيَنِّي فِي هَؤُلَاءِ
الْمُشْرِكِينَ مَا تَعِدُهُمْ مِنْ عَذَابِكَ فَلَا تُهْلِكَنِّي بِمَا تُهْلِكُهُمْ بِهِ.
وَنَجِّنِي مِنْ عَذَابِكَ وَسَخَطِكَ , فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الْمُشْرِكِينَ؛ وَلَكِنِ اجْعَلْنِي مِمَّنْ رَضِيتَ عَنْهُ مِنْ أَوْلِيَائِكَ وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي﴾ [المؤمنون: 94] جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ [المؤمنون: 93] اعْتَرَضَ بَيْنَهُمَا بِالنِّدَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ جَزَاءٌ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ، لَا يُقَالُ: يَا زَيْدُ فَقُمْ، وَلَا: يَا رَبِّ فَاغْفِرْ، لِأَنَّ النِّدَاءَ مُسْتَأْنَفٌ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ، لَا تَدْخُلُهُ الْفَاءُ وَالْوَاوُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِكَلَامٍ قَبْلَهُ
وَقَوْلُهُ ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: 95] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنَّا يَا مُحَمَّدُ عَلَى أَنْ نُرِيَكَ فِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مَا نَعِدُهُمْ مِنْ تَعْجِيلِ الْعَذَابِ لَهُمْ، لَقَادِرُونَ، فَلَا يَحْزُنَنَّكَ تَكْذِيبُهُمْ إِيَّاكَ بِمَا نَعِدُهُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا نُؤَخِّرُ ذَلِكَ لِيَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: 97] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ: ادْفَعْ يَا مُحَمَّدُ بِالْخَلَّةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَذَلِكَ الْإِغْضَاءُ وَالصَّفْحُ عَنْ جَهَلَةِ الْمُشْرِكِينَ , وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَاهُمْ، وَذَلِكَ أَمْرُهُ
إِيَّاهُ قَبْلَ أَمْرِهِ بِحَرْبِهِمْ.
وَعَنَى بِالسَّيِّئَةِ: أَذَى الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُ , وَتَكْذِيبُهُمْ لَهُ فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يَقُولُ لَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اصْبِرْ عَلَى مَا تَلْقَى مِنْهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: 96] قَالَ: أَعْرِضْ عَنْ أَذَاهُمْ إِيَّاكَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: 96] قَالَ: «هُوَ السَّلَامُ، تُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيتُهُ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا هَوْذَةُ، قَالَ: ثنا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: 96] قَالَ: «وَاللَّهِ لَا يُصِيبُهَا صَاحِبُهَا حَتَّى يَكْظِمَ غَيْظًا , وَيَصْفَحَ عَمَّا يَكْرَهُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 96] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ اللَّهَ بِهِ، وَيَنْحَلُونَهُ مِنَ الْأَكَاذِيبِ , وَالْفِرْيَةِ عَلَيْهِ، وَبِمَا يَقُولُونَ فِيكَ مِنَ السُّوءِ، وَنَحْنُ مُجَازُوهُمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، فَلَا يَحْزُنْكَ مَا تَسْمَعُ مِنْهُمْ مِنْ قَبِيحِ الْقَوْلِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: 97] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ
مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ: رَبِّ أَسْتَجِيرُ بِكَ مِنْ خَنْقِ الشَّيَاطِينِ وَهَمَزَاتِهَا، وَالْهَمْزُ: هُوَ الْغَمْزُ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْهَمْزِ فِي الْكَلَامِ: هَمْزَةٌ، وَالْهَمَزَاتُ جَمْعُ هَمْزَةٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: 97] قَالَ: هَمَزَاتُ الشَّيَاطِينِ: خَنْقُهُمُ النَّاسَ، فَذَلِكَ هَمَزَاتُهُمْ "