تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 30-38

وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: 18] يَقُولُ: فَيَجِيئُونَ زُمَرًا زُمَرًا، وَجَمَاعَةً جَمَاعَةً وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْتَأْوِيلِ

صفحات 30-38
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25] قَالَ: الْحَمِيمُ: دُمُوعُ أَعْيُنِهِمْ فِي النَّارِ، يَجْتَمِعُ فِي خَنَادِقِ النَّارِ فَيُسْقَوْنَهُ، وَالْغَسَّاقُ: الصَّدِيدُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ جُلُودِهِمْ، مِمَّا تَصْهَرُهُمُ النَّارُ فِي حِيَاضٍ يَجْتَمِعُ فِيهَا فَيُسْقَوْنَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25] قَالَ: الْغَسَّاقُ: مَا يَقْطُرُ مِنْ جُلُودِهِمْ، وَمَا يَسِيلُ مِنْ نَتَنِهِمْ وَقَالَ آخَرُونَ: الْغَسَّاقُ: الزَّمْهَرِيرُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25] يَقُولُ: الزَّمْهَرِيرُ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَأَبُو السَّائِبِ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالُوا: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ لَيْثًا، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25] قَالَ: الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَذُوقُوهُ مِنْ بَرْدِهِ

قَالَ: ثنا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25] قَالَ: الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُونَهُ مِنْ بِرْدِهِ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الْغَسَّاقُ: الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ بَرْدِهِ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: الْغَسَّاقُ: الزَّمْهَرِيرُ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: الْغَسَّاقُ: الزَّمْهَرِيرُ وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الْمُنْتِنُ، وَهُوَ بِالطَّخَارِيَّةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ شَرِيكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: الْغَسَّاقُ: بِالطَّخَارِيَّةِ: هُوَ الْمُنْتِنُ وَالْغَسَّاقُ عِنْدِي: هُوَ الْفَعَّالُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: غَسَقَتْ عَيْنُ فُلَانٍ: إِذَا سَالَتْ دُمُوعُهَا، وَغَسَقَ الْجُرْحُ: إِذَا سَالَ صَدِيدُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: 3] يَعْنِي بِالْغَاسِقِ: اللَّيْلَ إِذَا لَبِسَ الْأَشْيَاءَ وَغَطَّاهَا؛ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ هُجُومَهُ عَلَى الْأَشْيَاءِ، هُجُومَ السَّيْلِ السَّائِلِ؛ فَإِذَا كَانَ الْغَسَّاقُ هُوَ مَا وَصَفْتُ مِنَ الشَّيْءِ السَّائِلِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَذُوقُونَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الشَّرَابِ، هُوَ السَّائِلُ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ فِي جَهَنَّمَ، الْجَامِعُ مَعَ شِدَّةِ بَرْدِهِ النَّتَنَ

كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا يَعْمَرُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: ثنا

رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي السَّمْحِ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ إِلَى الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيَا

حُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُ قَالَ: أَتَدْرُونَ أَيُّ شَيْءٍ الْغَسَّاقُ؟ قَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هُوَ الْقَيْحُ الْغَلِيظُ، لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْهُ تُهَرَاقُ بِالْمَغْرِبِ، لَأَنْتَنَ أَهْلُ الْمَشْرِقِ، وَلَوْ تُهَرَاقُ بِالْمَشْرِقِ، لَأَنْتَنَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّكَ قَدْ قُلْتَ: إِنَّ الْغَسَّاقَ: هُوَ الزَّمْهَرِيرُ، وَالزَّمْهَرِيرُ: هُوَ غَايَةُ الْبَرْدِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الزَّمْهَرِيرُ سَائِلًا؟ قِيلَ: إِنَّ الْبَرْدَ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ وَلَا يُطَاقُ، يَكُونُ فِي صِفَةِ السَّائِلِ مِنْ أَجْسَادِ الْقَوْمِ مِنَ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الْعِقَابُ الَّذِي عُوقِبَ لَهُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ فِي الْآخِرَةِ، فَعَلَهُ بِهِمْ رَبُّهُمْ جَزَاءً، يَعْنِي: ثَوَابًا لَهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ

وَأَقْوَالِهِمُ الرَّدِيئَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَافَقَ هَذَا الْعِقَابُ هَذَا الْعِلْمَ وِفَاقًا

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْتَأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: 26] يَقُولُ: وَافَقَ أَعْمَالَهُمْ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: 26] وَافَقَ الْجَزَاءُ أَعْمَالَ الْقَوْمِ أَعْمَالَ السُّوءِ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: 26] قَالَ: بِحَسْبِ أَعْمَالِهِمْ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: 26] قَالَ: ثَوَابٌ وَافَقَ أَعْمَالَهُمْ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: 26] قَالَ: عَمِلُوا شَرًّا، فَجُزُوا شَرًّا، وَعَمِلُوا حَسَنًا، فَجُزُوا حَسَنًا، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: 26] قَالَ: جَزَاءً وَافَقَ أَعْمَالَ الْقَوْمِ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: 26] قَالَ: وَافَقَ الْجَزَاءُ الْعَمَلَ

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا لَا يَخَافُونَ مُحَاسَبَةَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَلَى نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَسُوءِ شُكْرِهِمْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْتَأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ: 27] قَالَ: لَا يُبَالُونَ فَيُصَدِّقُونَ بِالْغَيْبِ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ: 27] أَيْ لَا يَخَافُونَ حِسَابًا

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ: 27] قَالَ: لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ وَلَا بِالْحِسَابِ، وَكَيْفَ يَرْجُو الْحِسَابَ مَنْ لَا يُوقِنُ أَنَّهُ يَحْيَا، وَلَا يُوقِنُ بِالْبَعْثِ؛ وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [المؤمنون: 82] إِلَى قَوْلِهِ ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: 83] وَقَرَأَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: 7] إِلَى قَوْلِهِ ﴿جَدِيدٍ﴾ [سبأ: 7] فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا لَهُ ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: 8] الرَّجُلُ مَجْنُونٌ حِينَ يُخْبِرْنَا بِهَذَا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: 28] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَذَّبَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ بِحُجَجِنَا وَأَدِلَّتِنَا تَكْذِيبًا.
وَقِيلَ: ﴿كِذَّابًا﴾ [النبأ: 28] وَلَمْ يَقُلْ تَكْذِيبًا، تَصْدِيرًا عَلَى فِعْلِهِ وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّ فَعَلَ مِنْهُ عَلَى أَرْبَعَةٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ مِثْلَ بَابِ أَفَعَلْتُ، وَمَصْدَرُ أَفَعَلْتُ إِفْعَالًا، فَقَالَ:

كِذَّابًا، فَجَعَلَهُ عَلَى عَدَدِ مَصْدَرِهِ، قَالَ: وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ تَقُولُ: قَاتَلَ قِتَالًا، قَالَ: وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: هَذِهِ لُغَةٌ يَمَانِيَّةٌ فَصِيحَةٌ، يَقُولُونَ: كَذَّبْتُ بِهِ كِذَّابًا، وَخَرَّقْتُ الْقَمِيصَ خِرَّاقًا، وَكُلٌّ فَعَّلْتُ، فَمَصْدَرُهَا فِعَّالٌ بِلُغَتِهِمْ مُشَدَّدَةٌ.
قَالَ: وَقَالَ لِي أَعْرَابِيٌّ مَرَّةً عَلَى الْمَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي: الْحَلْقُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمِ الْقِصَّارُ؟ قَالَ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ بَنِي كِلَابٍ: [البحر الطويل] لَقَدْ طَالَ مَا ثَبَّطَتْنِي عَنْ صَحَابَتِي ... وَعَنْ حِوَجٍ قِضَّاؤُهَا مِنْ شِفَائِيَا وَأَجْمَعَتِ الْقُرَّاءُ عَلَى تَشْدِيدِ الذَّالِ مِنَ الْكِذَّابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَكَانَ الْكِسَائِيُّ خَاصَّةً يُخَفِّفُ الثَّانِيَةَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: 35]

وَيَقُولُ: وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: كَاذَبْتُهُ كِذَّابًا وَمُكَاذَبَةً، وَيُشَدِّدُ هَذِهِ، وَيَقُولُ قَوْلُهُ كَذَّبُوا يُقَيِّدُ الْكِذَّابَ بِالْمَصْدَرِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ: 29] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فَكَتَبْنَاهُ كِتَابًا، كَتَبْنَا عَدَدَهُ وَمَبْلَغَهُ وَقَدَرَهُ، فَلَا يَغْرُبُ عَنَّا عِلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ؛ وَنَصَبَ كِتَابًا، لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ [يس: 12] مَصْدَرَ أَثْبَتْنَاهُ وَكَتَبْنَاهُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَكُلَّ شَيْءٍ كَتَبْنَاهُ كِتَابًا

وَقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 30] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ فِي جَهَنَّمَ إِذَا شَرِبُوا الْحَمِيمَ وَالْغَسَّاقَ: ذُوقُوا أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا تُكَذِّبُونَ، فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا عَلَى الْعَذَابِ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ لَا تَخْفِيفًا مِنْهُ، وَلَا تَرَفُّهًا

وَقَدْ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَزْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: لَمْ تَنْزِلْ عَلَى أَهْلِ النَّارِ آيَةٌ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 30] قَالَ: فَهُمْ فِي مَزِيدٍ مِنَ الْعَذَابِ أَبَدًا

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 30] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَقُولُ: مَا نَزَلَتْ عَلَى أَهْلِ النَّارِ آيَةٌ أَشَدُّ مِنْهَا ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 30] فَهُمْ فِي مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ أَبَدًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: 32] يَقُولُ: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَنْجًى مِنَ النَّارِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمُخَلِّصًا مِنْهُمْ لَهُمْ إِلَيْهَا، وَظَفَرًا بِمَا طَلَبُوا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْتَأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ: 31] قَالَ: فَازُوا بِأَنْ نَجَوْا مِنَ النَّارِ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ: 31] إِي وَاللَّهِ مَفَازًا مِنَ النَّارِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلَى رَحْمَتِهِ

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ: 31] قَالَ: مَفَازًا مِنَ النَّارِ إِلَى الْجَنَّةِ

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ: 31] يَقُولُ: مُنْتَزَهًا

وَقَوْلُهُ: ﴿حَدَائِقَ﴾ [النمل: 60] وَالْحَدَائِقُ: تَرْجَمَةٌ وَبَيَانٌ عَنِ الْمَفَازِ، وَجَازَ أَنْ يُتَرْجَمَ بِهَا عَنْهُ، لِأَنَّ الْمَفَازَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: فَازَ فُلَانٌ بِهَذَا الشَّيْءِ: إِذَا طَلَبَهُ فَظَفِرَ بِهِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ ظَفَرًا بِمَا طَلَبُوا مِنْ حَدَائِقَ وَأَعْنَابٍ؛ وَالْحَدَائِقُ: جَمْعُ حَدِيقَةٍ.
وَهِيَ الْبَسَاتِينُ مِنَ النَّخْلِ

وَالْأَعْنَابِ وَالْأَشْجَارِ الْمَحُوطِ عَلَيْهَا الْحِيطَانُ الْمُحْدِقَةُ بِهَا، لِإِحْدَاقِ الْحِيطَانِ بِهَا تُسَمَّى الْحَدِيقَةَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْحِيطَانُ بِهَا مُحْدِقَةً، لَمْ يُقَلْ لَهَا حَدِيقَةٌ، وَإِحْدَاقُهَا بِهَا: اشْتِمَالُهَا عَلَيْهَا

جارٍ التحميل