وَقَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 44] يَقُولُ: فَأَبْعَدَ اللَّهُ قَوْمًا لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا يُصَدِّقُونَ بِرَسُولِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: 46] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ أَرْسَلْنَا بَعْدَ الرُّسُلِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ، مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَأَشْرَافِ قَوْمِهِ مِنَ الْقِبْطِ ﴿بِآيَاتِنَا﴾ [البقرة: 39] يَقُولُ: بِحُجَجِنَا، إِلَى فِرْعَوْنَ , وَأَشْرَافِ قَوْمِهِ مِنَ الْقِبْطِ ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ [الأعراف: 133] عَنِ اتِّبَاعِهَا , وَالْإِيمَانِ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: 46] يَقُولُ: وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ عَلَى أَهْلِ نَاحِيَتِهِمْ وَمَنْ فِي بِلَادِهِمْ مِنْ بَنَى إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ بِالظُّلْمِ، قَاهِرِينَ لَهُمْ.
وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: 46] قَالَ: «عَلَوْا عَلَى رُسُلِهِمْ , وَعَصَوْا رَبَّهُمْ؛ ذَلِكَ عُلُوُّهُمْ» وَقَرَأَ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [القصص: 83] الْآيَةَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَقَالَ فِرْعَوْنُ وَمَلُؤُهُ: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: 47] فَنَتَّبِعُهُمَا ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ [المؤمنون: 47] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: 47] يَعْنُونَ أَنَّهُمْ لَهُمْ مُطِيعُونَ مُتَذَلِّلُونَ، يَأْتَمِرُونَ لَأَمْرِهِمْ
, وَيَدِينُونَ لَهُمْ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَنْ دَانَ لِمَلِكٍ عَابِدًا لَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِأَهْلِ الْحِيرَةِ: الْعِبَادُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ طَاعَةٍ لِمُلُوكِ الْعَجَمِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " قَالَ فِرْعَوْنُ
: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: 47] . الْآيَةَ، نَذْهَبُ نَرْفَعُهُمْ فَوْقَنَا، وَنَكُونُ تَحْتَهُمْ، وَنَحْنُ الْيَوْمَ فَوْقَهُمْ وَهُمْ تَحْتَنَا، كَيْفَ نَصْنَعُ ذَلِكَ؟ وَذَلِكَ حِينَ أَتَوْهُمْ بِالرِّسَالَةِ " وَقَرَأَ: ﴿وَتَكُونُ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: 78] قَالَ: «الْعُلُوُّ فِي الْأَرْضِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: 48] يَقُولُ: فَكَذَّبَ فِرْعَوْنُ وَمَلُؤُهُ مُوسَى وَهَارُونَ، فَكَانُوا مِمَّنْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ كَمَا أَهْلَكَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ بِتَكْذِيبِهَا رُسُلَهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى التَّوْرَاةَ، لِيَهْتَدِيَ بِهَا قَوْمُهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَيَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ [المؤمنون: 50] يَقُولُ: وَجَعَلْنَا
ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ حُجَّةً لَنَا عَلَى مَنْ كَانَ بَيْنَهُمْ، وَعَلَى قُدْرَتِنَا عَلَى إِنْشَاءِ الْأَجْسَامِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، كَمَا أَنْشَأْنَا خَلْقُ عِيسَى مِنْ غَيْرِ أَبٍ
كَمَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ [المؤمنون: 50] قَالَ: «وَلَدَتْهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ هُوَ لَهُ» وَلِذَلِكَ وُحِّدَتِ الْآيَةُ، وَقَدْ ذُكِرَ مَرْيَمُ وَابْنُهَا
وَقَوْلُهُ ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: 50] يَقُولُ: وَضَمَمْنَاهُمَا وَصَيَّرْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ،
يُقَالُ: أَوَى فُلَانٌ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا، فَهُوَ يَأْوِي إِلَيْهِ.
إِذَا صَارَ إِلَيْهِ؛ وَعَلَى مِثَالِ أَفْعَلْتُهُ , فَهُوَ يُؤْوِيهِ وَقَوْلُهُ ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: 50] يَعْنِي: إِلَى مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الْأَرْضِ عَلَى مَا حَوْلَهُ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلرَّجُلِ يَكُونُ فِي رِفْعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَعِزٍّ وَشَرَفٍ وَعَدَدٍ: هُوَ فِي رَبْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَفِيهَا لُغَتَانِ: ضَمُّ الرَّاءِ , وَكَسْرُهَا إِذَا أُرِيدَ بِهَا الِاسْمُ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهَا الْفَعْلَةُ مِنَ الْمَصْدَرِ قِيلَ: رَبَا رَبْوَةً وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَآوَى إِلَيْهِ مَرْيَمَ وَابْنَهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الرَّمْلَةُ مِنْ فِلَسْطِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ: ثني ابْنُ عَمٍّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ: " الْزَمُوا هَذِهِ الرَّمْلَةَ مِنْ فِلَسْطِينَ، فَإِنَّهَا الرَّبْوَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] "
حَدَّثَنِي عِصَامُ بْنُ رَوَّادِ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثنا عَبَّادٌ أَبُو عُتْبَةَ الْخَوَّاصُ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيُّ، عَنِ ابْنِ وَعْلَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ،
قَالَ: مَا أَدْرِي مَا حَدَّثَنَا مُرَّةُ الْبَهْزِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ذَكَرَ أَنَّ الرَّبْوَةَ هِيَ الرَّمْلَةُ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ بِشْرِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] قَالَ: هِيَ الرَّمْلَةُ مِنْ فِلَسْطِينَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا صَفْوَانُ قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ: ثني أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ عَمِّ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ: " الْزَمُوا هَذِهِ الرَّمْلَةَ الَّتِي بِفِلَسْطِينَ، فَإِنَّهَا الرَّبْوَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] " وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ دِمَشْقُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] قَالَ: «زَعَمُوا أَنَّهَا دِمَشْقُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: «دِمَشْقُ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ السَّهْمِيُّ قَالَ: ثنا ابْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] قَالَ: إِلَى رَبْوَةٍ مِنْ رُبَا مِصْرَ قَالَ: «وَلَيْسَ الرُّبَا إِلَّا فِي مِصْرَ، وَالْمَاءُ حِينَ يُرْسَلُ تَكُونُ الرُّبَا عَلَيْهَا الْقُرَى، لَوْلَا الرُّبَا لَغِرَقَتْ تِلْكَ الْقُرَى» وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «هُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ»
قَالَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ كَعْبٌ يَقُولُ: «بَيْتُ الْمَقْدِسِ أَقْرَبُ إِلَى السَّمَاءِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ كَعْبٍ، مِثْلَهُ
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ: أَنَّهَا مَكَانٌ مُرْتَفِعٌ ذُو اسْتِوَاءٍ وَمَاءٍ ظَاهِرٍ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ صِفَةُ الرَّمْلَةِ، لِأَنَّ الرَّمْلَةَ لَا مَاءَ بِهَا مَعِينٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَصَفَ هَذِهِ الرَّبْوَةَ بِأَنَّهَا ذَاتُ قَرَارٍ وَمَعِينٍوَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: 50] قَالَ: " الرَّبْوَةُ: الْمُسْتَوِيَةُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: 50] قَالَ: «مُسْتَوِيَةٌ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مِنْ صِفَةِ الرَّبْوَةِ الَّتِي أَوَيْنَا إِلَيْهَا مَرْيَمَ وَابْنَهَا عِيسَى، أَنَّهَا أَرْضٌ مُنْبَسِطَةٌ , وَسَاحَةٌ وَذَاتُ مَاءٍ ظَاهِرٍ لِغَيْرٍِ الْبَاطِنِ جَارٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] قَالَ: " الْمَعِينُ: الْمَاءُ الْجَارِي، وَهُوَ النَّهَرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24] "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] قَالَ: " الْمَعِينُ: الْمَاءُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدِ: " مَعِينٍ قَالَ: مَاءٌ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] قَالَ: الْمَكَانُ الْمُسْتَوِي، " وَالْمَعِينُ: الْمَاءُ الظَّاهِرُ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] «هُوَ الْمَاءُ الظَّاهِرُ» وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِالْقَرَارِ الثِّمَارُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: 50] «هِيَ ذَاتُ ثِمَارٍ، وَهِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ فِي مَعْنَى: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ [المؤمنون: 50] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنَّهَا إِنَّمَا وُصِفَتْ بِأَنَّهَا ذَاتُ قَرَارٍ، لِمَا فِيهَا مِنَ الثِّمَارِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَسْتَقِرُّ فِيهَا سَاكِنُوهَا، فَلَا وَجْهَ لَهُ نَعْرِفُهُ.
وَأَمَّا ﴿مَعِينٍ﴾ [الصافات: 45] فَإِنَّهُ مَفْعُولٌ مِنْ عِنْتُهُ فَأَنَا أُعِينُهُ، وَهُوَ مَعِينٌ؛ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعِيلًا مِنْ مَعَنَ يَمْعَنُ، فَهُوَ مَعِينٌ مِنَ الْمَاعُونِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الْأَبْرَصِ:
[البحر البسيط]
وَاهِيَةٌ أَوْ مَعِينٌ مُمْعِنٌ ... أَوْ هَضْبَةٌ دُونَهَا لَهُوبُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: 51] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقُلْنَا لِعِيسَى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الْحَلَالِ الَّذِي طَيَّبَهُ اللَّهُ لَكُمْ دُونَ الْحَرَامِ، ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: 51] تَقُولُ فِي الْكَلَامِ لِلرَّجُلِ الْوَاحِدِ: أَيُّهَا الْقَوْمُ كُفُّوا عَنَّا أَذَاكُمْ،
وَكَمَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: 173] ، وَهُوَ رَجُلٌ وَاحِدٌوَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ، قَالَ: ثني عُبَيْدُ بْنُ إِسْحَاقَ الضَّبِّيُّ الْعَطَّارُ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: 51] قَالَ: «كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَأْكُلُ مِنْ غَزْلِ أُمِّهِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: 51] يَقُولُ: إِنِّي بِأَعْمَالِكُمْ ذُو عِلْمٍ، لَا يَخْفَى عَلَيَّ مِنْهَا شَيْءٌ، وَأَنَا مُجَازِيكُمْ بِجَمِيعِهَا، وَمُوَفِّيكُمْ أُجُورَكُمْ وَثَوَابَكُمْ عَلَيْهَا، فَخُذُوا فِي صَالِحَاتِ الْأَعْمَالِ وَاجْتَهِدُوا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: 52] ، فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: (وَأَنَّ) بِالْفَتْحِ، بِمَعْنَى: إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً.
فَعَلَى هَذَا
التَّأْوِيلَ (وَأَنَّ) فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ، عَطْفٌ بِهَا عَلَى (مَا) مِنْ قَوْلِهِ: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 110] ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ إِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ، وَيَكُونُ نَصْبُهَا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ بِالْكَسْرِ: ﴿وَإِنَّ﴾ [البقرة: 23] هَذِهِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
وَالْكَسْرُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي عَلَى الِابْتِدَاءِ هُوَ الصَّوَابُ، لِأَنَّ الْخَبَرَ مِنَ اللَّهِ عَنْ قَيْلِهِ لِعِيسَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: 51] مُبْتَدَأٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾ [المؤمنون: 52] مَرْدُودٌ عَلَيْهِ عَطْفًا بِهِ عَلَيْهِ؛ فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَقُلْنَا لِعِيسَى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَقُلْنَا: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً.
وَقِيلَ: إِنَّ الْأُمَّةَ الَّذِي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الدِّينُ وَالْمِلَّةُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: 52] قَالَ: «الْمِلَّةُ وَالدِّينُ»