وَقَوْلُهُ: ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: 20] يَقُولُ: فَاخْرُجْ مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، إِنِّي لَكَ فِي إِشَارَتِي عَلَيْكَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا مِنَ النَّاصِحِينَ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَخَرَجَ مُوسَى مِنْ مَدِينَةِ فِرْعَوْنَ خَائِفًا مِنْ قَتْلِهِ النَّفْسَ أَنْ يُقْتَلَ بِهِ ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 18] يَقُولُ: يَنْتَظِرُ الطَّلَبَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَأْخُذَهُ.
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21] خَائِفًا مِنْ قَتْلِهِ النَّفْسَ يَتَرَقَّبُ الطَّلَبَ ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 21] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21] قَالَ: خَائِفًا مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ، يَتَرَقَّبُ أَنْ يَأْخُذَهُ الطَّلَبُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " ذُكِرَ لِي أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ مَا يَدْرِي أَيَّ وَجْهٍ يَسْلُكُ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 21] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21] قَالَ: يَتَرَقَّبُ مَخَافَةَ الطَّلَبِ "
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ مُوسَى وَهُوَ شَاخِصٌ عَنْ مَدِينَةِ فِرْعَوْنَ خَائِفًا: رَبِّ نَجِّنِي مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَمَّا جَعَلَ مُوسَى وَجْهَهُ نَحْوَ مَدْيَنَ، مَاضِيًا إِلَيْهَا، شَاخِصًا عَنْ مَدِينَةِ فِرْعَوْنَ، وَخَارِجًا عَنْ سُلْطَانِهِ، ﴿قَالَ: عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: 22] وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْقَاءَ﴾ [الأعراف: 47] : نَحْوَ مَدْيَنَ؛ وَيُقَالُ: فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، يَعْنِي بِهِ: مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ،
وَيُقَالُ: دَارُهُ تِلْقَاءُ دَارِ فُلَانٍ: إِذَا كَانَتْ مُحَاذِيَتَهَا،
وَلَمْ يَصْرِفِ اسْمَ مَدْيَنَ لِأَنَّهَا اسْمُ بَلْدَةٍ مَعْرُوفَةٍ، كَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ بِأَسْمَاءِ الْبِلَادِ الْمَعْرُوفَةِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الكامل] رُهْبَانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأَوْكِ تَنَزَّلُوا ... وَالْعُصْمُ مِنْ شَعَفِ الْعُقُولِ الْفَادِرِ
وَقَوْلُهُ: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: 22] يَقُولُ: عَسَى رَبِّي أَنْ يُبَيِّنَ لِي قَصْدَ السَّبِيلِ إِلَى مَدْيَنَ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَيْهَا.
وَذُكِرَ أَنَّ اللَّهَ قَيَّضَ لَهُ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 21] مَلَكًا سَدَّدَهُ الطَّرِيقَ، وَعَرَّفَهُ إِيَّاهُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " لَمَّا أَخَذَ مُوسَى فِي بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ جَاءَهُ مَلَكٌ عَلَى فَرَسٍ بِيَدِهِ عَنَزَةٌ؛ فَلَمَّا رَآهُ مُوسَى سَجَدَ لَهُ مِنَ الْفَرَقِ قَالَ: لَا تَسْجُدْ لِي وَلَكِنِ اتْبَعْنِي، فَاتَّبَعَهُ، فَهَدَاهُ نَحْوَ مَدْيَنَ.
وَقَالَ مُوسَى وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ نَحْوَ مَدْيَنَ: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: 22] فَانْطَلَقَ بِهِ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى مَدْيَنَ "
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " خَرَجَ مُوسَى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ مَدْيَنَ، وَلَيْسَ لَهُ عِلْمٌ بِالطَّرِيقِ إِلَّا حُسْنَ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ، فَإِنَّهُ قَالَ ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: 22] "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " ذُكِرَ لِي أَنَّهُ خَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 21] فَهَيَّأَ اللَّهُ الطَّرِيقَ إِلَى مَدْيَنَ، فَخَرَجَ مِنْ مِصْرِ بِلَا زَادٍ، وَلَا حِذَاءٍ، وَلَا ظَهْرٍ، وَلَا دِرْهَمٍ، وَلَا رَغِيفٍ، خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، حَتَّى وَقَعَ إِلَى أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ بِ مَدْيَنَ "
حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّارٍ الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: ثنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: " خَرَجَ مُوسَى مِنْ مِصْرَ إِلَى مَدْيَنَ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَهَا مَسِيرَةَ ثَمَانٍ، قَالَ: وَكَانَ يُقَالُ نَحْوٌ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ، وَخَرَجَ حَافِيًا، فَمَا وَصَلَ إِلَيْهَا حَتَّى وَقَعَ خُفُّ قَدَمِهِ ". حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عَثَّامٌ، قَالَ: ثنا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا خَرَجَ مُوسَى مِنْ مِصْرَ إِلَى مَدْيَنَ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثَمَانِ لَيَالٍ، كَانَ يُقَالُ: نَحْوٌ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ " ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَمَدْيَنُ كَانَ بِهَا يَوْمَئِذٍ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: " ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 22] وَمَدْيَنُ مَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ قَوْمُ شُعَيْبٍ ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: 22] " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 108] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ نَحْوَ قَوْلِنَا فِيهِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 108] قَالَ: الطَّرِيقَ إِلَى مَدْيَنَ ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: 22] قَالَ: قَصْدَ السَّبِيلِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ: " ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: 22] قَالَ: الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ، قَالَ مَا خَطْبُكُمَا، قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ، وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: 23] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ﴾ [القصص: 23] مُوسَى ﴿مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ [القصص: 23] يَعْنِي جَمَاعَةً ﴿مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾
[القصص: 23] نَعَمَهُمْ وَمَوَاشِيهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: 23] يَقُولُ: كَثْرَةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ " ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾ [القصص: 23] قَالَ: أُنَاسًا ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «وَقَعَ إِلَى أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ بِمَدْيَنَ أَهْلِ نَعَمٍ وَشَاءٍ»
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: ثنا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، قَالَ: ثنا أَبُو حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 23] قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى: قَالَ: مِثْلَ مَاءِ جَوْبِكُمْ هَذَا، يَعْنِي الْمُحْدَثَةَ.
وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: مِثْلَ مُحْدَثَتِكُمْ هَذِهِ، يَعْنِي جَوْبَكُمْ هَذَا "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: 23] يَقُولُ: وَوَجَدَ مِنْ دُونِ أُمَّةِ النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ عَلَى الْمَاءِ، امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿تَذُودَانِ﴾ [القصص: 23] تَحْبِسَانِ غَنَمَهُمَا؛ يُقَالُ مِنْهُ: ذَادَ فُلَانٌ غَنَمَهُ وَمَاشِيَتَهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَشُذُّ وَيَذْهَبُ، فَرَدُّهُ وَمَنْعُهُ يَذُودُهَا ذَوْدًا.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ
مِنَ الْكُوفِيِّينَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: ذُدْتُ الرَّجُلَ بِمَعْنَى: حَبَسْتُهُ، إِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ لِلْغَنَمِ وَالْإِبِلِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضِي أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ بِعَصَايَ» فَقَدْ جَعَلَ الذَّوْدَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ؛ وَمَنَ الذَّوْدِ قَوْلُ سُوَيْدِ بْنِ كُرَاعٍ:
[البحر الطويل]
أَبِيتُ عَلَى بَابِ الْقَوَافِي كَأَنَّمَا ... أَذُودُ بِهَا سِرْبًا مِنَ الْوَحْشِ نُزَّعَا
وَقَوْلُ الْآخَرِ: [البحر الوافر] وَقَدْ سَلَبَتْ عَصَاكَ بَنُو تَمِيمٍ ... فَمَا تَدْرِي بِأَيِّ عَصًا تَذُودُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿تَذُودَانِ﴾ [القصص: 23] يَقُولُ: تَحْبِسَانِ "
حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغُ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثني سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: 23] يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمَا حَابِسَتَانِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: 23] قَالَ: حَابِسَتَيْنِ "
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: 23] يَقُولُ: تَحْبِسَانِ غَنَمَهُمَا ". وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي كَانَتْ عَنْهُ تَذُودُ هَاتَانِ الْمَرْأَتَانِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتَا تَذُودَانِ غَنَمَهُمَا عَنِ الْمَاءِ، حَتَّى يَصْدُرَ عَنْهُ مَوَاشِي النَّاسِ، ثُمَّ تَسْقِيَانِ
مَاشِيَتَهُمَا لِضَعْفِهِمَا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَوْلَهُ: " ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: 23] قَالَ: تَحْبِسَانِ غَنَمَهُمَا عَنِ النَّاسِ حَتَّى يَفْرُغُوا وَتَخْلُوَ لَهُمَا الْبِئْرُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، " ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾ [القصص: 23] يَعْنِي دُونَ الْقَوْمِ تَذُودَانِ غَنَمَهُمَا عَنِ الْمَاءِ، وَهُوَ مَاءُ مَدْيَنَ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: تَذُودَانِ النَّاسَ عَنْ غَنَمِهِمَا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: 23] قَالَ: أَيْ حَابِسَتَيْنِ شَاءَهُمَا تَذُودَانِ النَّاسَ عَنْ شَائِهِمَا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ
أَصْحَابِهِ، ﴿تَذُودَانِ﴾ [القصص: 23] قَالَ: تَذُودَانِ النَّاسَ عَنْ غَنَمِهِمَا ". وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ: تَحْبِسَانِ غَنَمَهُمَا عَنِ النَّاسِ حَتَّى يَفْرُغُوا مِنْ سَقْيِ مَوَاشِيهِمْ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: ﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص: 23] عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا إِنَّمَا شَكَتَا أَنَّهُمَا لَا تَسْقِيَانِ حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ، إِذْ سَأَلَهُمَا مُوسَى عَنْ ذَوْدِهِمَا، وَلَوْ كَانَتَا تَذُودَانِ عَنْ غَنَمِهِمَا النَّاسَ، كَانَ لَا شَكَّ أَنَّهُمَا كَانَتَا تُخْبِرَانِ عَنْ سَبَبِ ذَوْدِهِمَا عَنْهَا النَّاسَ، لَا عَنْ سَبَبِ تَأَخُّرِ سَقْيِهِمَا إِلَى أَنْ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ [القصص: 23] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ مُوسَى لِلْمَرْأَتَيْنِ مَا شَأْنُكُمَا وَأَمْرُكُمَا تَذُودَانِ مَاشِيَتَكُمَا عَنِ النَّاسِ، هَلَّا تَسْقُونَهَا مَعَ مَوَاشِي النَّاسِ وَالْعَرَبِ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ: مَا خَطْبُكَ: بِمَعْنَى مَا أَمَرُكَ وَحَالُكَ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: [البحر الرجز] يَا عَجَبًا مَا خَطْبُهُ وَخَطْبِي وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثني سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ لَهُمَا: " ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ [القصص: 23] مُعْتَزِلَتَيْنِ لَا